وكالة وجريدة بيت العرب الاخباريه الدولية Alsco Software
netoops blog
الأحصائيات
عدد زوار الحالي:53
عدد زوار اليوم:4053
عدد زوار الشهر:40308
عدد زوار السنة:759967
عدد الزوار الأجمالي:2531066
القائمة الرئيسية
 ماهو دور الاعلام الرقمي في العراق
ممتاز
جيد جدا
جيد
لابأس



النتائــج
المزيد من الأستفتائات

عدد المصوتين: 48

البريد الالكتروني


وهم الصدارة وعقدة المقعد الأول

كتب رياض الفرطوسي
تضجّ حياتنا العامة بمشهد مكرر، يثير في النفس مزيجاً من الرثاء والسخرية؛ ذلك التهافت المحموم على المقاعد الأمامية، حيث يتدافع البعض لاقتناص سنتيمترات أقرب إلى الضوء. ففي مجتمع متورم بـ "الأنا" والتباهي، تصاب الفعاليات بالشلل لأن "النخب" بشتى تصنيفاتها ( من مسؤولين وبرلمانيين، وشيوخ عشائر، وعمائم ) يأبون جميعاً إلا أن يحشروا ذواتهم في الصفوف الأولى. يضطر المنظمون لزرع كراسي إضافية "قلقة" في المقدمة، تشوه المنظر وتعيق الحركة، فقط لإرضاء نهم هؤلاء للظهور. هذا المشهد ليس ترتيباً بروتوكولياً، بل هو عرضٌ سريري لمرضٍ عضال؛ إنه البحث اليائس عن "الوقود النرجسي" في محطات الإعجاب الخارجية، لأن المحركات الداخلية للذات معطلة تماماً.
هذا النزوع الاستعلائي ليس وليد اليوم، بل هو إرث من "السلطة المتضخمة" التي ترى في التراجع صفاً واحداً إهانة لكيانها. يُروى أن صدام حسين، الذي كان يسكنه هاجس "التقدم" في كل شيء، ذهب يوماً إلى السينما وأصرّ على الجلوس في المقاعد الأمامية، وحين قيل له إن الرؤية الأفضل والأكثر راحة تكون من المقاعد الخلفية، امتعض وتكدر مزاجه؛ فالمسألة لديه لم تكن "متعة المشاهدة"، بل رمزية "التصدر" حتى لو كانت عملاً يفتقر للمنطق. وتفادياً لهذه الصراعات المرضية على "السيادة" المكانية، لجأت بعض المحافل الذكية إلى اعتماد "الطاولة المستديرة" في اجتماعاتها، هرباً من هندسة المربعات والمستطيلات التي تمنح طرفاً ما فرصة ليكون "سيد الجلسة". إنها محاولة معمارية لكسر معضلة "الطبقية الوظيفية"، وفرض مساواة قسرية على أشخاص لا يشعرون بوجودهم إلا إذا احتكروا "رأس" الطاولة.
إن هذا الصنف من البشر يعاني مما يسميه الطب "التشوه المعرفي"؛ هو لا يملك صورة حقيقية عن نفسه، بل يرى وجوده عبر مرايا الآخرين المهشمة. إنه كائن مفرغ من المعنى، يمتص طاقة من حوله ليستمد نبضه، تماماً كمن يبحث عن محطة شحن لبطارية ميتة. هو الشخص الذي قد يركب سيارة فارهة لكنها في الحقيقة هي من تركبه، أو يرتدي ثياباً تتحكم به بدلاً من أن يرتديها. وبما أن رضا الناس غاية لا تدرك، فإنه يظل في حالة لهاث منهك خلف إطراء عابر، وهو يعلم في قرارة نفسه أن الآخرين سيكتشفون "عاهته" الوجودية في لحظة ما، فتتحول حياته إلى واجهة عريضة لهوية من ورق.
لقد علمتنا تجارب النفس البشرية أن الضوء الحقيقي ينبع من الداخل لا من "كشافات" المنصة. يُحكى أن الفيلسوف اليوناني "ديوجين" كان يجلس في الشمس بملابسه الرثة، وحين جاءه الإمبراطور الإسكندر الأكبر ( وهو في قمة مجده وسطوته ) وسأله: "ماذا تريد مني أن أفعل لك؟"، أجابه الفيلسوف بهدوء: "أريدك فقط أن تبتعد قليلاً لتترك لي ضوء الشمس". هنا تتجلى العظمة في أنبل صورها؛ فالإمبراطور الذي يملك الصفوف الأولى في التاريخ، يقف عاجزاً أمام إنسان يملك "ذاته"، ولا يرى في السلطة أو المكانة سوى حائل يمنع عنه الضياء الطبيعي.
إن الشخصية الممتلئة والراضية عن نفسها لا يضيرها أين تجلس، فقيمتها تنبع من صدقها الذاتي. ولعل أقصى درجات الحسم في التعامل مع هؤلاء "المستعرضين" هو التجاهل التام؛ فالتجاهل هنا هو الفعل الجراحي الوحيد الذي يضرب المبدأ الوهمي الذي بنوا عليه شخصياتهم الزائفة. حين تحرم "النرجسي" من الالتفات، أنت تضعه في مكانه الحقيقي الذي يهرب منه.
أجد نفسي دائماً أميل إلى الصفوف الخلفية؛ هناك حيث يمكنك رؤية القاعة بوضوح وهدوء، بعيداً عن برودة المقاعد الأولى وتكلفها المتعب. المقعد الخلفي أكثر دفئاً وإنسانية، يمنحك رفاهية المراقبة والانتباه للتفاصيل دون أن تكون تحت "المقصلة البصرية" للآخرين. في عالم مزدحم بالكراسي الفارغة من القيمة، يبقى المكان الحقيقي للإنسان هو تموضعه داخل روحه، أما المقاعد الأمامية فليست سوى منصات باردة لأجساد يرتجف في أعماقها الخواء.
كتب رياض الفرطوسي
تضجّ حياتنا العامة بمشهد مكرر، يثير في النفس مزيجاً من الرثاء والسخرية؛ ذلك التهافت المحموم على المقاعد الأمامية، حيث يتدافع البعض لاقتناص سنتيمترات أقرب إلى الضوء. ففي مجتمع متورم بـ "الأنا" والتباهي، تصاب الفعاليات بالشلل لأن "النخب" بشتى تصنيفاتها ( من مسؤولين وبرلمانيين، وشيوخ عشائر، وعمائم ) يأبون جميعاً إلا أن يحشروا ذواتهم في الصفوف الأولى. يضطر المنظمون لزرع كراسي إضافية "قلقة" في المقدمة، تشوه المنظر وتعيق الحركة، فقط لإرضاء نهم هؤلاء للظهور. هذا المشهد ليس ترتيباً بروتوكولياً، بل هو عرضٌ سريري لمرضٍ عضال؛ إنه البحث اليائس عن "الوقود النرجسي" في محطات الإعجاب الخارجية، لأن المحركات الداخلية للذات معطلة تماماً.
هذا النزوع الاستعلائي ليس وليد اليوم، بل هو إرث من "السلطة المتضخمة" التي ترى في التراجع صفاً واحداً إهانة لكيانها. يُروى أن صدام حسين، الذي كان يسكنه هاجس "التقدم" في كل شيء، ذهب يوماً إلى السينما وأصرّ على الجلوس في المقاعد الأمامية، وحين قيل له إن الرؤية الأفضل والأكثر راحة تكون من المقاعد الخلفية، امتعض وتكدر مزاجه؛ فالمسألة لديه لم تكن "متعة المشاهدة"، بل رمزية "التصدر" حتى لو كانت عملاً يفتقر للمنطق. وتفادياً لهذه الصراعات المرضية على "السيادة" المكانية، لجأت بعض المحافل الذكية إلى اعتماد "الطاولة المستديرة" في اجتماعاتها، هرباً من هندسة المربعات والمستطيلات التي تمنح طرفاً ما فرصة ليكون "سيد الجلسة". إنها محاولة معمارية لكسر معضلة "الطبقية الوظيفية"، وفرض مساواة قسرية على أشخاص لا يشعرون بوجودهم إلا إذا احتكروا "رأس" الطاولة.
إن هذا الصنف من البشر يعاني مما يسميه الطب "التشوه المعرفي"؛ هو لا يملك صورة حقيقية عن نفسه، بل يرى وجوده عبر مرايا الآخرين المهشمة. إنه كائن مفرغ من المعنى، يمتص طاقة من حوله ليستمد نبضه، تماماً كمن يبحث عن محطة شحن لبطارية ميتة. هو الشخص الذي قد يركب سيارة فارهة لكنها في الحقيقة هي من تركبه، أو يرتدي ثياباً تتحكم به بدلاً من أن يرتديها. وبما أن رضا الناس غاية لا تدرك، فإنه يظل في حالة لهاث منهك خلف إطراء عابر، وهو يعلم في قرارة نفسه أن الآخرين سيكتشفون "عاهته" الوجودية في لحظة ما، فتتحول حياته إلى واجهة عريضة لهوية من ورق.
لقد علمتنا تجارب النفس البشرية أن الضوء الحقيقي ينبع من الداخل لا من "كشافات" المنصة. يُحكى أن الفيلسوف اليوناني "ديوجين" كان يجلس في الشمس بملابسه الرثة، وحين جاءه الإمبراطور الإسكندر الأكبر ( وهو في قمة مجده وسطوته ) وسأله: "ماذا تريد مني أن أفعل لك؟"، أجابه الفيلسوف بهدوء: "أريدك فقط أن تبتعد قليلاً لتترك لي ضوء الشمس". هنا تتجلى العظمة في أنبل صورها؛ فالإمبراطور الذي يملك الصفوف الأولى في التاريخ، يقف عاجزاً أمام إنسان يملك "ذاته"، ولا يرى في السلطة أو المكانة سوى حائل يمنع عنه الضياء الطبيعي.
إن الشخصية الممتلئة والراضية عن نفسها لا يضيرها أين تجلس، فقيمتها تنبع من صدقها الذاتي. ولعل أقصى درجات الحسم في التعامل مع هؤلاء "المستعرضين" هو التجاهل التام؛ فالتجاهل هنا هو الفعل الجراحي الوحيد الذي يضرب المبدأ الوهمي الذي بنوا عليه شخصياتهم الزائفة. حين تحرم "النرجسي" من الالتفات، أنت تضعه في مكانه الحقيقي الذي يهرب منه.
أجد نفسي دائماً أميل إلى الصفوف الخلفية؛ هناك حيث يمكنك رؤية القاعة بوضوح وهدوء، بعيداً عن برودة المقاعد الأولى وتكلفها المتعب. المقعد الخلفي أكثر دفئاً وإنسانية، يمنحك رفاهية المراقبة والانتباه للتفاصيل دون أن تكون تحت "المقصلة البصرية" للآخرين. في عالم مزدحم بالكراسي الفارغة من القيمة، يبقى المكان الحقيقي للإنسان هو تموضعه داخل روحه، أما المقاعد الأمامية فليست سوى منصات باردة لأجساد يرتجف في أعماقها الخواء.

أرسلت بواسطة: أدارة الموقع | التاريخ: 21-04-2026 | الوقـت: 12:32:48 صباحا |

المواضيع المرتبطة بهذا المقال

2026-05-08 - بيان صادر عن ملتقى كتاب العرب والأحرار
2026-05-08 - الدكتور نافل العتيبي يتلقى التهاني والتبريكات بمناسبة تخرج ابنه محمد
2026-05-08 - تنظم الكلية التقنية التطبيقية للبنات بالرياض، ملتقى السلامة والصحة المهنية الثالث ٢٠٢٦م
2026-05-07 - ضمن فعاليات أسبوع البيئة 2026… “بيئة الشرقية” تستعرض أحدث تقنيات الزراعة المستدامة في زيارة ميدانية بالقطيف
2026-05-07 - فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بالباحة يعقد الاجتماع الثاني عشر للمنظومة لمناقشة التقاطعات
2026-05-07 - ثقافة الخوف
2026-05-07 - 💠 بالشراكة المجتمعية.. «صناعي الدمام» يؤهل 80 فتاة في مجالات تقنية ومهنية
2026-05-07 -
2026-05-07 - الخيول الخاسرة
2026-05-07 - تتويج أبطال نخبة دوري المدارس في منافسات كرة السلة
التصويت على المقال

المعدل: المعدل: 0عدد المصوتين:0

_EXCELLENT _VERYGOOD _GOOD _REGULAR _BAD
التعليقات
اسمك الشخصي:
أضافة تعليق:
الكود الأمني:



Share
البحث في المحتويات
التقويم

صفحة جديدة 1