
وانعكاساتها على الخيار الاستراتيجي العراقي
بقلم: الباحث والكاتب حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني./ دراسات في الاقتصاد التجاري البديل..
جمهورية العراق – بغداد
رقم النشر: 1001 / 2026
تاريخ النشر: 7 آذار 2026
تقدير أولي:
العلاقة بين الصين وإيران تتجاوز في عمقها مفهوم التحالف التقليدي لتصل إلى مرتبة الشراكة الاستراتيجية القائمة على أسس راسخة ومصالح متبادلة. هذه الشراكة تكتسب صفة القوة الفولاذية لأنها مبنية على احترام خطوط حمراء واضحة ومصالح اقتصادية ذهبية لا يمكن كسرها بضغوط خارجية. إنها علاقة ندية، لا علاقة تابع ومتبوع، وهذه هي نقطة قوتها الحقيقية التي تنتقل بالتحليل من قراءة المصالح المجردة إلى قراءة المبادئ الحاكمة لهذه المصالح.
أولاً: السيادة الإيرانية كخط أحمر تدركه الصين وتلتزم به
عند التأكيد على أن الصين تعرف أن السيادة الإيرانية خط أحمر، فإننا نضع الإصبع على مفتاح فهم الاستراتيجية الصينية العميقة.
السياسة الخارجية الصينية تقوم على مبدأ راسخ هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. هذا المبدأ ليس شعاراً فارغاً، بل هو جوهر علاقتها مع إيران. فالصين لا تتعامل مع إيران كورقة ضغط أو أداة يمكن التضحية بها في صفقة كبرى مع واشنطن. بل إن أي محاولة غربية لاختراق السيادة الإيرانية، سواء عبر العقوبات أو التهديد العسكري، تُقرأ في بكين على أنها سابقة خطيرة قد تطبق عليها يوماً ما. ومن هنا، فإن الدفاع الصيني عن حق إيران في السيادة ليس فقط دفاعاً عن طهران، بل هو دفاع عن مبدأ يحمي الصين نفسها في المستقبل.
كما أن الصين تتعامل مع إيران كدولة ذات سيادة، بغض النظر عن التحولات الداخلية. هذا المنحى يمنح العلاقة استقراراً لا تهزه المتغيرات السياسية الداخلية، فبكين لا ترهن علاقتها بتوجهات إدارية مؤقتة، بل ترى في إيران كياناً جيوسياسياً ثابتاً في منطقة حيوية، مما يضمن استمرارية العلاقة وتطورها رغم كل الضغوط الخارجية.
ثانياً: الاستراتيجية الذهبية للطرفين.. كيف تصبح العلاقة قوة فولاذية؟
وصف العلاقة الاقتصادية بأنها ذهبية للطرفين هو وصف دقيق، وهي ذهبية لأنها مبنية على تبادل منفعة حقيقي وليس على مساعدات أو منّ.
تقوم معادلة الطاقة مقابل الأمن على حصول الصين على نفط إيراني موثوق وآمن، بعيداً عن هيمنة المضيق وحلفاء أمريكا. في المقابل، تحصل إيران على شريان حياة اقتصادي يكسر العزلة ويوفر العملة الصعبة. هذه معادلة صلبة لأن الطرفين يحتاجانها بنفس الدرجة، مما يجعلها منيعة أمام أي ضغط خارجي، فهي ليست تفضلاً من طرف على آخر، بل حاجة متبادلة.
أما على صعيد مشاريع البنية التحتية والتنمية، فإن الاستثمارات الصينية في إيران تهدف إلى ربطها بمبادرة الحزام والطريق. هذا المشروع الطموح يحول إيران إلى حلقة وصل برية وبحرية تربط الصين بغرب آسيا وأوروبا. تتشابك المصالح هنا بشكل يجعل المساس بأي من الطرفين مكلفاً للآخر، وهذه هي القوة الفولاذية التي تمنع الهيمنة والتجاوز.
ثالثاً: المنطقة محمية من الجيران.. مشروع إقليمي بديل
فكرة المنطقة محمية من أبنائها هي لب المشروع الإيراني، وهي تلتقي بشكل مذهل مع الموقف الصيني من النظام الدولي.
إيران تريد أمناً إقليمياً يصنعه أبناء المنطقة بأنفسهم، دون وجود قوات أجنبية. الصين تدعم هذا التوجه بقوة، لأن وجود قواعد أمريكية في الخليج يهدد خطوط إمداداتها النفطية ويطوقها عسكرياً. المصلحة هنا واحدة: إخراج القوى الخارجية من المنطقة، مما يخلق تحالفاً طبيعياً بين قوة إقليمية تسعى لتأمين محيطها، وقوة دولية تسعى لكسر الهيمنة الأحادية على العالم.
أما على المستوى التجاري، فإن ما يمكن تسميته بمبدأ لا ضرر ولا ضرار هو ترجمة دقيقة لمفهوم السيادة الاقتصادية. إيران مستعدة للتعاون التجاري الواسع، لكنه تعاون لا يمس سيادتها ولا يفرض عليها شروطاً سياسية. الصين، من جانبها، تقدم هذا النموذج بالضبط: تجارة بلا شروط مسبقة على السيادة.
رابعاً: المصالح التجارية المتبادلة كأمر مشروع
التأكيد على أن المصالح التجارية أمر مشروع يرد على محاولات الغرب المستمرة لتجريم العلاقات الاقتصادية مع إيران.
الصين تتعامل مع إيران كأي دولة طبيعية، فحرية التجارة حق أصيل لجميع الدول. المحاولات الأمريكية لتجريم التجارة مع إيران هي التي تعتبر خروجاً عن القانون الدولي، وليس التجارة بحد ذاتها. ومن هنا، فإن الصين تستعيد للعلاقات الدولية طبيعتها الإنسانية والاقتصادية، بعيداً عن تسييس الاقتصاد وتحويله إلى سلاح عقابي.
كما أن الندية في العلاقة تخلق توازناً طبيعياً يمنع التجاوز. عندما تكون المصالح مشتركة ومتبادلة، لا يمكن لأي طرف أن يهيمن على الآخر. فالصين بحاجة لإيران كما تحتاج إيران للصين، مما ينتج علاقة ناضجة لا تشبه العلاقات الاستعمارية القديمة.
خامساً: العراق بين منطق الهيمنة ومنطق الشراكة.. ضرورة إعادة التموضع
ما تقدمه هذه الرؤية من نموذج للشراكة السيادية يضع العراق أمام مسؤولية تاريخية. العراق أولى بهذه العلاقة الرصينة مع الصين وروسيا، بل هو أحوج من غيره إليها، على الأقل في التقديرات الاستراتيجية.
المجال اليوم مفتوح على مصراعيه مع الصين، التي أثبتت الأيام أنها شريك موثوق لا يفرض وصاية ولا يشترط تنازلاً عن السيادة. لكن المشهد الداخلي ما زال يعاني من بطء في الحركة على هذا المستوى. هناك ساحة سياسية سريعة يجب أن يتحرك عليها البرلمان العراقي، وأن يمارس ضغطه لاستبدال حكومة تصريف الأعمال الحالية، لأن هذا التحسب الاستراتيجي وهذا البعد المفقود هو ما يضعف العراق حالياً.
في المنظور الأمريكي، الخشية الحقيقية تكمن في أن يتجه العراق نحو الصين لبناء شراكة اقتصادية تجارية حقيقية. نحن اليوم نطالب البرلمان العراقي بإعادة النظر في كافة العقود والقرارات الصادرة عن حكومة رئيس الوزراء السوداني، كونها تخالف الدستور العراقي، وأن تعرض كافة الملفات على مجلس القضاء الأعلى ومحكمة التمييز الاتحادية، لما ارتكبته الحكومة الحالية من أخطاء. إن الإسراع بإعادة النظر في بناء شراكة قوية مع الصين وروسيا أصبح ضرورة ملحة، خاصة بعد أن تجاوزت أمريكا وخرقت كل القيم والأعراف الدولية، وحولت الاتفاقية الاستراتيجية مع العراق إلى أداة للهيمنة على المنطقة ككل.
المعطيات على الأرض تؤكد أن الطريق إلى شراكة فولاذية كهذه مع الصين ليس نظرياً. ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الشرق، نجد أن الصين تثبت حضورها في العراق بمشاريع عملاقة تعيد تشكيل البنية التحتية للبلاد:
· في البصرة، هناك مشروع تحلية مياه البحر العملاق الذي سينفذ بتمويل عبر الآلية العراقية الصينية وبخبرة شركة باور تشاينا.
· مشروع إمدادات المياه المشتركة لأنابيب النفط بقيادة شركة سي بي بي الصينية قد دخل مرحلة التنفيذ رسمياً.
· في كربلاء، تتبلور ملامح مدينة صناعية متكاملة باستثمارات صينية ضخمة.
· في الأنبار، بدأت شركة إي سي إي سي الصينية العمل في مجمع الفوسفات الضخم.
الأهم من ذلك كله، أن البنك المركزي العراقي أعلن في 27 شباط 2026 عن إصلاح مالي كبير يسمح باستخدام اليوان الصيني مباشرة في التمويل التجاري مع العراق. هذا يعني أن بكين لم تعد تكتفي باستثمار النفط، بل باتت تمسك بملف السيادة المالية والنقدية للعراق، وتقدم له بديلاً حقيقياً عن هيمنة الدولار. إنها شراكة متكاملة، لا تقوم على المنة بل على الندية والمصلحة المشتركة.
خلاصة تحليلية: نحو قطب عالمي جديد
ما تقدمه هذه الرؤية هو نموذج لتحالف من نوع جديد. ليس حلفاً عسكرياً تقليدياً، بل تحالف مصالح سيادية يقوم على رفض مشترك للهيمنة، واحترام متبادل للسيادة، وتكامل اقتصادي حقيقي، ورؤية متقاربة لنظام دولي متعدد الأقطاب.
هذه العلاقة هي بالفعل قوة فولاذية لأنها لا تعتمد على الأهواء الشخصية للقادة أو على الظروف الآنية، بل على مصالح جيوسياسية واقتصادية عميقة ستستمر لعقود. في عالم يموج بالصراعات، تمثل الشراكة الصينية الإيرانية نموذجاً واعداً لعلاقات دولية جديدة، والعراق مدعو لأن يكون جزءاً فاعلاً في هذا النموذج، لا أن يبقى ساحة مكشوفة للهيمنة الأحادية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أمريكا تخوض حروباً لتُخضع إيران، بينما الصين تبني شراكات معها لتنهض معاً. إنه الفرق بين منطق الهيمنة ومنطق الشراكة.
إنها دعوة مخلصة لأبناء الشعب العراقي وللمسؤولين فيه، لاستشعار خطورة المرحلة، والتحرك العاجل لحماية مقدرات البلاد، وبناء شراكات استراتيجية حقيقية تليق بمكانة العراق وتصون سيادته.
وانعكاساتها على الخيار الاستراتيجي العراقي
بقلم: الباحث والكاتب حيدر الشبلاويأكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني./ دراسات في الاقتصاد التجاري البديل..
جمهورية العراق – بغداد
رقم النشر: 1001 / 2026تاريخ النشر: 7 آذار 2026تقدير أولي:
العلاقة بين الصين وإيران تتجاوز في عمقها مفهوم التحالف التقليدي لتصل إلى مرتبة الشراكة الاستراتيجية القائمة على أسس راسخة ومصالح متبادلة. هذه الشراكة تكتسب صفة القوة الفولاذية لأنها مبنية على احترام خطوط حمراء واضحة ومصالح اقتصادية ذهبية لا يمكن كسرها بضغوط خارجية. إنها علاقة ندية، لا علاقة تابع ومتبوع، وهذه هي نقطة قوتها الحقيقية التي تنتقل بالتحليل من قراءة المصالح المجردة إلى قراءة المبادئ الحاكمة لهذه المصالح.
أولاً: السيادة الإيرانية كخط أحمر تدركه الصين وتلتزم به
عند التأكيد على أن الصين تعرف أن السيادة الإيرانية خط أحمر، فإننا نضع الإصبع على مفتاح فهم الاستراتيجية الصينية العميقة.
السياسة الخارجية الصينية تقوم على مبدأ راسخ هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. هذا المبدأ ليس شعاراً فارغاً، بل هو جوهر علاقتها مع إيران. فالصين لا تتعامل مع إيران كورقة ضغط أو أداة يمكن التضحية بها في صفقة كبرى مع واشنطن. بل إن أي محاولة غربية لاختراق السيادة الإيرانية، سواء عبر العقوبات أو التهديد العسكري، تُقرأ في بكين على أنها سابقة خطيرة قد تطبق عليها يوماً ما. ومن هنا، فإن الدفاع الصيني عن حق إيران في السيادة ليس فقط دفاعاً عن طهران، بل هو دفاع عن مبدأ يحمي الصين نفسها في المستقبل.
كما أن الصين تتعامل مع إيران كدولة ذات سيادة، بغض النظر عن التحولات الداخلية. هذا المنحى يمنح العلاقة استقراراً لا تهزه المتغيرات السياسية الداخلية، فبكين لا ترهن علاقتها بتوجهات إدارية مؤقتة، بل ترى في إيران كياناً جيوسياسياً ثابتاً في منطقة حيوية، مما يضمن استمرارية العلاقة وتطورها رغم كل الضغوط الخارجية.
ثانياً: الاستراتيجية الذهبية للطرفين.. كيف تصبح العلاقة قوة فولاذية؟
وصف العلاقة الاقتصادية بأنها ذهبية للطرفين هو وصف دقيق، وهي ذهبية لأنها مبنية على تبادل منفعة حقيقي وليس على مساعدات أو منّ.
تقوم معادلة الطاقة مقابل الأمن على حصول الصين على نفط إيراني موثوق وآمن، بعيداً عن هيمنة المضيق وحلفاء أمريكا. في المقابل، تحصل إيران على شريان حياة اقتصادي يكسر العزلة ويوفر العملة الصعبة. هذه معادلة صلبة لأن الطرفين يحتاجانها بنفس الدرجة، مما يجعلها منيعة أمام أي ضغط خارجي، فهي ليست تفضلاً من طرف على آخر، بل حاجة متبادلة.
أما على صعيد مشاريع البنية التحتية والتنمية، فإن الاستثمارات الصينية في إيران تهدف إلى ربطها بمبادرة الحزام والطريق. هذا المشروع الطموح يحول إيران إلى حلقة وصل برية وبحرية تربط الصين بغرب آسيا وأوروبا. تتشابك المصالح هنا بشكل يجعل المساس بأي من الطرفين مكلفاً للآخر، وهذه هي القوة الفولاذية التي تمنع الهيمنة والتجاوز.
ثالثاً: المنطقة محمية من الجيران.. مشروع إقليمي بديل
فكرة المنطقة محمية من أبنائها هي لب المشروع الإيراني، وهي تلتقي بشكل مذهل مع الموقف الصيني من النظام الدولي.
إيران تريد أمناً إقليمياً يصنعه أبناء المنطقة بأنفسهم، دون وجود قوات أجنبية. الصين تدعم هذا التوجه بقوة، لأن وجود قواعد أمريكية في الخليج يهدد خطوط إمداداتها النفطية ويطوقها عسكرياً. المصلحة هنا واحدة: إخراج القوى الخارجية من المنطقة، مما يخلق تحالفاً طبيعياً بين قوة إقليمية تسعى لتأمين محيطها، وقوة دولية تسعى لكسر الهيمنة الأحادية على العالم.
أما على المستوى التجاري، فإن ما يمكن تسميته بمبدأ لا ضرر ولا ضرار هو ترجمة دقيقة لمفهوم السيادة الاقتصادية. إيران مستعدة للتعاون التجاري الواسع، لكنه تعاون لا يمس سيادتها ولا يفرض عليها شروطاً سياسية. الصين، من جانبها، تقدم هذا النموذج بالضبط: تجارة بلا شروط مسبقة على السيادة.
رابعاً: المصالح التجارية المتبادلة كأمر مشروع
التأكيد على أن المصالح التجارية أمر مشروع يرد على محاولات الغرب المستمرة لتجريم العلاقات الاقتصادية مع إيران.
الصين تتعامل مع إيران كأي دولة طبيعية، فحرية التجارة حق أصيل لجميع الدول. المحاولات الأمريكية لتجريم التجارة مع إيران هي التي تعتبر خروجاً عن القانون الدولي، وليس التجارة بحد ذاتها. ومن هنا، فإن الصين تستعيد للعلاقات الدولية طبيعتها الإنسانية والاقتصادية، بعيداً عن تسييس الاقتصاد وتحويله إلى سلاح عقابي.
كما أن الندية في العلاقة تخلق توازناً طبيعياً يمنع التجاوز. عندما تكون المصالح مشتركة ومتبادلة، لا يمكن لأي طرف أن يهيمن على الآخر. فالصين بحاجة لإيران كما تحتاج إيران للصين، مما ينتج علاقة ناضجة لا تشبه العلاقات الاستعمارية القديمة.
خامساً: العراق بين منطق الهيمنة ومنطق الشراكة.. ضرورة إعادة التموضع
ما تقدمه هذه الرؤية من نموذج للشراكة السيادية يضع العراق أمام مسؤولية تاريخية. العراق أولى بهذه العلاقة الرصينة مع الصين وروسيا، بل هو أحوج من غيره إليها، على الأقل في التقديرات الاستراتيجية.
المجال اليوم مفتوح على مصراعيه مع الصين، التي أثبتت الأيام أنها شريك موثوق لا يفرض وصاية ولا يشترط تنازلاً عن السيادة. لكن المشهد الداخلي ما زال يعاني من بطء في الحركة على هذا المستوى. هناك ساحة سياسية سريعة يجب أن يتحرك عليها البرلمان العراقي، وأن يمارس ضغطه لاستبدال حكومة تصريف الأعمال الحالية، لأن هذا التحسب الاستراتيجي وهذا البعد المفقود هو ما يضعف العراق حالياً.
في المنظور الأمريكي، الخشية الحقيقية تكمن في أن يتجه العراق نحو الصين لبناء شراكة اقتصادية تجارية حقيقية. نحن اليوم نطالب البرلمان العراقي بإعادة النظر في كافة العقود والقرارات الصادرة عن حكومة رئيس الوزراء السوداني، كونها تخالف الدستور العراقي، وأن تعرض كافة الملفات على مجلس القضاء الأعلى ومحكمة التمييز الاتحادية، لما ارتكبته الحكومة الحالية من أخطاء. إن الإسراع بإعادة النظر في بناء شراكة قوية مع الصين وروسيا أصبح ضرورة ملحة، خاصة بعد أن تجاوزت أمريكا وخرقت كل القيم والأعراف الدولية، وحولت الاتفاقية الاستراتيجية مع العراق إلى أداة للهيمنة على المنطقة ككل.
المعطيات على الأرض تؤكد أن الطريق إلى شراكة فولاذية كهذه مع الصين ليس نظرياً. ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الشرق، نجد أن الصين تثبت حضورها في العراق بمشاريع عملاقة تعيد تشكيل البنية التحتية للبلاد:
· في البصرة، هناك مشروع تحلية مياه البحر العملاق الذي سينفذ بتمويل عبر الآلية العراقية الصينية وبخبرة شركة باور تشاينا.· مشروع إمدادات المياه المشتركة لأنابيب النفط بقيادة شركة سي بي بي الصينية قد دخل مرحلة التنفيذ رسمياً.· في كربلاء، تتبلور ملامح مدينة صناعية متكاملة باستثمارات صينية ضخمة.· في الأنبار، بدأت شركة إي سي إي سي الصينية العمل في مجمع الفوسفات الضخم.
الأهم من ذلك كله، أن البنك المركزي العراقي أعلن في 27 شباط 2026 عن إصلاح مالي كبير يسمح باستخدام اليوان الصيني مباشرة في التمويل التجاري مع العراق. هذا يعني أن بكين لم تعد تكتفي باستثمار النفط، بل باتت تمسك بملف السيادة المالية والنقدية للعراق، وتقدم له بديلاً حقيقياً عن هيمنة الدولار. إنها شراكة متكاملة، لا تقوم على المنة بل على الندية والمصلحة المشتركة.
خلاصة تحليلية: نحو قطب عالمي جديد
ما تقدمه هذه الرؤية هو نموذج لتحالف من نوع جديد. ليس حلفاً عسكرياً تقليدياً، بل تحالف مصالح سيادية يقوم على رفض مشترك للهيمنة، واحترام متبادل للسيادة، وتكامل اقتصادي حقيقي، ورؤية متقاربة لنظام دولي متعدد الأقطاب.
هذه العلاقة هي بالفعل قوة فولاذية لأنها لا تعتمد على الأهواء الشخصية للقادة أو على الظروف الآنية، بل على مصالح جيوسياسية واقتصادية عميقة ستستمر لعقود. في عالم يموج بالصراعات، تمثل الشراكة الصينية الإيرانية نموذجاً واعداً لعلاقات دولية جديدة، والعراق مدعو لأن يكون جزءاً فاعلاً في هذا النموذج، لا أن يبقى ساحة مكشوفة للهيمنة الأحادية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أمريكا تخوض حروباً لتُخضع إيران، بينما الصين تبني شراكات معها لتنهض معاً. إنه الفرق بين منطق الهيمنة ومنطق الشراكة.
إنها دعوة مخلصة لأبناء الشعب العراقي وللمسؤولين فيه، لاستشعار خطورة المرحلة، والتحرك العاجل لحماية مقدرات البلاد، وبناء شراكات استراتيجية حقيقية تليق بمكانة العراق وتصون سيادته.