وكالة وجريدة بيت العرب الاخباريه الدولية Alsco Software
netoops blog
الأحصائيات
عدد زوار الحالي:43
عدد زوار اليوم:3136
عدد زوار الشهر:62809
عدد زوار السنة:944182
عدد الزوار الأجمالي:2715281
القائمة الرئيسية
 ماهو دور الاعلام الرقمي في العراق
ممتاز
جيد جدا
جيد
لابأس



النتائــج
المزيد من الأستفتائات

عدد المصوتين: 64

البريد الالكتروني


الخيول الخاسرة

كتب رياض الفرطوسي
في البلدان المستقرة، تُقاس قيمة السياسي بما يبنيه. أما في البلدان المتعبة، فتُقاس قيمته بما يرفعه من شعارات وما يملكه من قدرة على الصراخ وإدارة الحشود. هناك، لا تصل الخيول الأصيلة إلى مقدمة السباق دائماً، بل غالباً ما تتصدر المشهد خيول اعتادت الدوران داخل الحلبة نفسها، تعرف كيف تثير الغبار أكثر مما تعرف كيف تصل.
ومنذ سنوات طويلة، تبدو حياتنا السياسية وكأنها إعادة متواصلة للسباق ذاته. الوجوه تتغير، لكن اللغة نفسها تبقى، والوعود نفسها، والحماس نفسه، وحتى الخيبة نفسها. في كل مرحلة يظهر من يُقدَّم بوصفه المنقذ، ثم لا يلبث أن يتحول إلى نسخة جديدة من الخسارات القديمة، كأن البلاد لا تنجب رجال دولة بقدر ما تعيد تدوير أوهامها.
المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، بل في البنية التي تنتجهم وتحميهم وتعيدهم إلى الواجهة كل مرة.
لقد تشكلت السلطة في عالمنا من تحالفات تقليدية مغلقة، قبيلة تخشى فقدان النفوذ، ورجل دين يخشى الأسئلة، وتاجر يخشى العدالة الاقتصادية، وسلاح يخشى الدولة، وأحزاب ترتبط بالخارج أكثر مما ترتبط بالناس. لهذا بدا أي مشروع تغيير حقيقي تهديداً مباشراً لترتيب كامل من المصالح، لا مجرد خلاف سياسي عابر.
ولهذا أيضاً، كانت أغلب التحولات شكلية.
تغيير أسماء، لا تغيير قواعد.
تبديل أقنعة، لا تبديل عقول.
فالبلاد التي تُدار بعقلية الخوف لا تنتج إلا سلطات خائفة، والسلطة الخائفة لا تثق بالمجتمع، بل تسعى دائماً إلى ترويضه. وهنا تبدأ ( الحنديرة الكبرى ، "الحنديرة"، قطعة جلدية توضع على عيني الخيول لكي لا ترى إلا الطريق الذي يُراد لها أن تسلكه) )، تلك التي لا توضع على عيون الخيول فقط، بل على العقول أيضاً.
حين يعتاد الإنسان النظر في اتجاه واحد، يفقد تدريجياً قدرته على رؤية الطريق كله.
وهذا ما حدث على مدى عقود. تحولت الأفكار إلى تعليمات، والانتماءات إلى جدران مغلقة، والنقد إلى تهمة، حتى صار كثيرون يرون الواقع من خلال نظارات قديمة متربة، لا تكشف الحقيقة بقدر ما تعيد إنتاج الوهم.
لهذا يصبح من السهل في مثل هذه البيئات أن يتحول الفاشل إلى بطل، وأن يرتدي الانتهازي هيئة المنقذ، وأن يقدم الخراب نفسه بوصفه ضرورة وطنية.
قال أنطونيو غرامشي إن الأزمة الحقيقية تبدأ حين يحتضر العالم القديم بينما يعجز العالم الجديد عن الولادة. وفي هذه المسافة الرمادية تحديداً، تظهر الكائنات المشوهة كلها، السياسي الذي يعيش على الانقسام، ورجل الإعلام الذي يتاجر بالخوف، والخطيب الذي يحول الجوع إلى قصيدة وطنية طويلة.
لهذا لا يمكن فهم أزمتنا باعتبارها مجرد فساد إداري أو سوء إدارة. المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها أزمة وعي سياسي واجتماعي، أزمة مجتمع اعتاد التكيف مع الخلل حتى صار يعتبره جزءاً من الطبيعة.
ولعل أخطر ما فعلته الأنظمة المتعاقبة أنها نجحت في تخفيض سقف التوقعات العامة. أصبح المواطن يطالب بالخدمة الأساسية كما لو أنها منحة، ويشعر بالامتنان لحقوق يفترض أنها بديهية. وهكذا يتحول توزيع الراتب إلى مناسبة سياسية، وتتحول الكهرباء والماء وفرصة العمل إلى أدوات ولاء، لا حقوق مواطنة.
في مثل هذا المناخ، تفقد الاحتجاجات معناها تدريجياً إذا لم تمتلك رؤية أبعد من الغضب اللحظي. كثير من الانتفاضات العربية، رغم شجاعة المشاركين فيها، لم تستطع بناء مشروع بديل واضح، لأنها واجهت السلطة بعاطفة عالية، لكنها لم تواجه البنية العميقة التي تحميها. ولذلك كانت الأنظمة قادرة دائماً على امتصاص الصدمة ثم العودة بأشكال جديدة.
فالخطر الحقيقي على أي سلطة ليس الصراخ، بل الوعي.
الوعي الذي يميز بين الدولة والغنيمة، بين الزعيم والموظف العام، بين الوطنية والاستثمار السياسي بالعاطفة الوطنية.
والمفارقة أن أكثر الشخصيات هدوءاً وصدقاً غالباً ما تبقى خارج المشهد، لأن السياسة في عالمنا لم تعد تكافئ الكفاءة بقدر ما تكافئ القدرة على التكيف مع الرداءة العامة. الخيول الأصيلة لا تجيد الركض داخل المستنقعات، ولهذا تتقدمها أحياناً خيول أكثر ضجيجاً وأقل قيمة.
لكن التاريخ، على المدى البعيد، لا يحتفظ بالضجيج.
تسقط الإمبراطوريات، وتموت الجيوش، وتتغير الأعلام، لكن ما يبقى في النهاية هو الأثر الحقيقي لما أُنجز في حياة الناس. ولهذا بقيت أفكار إدوارد سعيد حاضرة أكثر من خطابات عشرات السياسيين الذين ملأوا عصره صخباً، وبقي أدب ميلان كونديرا شاهداً على هشاشة السلطة أكثر من أرشيف أنظمة كاملة اختفت.
العبرة ليست في من يربح الجولة، بل في من يفهم معنى الطريق.
ولهذا فإن الخروج من دائرة "الخيول الخاسرة" لا يبدأ بتغيير الأسماء فقط، بل بإعادة تعريف السياسة نفسها. السياسة ليست فناً لإدارة الخوف، ولا مسابقة خطابة، ولا تحالف مصالح مؤقتة، بل قدرة على بناء دولة يشعر الإنسان داخلها أنه مواطن لا تابع.
أما استمرار الرهان على الوجوه نفسها والعقليات نفسها، فلن ينتج إلا مزيداً من الدوران داخل المضمار ذاته.
خيول تركض كثيراً، وغبار يرتفع عالياً، بينما تبقى البلاد في مكانها.

كتب رياض الفرطوسي
في البلدان المستقرة، تُقاس قيمة السياسي بما يبنيه. أما في البلدان المتعبة، فتُقاس قيمته بما يرفعه من شعارات وما يملكه من قدرة على الصراخ وإدارة الحشود. هناك، لا تصل الخيول الأصيلة إلى مقدمة السباق دائماً، بل غالباً ما تتصدر المشهد خيول اعتادت الدوران داخل الحلبة نفسها، تعرف كيف تثير الغبار أكثر مما تعرف كيف تصل.ومنذ سنوات طويلة، تبدو حياتنا السياسية وكأنها إعادة متواصلة للسباق ذاته. الوجوه تتغير، لكن اللغة نفسها تبقى، والوعود نفسها، والحماس نفسه، وحتى الخيبة نفسها. في كل مرحلة يظهر من يُقدَّم بوصفه المنقذ، ثم لا يلبث أن يتحول إلى نسخة جديدة من الخسارات القديمة، كأن البلاد لا تنجب رجال دولة بقدر ما تعيد تدوير أوهامها.المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، بل في البنية التي تنتجهم وتحميهم وتعيدهم إلى الواجهة كل مرة.لقد تشكلت السلطة في عالمنا من تحالفات تقليدية مغلقة، قبيلة تخشى فقدان النفوذ، ورجل دين يخشى الأسئلة، وتاجر يخشى العدالة الاقتصادية، وسلاح يخشى الدولة، وأحزاب ترتبط بالخارج أكثر مما ترتبط بالناس. لهذا بدا أي مشروع تغيير حقيقي تهديداً مباشراً لترتيب كامل من المصالح، لا مجرد خلاف سياسي عابر.ولهذا أيضاً، كانت أغلب التحولات شكلية.تغيير أسماء، لا تغيير قواعد.تبديل أقنعة، لا تبديل عقول.فالبلاد التي تُدار بعقلية الخوف لا تنتج إلا سلطات خائفة، والسلطة الخائفة لا تثق بالمجتمع، بل تسعى دائماً إلى ترويضه. وهنا تبدأ ( الحنديرة الكبرى ، "الحنديرة"، قطعة جلدية توضع على عيني الخيول لكي لا ترى إلا الطريق الذي يُراد لها أن تسلكه) )، تلك التي لا توضع على عيون الخيول فقط، بل على العقول أيضاً.حين يعتاد الإنسان النظر في اتجاه واحد، يفقد تدريجياً قدرته على رؤية الطريق كله.وهذا ما حدث على مدى عقود. تحولت الأفكار إلى تعليمات، والانتماءات إلى جدران مغلقة، والنقد إلى تهمة، حتى صار كثيرون يرون الواقع من خلال نظارات قديمة متربة، لا تكشف الحقيقة بقدر ما تعيد إنتاج الوهم.لهذا يصبح من السهل في مثل هذه البيئات أن يتحول الفاشل إلى بطل، وأن يرتدي الانتهازي هيئة المنقذ، وأن يقدم الخراب نفسه بوصفه ضرورة وطنية.قال أنطونيو غرامشي إن الأزمة الحقيقية تبدأ حين يحتضر العالم القديم بينما يعجز العالم الجديد عن الولادة. وفي هذه المسافة الرمادية تحديداً، تظهر الكائنات المشوهة كلها، السياسي الذي يعيش على الانقسام، ورجل الإعلام الذي يتاجر بالخوف، والخطيب الذي يحول الجوع إلى قصيدة وطنية طويلة.لهذا لا يمكن فهم أزمتنا باعتبارها مجرد فساد إداري أو سوء إدارة. المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها أزمة وعي سياسي واجتماعي، أزمة مجتمع اعتاد التكيف مع الخلل حتى صار يعتبره جزءاً من الطبيعة.ولعل أخطر ما فعلته الأنظمة المتعاقبة أنها نجحت في تخفيض سقف التوقعات العامة. أصبح المواطن يطالب بالخدمة الأساسية كما لو أنها منحة، ويشعر بالامتنان لحقوق يفترض أنها بديهية. وهكذا يتحول توزيع الراتب إلى مناسبة سياسية، وتتحول الكهرباء والماء وفرصة العمل إلى أدوات ولاء، لا حقوق مواطنة.في مثل هذا المناخ، تفقد الاحتجاجات معناها تدريجياً إذا لم تمتلك رؤية أبعد من الغضب اللحظي. كثير من الانتفاضات العربية، رغم شجاعة المشاركين فيها، لم تستطع بناء مشروع بديل واضح، لأنها واجهت السلطة بعاطفة عالية، لكنها لم تواجه البنية العميقة التي تحميها. ولذلك كانت الأنظمة قادرة دائماً على امتصاص الصدمة ثم العودة بأشكال جديدة.فالخطر الحقيقي على أي سلطة ليس الصراخ، بل الوعي.الوعي الذي يميز بين الدولة والغنيمة، بين الزعيم والموظف العام، بين الوطنية والاستثمار السياسي بالعاطفة الوطنية.والمفارقة أن أكثر الشخصيات هدوءاً وصدقاً غالباً ما تبقى خارج المشهد، لأن السياسة في عالمنا لم تعد تكافئ الكفاءة بقدر ما تكافئ القدرة على التكيف مع الرداءة العامة. الخيول الأصيلة لا تجيد الركض داخل المستنقعات، ولهذا تتقدمها أحياناً خيول أكثر ضجيجاً وأقل قيمة.لكن التاريخ، على المدى البعيد، لا يحتفظ بالضجيج.تسقط الإمبراطوريات، وتموت الجيوش، وتتغير الأعلام، لكن ما يبقى في النهاية هو الأثر الحقيقي لما أُنجز في حياة الناس. ولهذا بقيت أفكار إدوارد سعيد حاضرة أكثر من خطابات عشرات السياسيين الذين ملأوا عصره صخباً، وبقي أدب ميلان كونديرا شاهداً على هشاشة السلطة أكثر من أرشيف أنظمة كاملة اختفت.العبرة ليست في من يربح الجولة، بل في من يفهم معنى الطريق.ولهذا فإن الخروج من دائرة "الخيول الخاسرة" لا يبدأ بتغيير الأسماء فقط، بل بإعادة تعريف السياسة نفسها. السياسة ليست فناً لإدارة الخوف، ولا مسابقة خطابة، ولا تحالف مصالح مؤقتة، بل قدرة على بناء دولة يشعر الإنسان داخلها أنه مواطن لا تابع.أما استمرار الرهان على الوجوه نفسها والعقليات نفسها، فلن ينتج إلا مزيداً من الدوران داخل المضمار ذاته.خيول تركض كثيراً، وغبار يرتفع عالياً، بينما تبقى البلاد في مكانها.

أرسلت بواسطة: أدارة الموقع | التاريخ: 07-05-2026 | الوقـت: 03:42:00 مساءا |

المواضيع المرتبطة بهذا المقال

2026-06-15 - ما الذي أصابكم… مالكم كيف تحكمون؟
2026-06-15 - مدير تعليم الطائف يتابع مسار جائزة محافظ الطائف للتميز ويكرم الطلبة الحاصلين على جوائز متقدمة
2026-06-15 - ما الذي أصابكم… مالكم كيف تحكمون؟
2026-06-15 - بيئة الطائف تشارك في لقاء تعريفي بمصنع شركة الوردة الطائفية
2026-06-15 - مطارات مغلقة حياة قيد الانتظار
2026-06-15 - معالي الدكتور السرحان بستقبل مسؤوليين في إيطاليا
2026-06-15 - دبلوماسية التقاط الأنفاس
2026-06-15 - الموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل
2026-06-15 - المملكة وخدمة ضيوف الرحمن.. نموذج عالمي رائد في إدارة الحشود ورعاية الوفود
2026-06-15 - غزة بين التصعيد الميداني وإعادة الاحتلال
التصويت على المقال

المعدل: المعدل: 0عدد المصوتين:0

_EXCELLENT _VERYGOOD _GOOD _REGULAR _BAD
التعليقات
اسمك الشخصي:
أضافة تعليق:
الكود الأمني:



Share
البحث في المحتويات
التقويم

صفحة جديدة 1