وكالة وجريدة بيت العرب الاخباريه الدولية Alsco Software
netoops blog
الأحصائيات
عدد زوار الحالي:84
عدد زوار اليوم:345
عدد زوار الشهر:66222
عدد زوار السنة:1089932
عدد الزوار الأجمالي:2861031
القائمة الرئيسية
 ماهو دور الاعلام الرقمي في العراق
ممتاز
جيد جدا
جيد
لابأس



النتائــج
المزيد من الأستفتائات

عدد المصوتين: 72

البريد الالكتروني


الموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل

بسم الله الرحمن الرحيم
الموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل
((دراسة أكاديمية في دور أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام في واقعة الطف))
من العمق الأدبي والفني في القتال إلى الإيمان الراسخ وتربية الرسالة العلوية والفاطمية.
الإهداء
إلى كل من يحب أبا الفضل العباس بن علي عليه السلام ومن شايعه على النهج وسار على دربه في الدفاع عن الدين والمقدسات وعن الإسلام الصحيح.
إلى كل من فهم أن المواساة الحقيقية ليست دموعاً تذرف فقط، بل مواقف تُسطر ودماء تُبذل وكلمة حق تُقال في وجه الباطل.
نهدي هذه الدراسة المتواضعة عسى أن تكون نبراساً لمن يبحث عن الحقيقة وشعلة تحرك الضمائر نحو التحرر من الجور والظلم والاستبداد والاحتكار.
مقدمة الدراسة
إن دراسة التاريخ الإسلامي لا تقف عند حد السرد المجرد للحوادث، بل تتجاوز ذلك إلى استخلاص الدروس والعبر واستنطاق الوقائع لتكون حية ناطقة في كل زمان ومكان. ومن أعظم هذه الوقائع وأعمقها أثراً واقعة الطف التي جرت في أرض كربلاء سنة إحدى وستين للهجرة، حيث تجلت معاني التضحية والفداء والثبات على المبدأ في أسمى صورها.
وفي قلب هذه الواقعة العظيمة تبرز شخصية فذة قل أن يجود الزمان بمثلها، إنه أبو الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي لم يكن مجرد قائد عسكري أو حامل لواء فحسب، بل كان مدرسة متكاملة في الولاء والإخلاص والشجاعة والأدب والفن في القتال والإيمان الراسخ الذي لا تتزعزعه إغراءات الدنيا ولا تهدده وعود المناصب والسلطان.
تأتي هذه الدراسة الأكاديمية الحصينة كمحاولة جديدة لفهم دور العباس عليه السلام في واقعة الطف، فهماً لا يخرج عن النص التاريخي الثابت بل يغوص في أعماقه ليستخرج الجواهر الكامنة فيه. وهي محاولة تهدف إلى تقديم رؤية موضوعية وعميقة لهذا الدور، بعيداً عن الشوائب والادعاءات السطحية، لتكون هذه الدراسة مرجعاً لكل باحث ومحب يريد أن يقترب من الحقيقة كما هي، لا كما يشتهي المبطلون أو يريد المغرضون.
إن الكاتب والباحث في التاريخ الإسلامي حيدر الشبلاوي يضع بين يدي القارئ هذه الدراسة بعد أن بذل فيها جهداً كبيراً في التمحيص والتحقيق والتوثيق، معتمداً على أقدم المصادر التاريخية وأوثقها، وعلى ما استقر في السردية المعتمدة من تفاصيل دون أن يخلَّ ذلك بالمنهجية الأكاديمية الرصينة. والهدف واحد: أن تبقى قضية العباس عليه السلام نابضة بالحياة، تهز عروش الكفر والطغيان والاستبداد والاحتكار في كل عصر، وأن يكون هذا الموقف الشجاع مثالاً خالداً في تاريخ الإنسانية جمعاء.
الفصل الأول
المكان والتاريخ: كربلاء في محرم الحرام سنة إحدى وستين للهجرة
في أرض كربلاء، تلك البقعة الطاهرة التي اصطفاها الله سبحانه وتعالى لتكون مسرحاً لأعظم ملحمة في تاريخ الإنسانية، وفي اليوم العاشر من شهر محرم الحرام سنة إحدى وستين للهجرة، كان الموعد الأبدي بين الحق والباطل.
كربلاء التي عرفت قبل ذلك اسماً لقرية صغيرة على ضفاف نهر الفرات، صارت بعد هذا اليوم مدرسة للعزة والكرامة، ومعلماً للحرية يدرس للأجيال، ومنارة يهتدي بها الأحرار في كل مكان وزمان.
جيش يزيد بن معاوية لعنه الله احتشد بثلاثين ألف مقاتل، بينما الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام لم يتجاوز أصحابه وأهل بيته اثنين وسبعين رجلاً، لكنهم كانوا أثبت من الجبال وأعظم من الأعداد، لأنهم كانوا مع الحق والحق معهم.
الجو حار والرياح محرقة، والماء مقطوع عن معسكر الإمام الحسين عليه السلام منذ ثلاثة أيام، والأطفال يبكون من العطش، والنساء يتألمن، والخيام ترتجف من لهيب الصحراء ولهيب الظلم معاً.
في هذا المشهد المؤلم الذي لا يوصف، كان أطفال أهل البيت عليهم السلام يرفعون أصواتهم: العطش العطش. وكانت السيدة زينب الكبرى عليها السلام تراقب السماء بدموع لا تنقطع، والإمام الحسين عليه السلام ينظر إلى السماء أيضاً لكن بعين الرضا بقضاء الله وقدره، وأبو الفضل العباس عليه السلام يقف متأهباً وسيفه بيده وقلبه ينظر إلى الفرات وحده، وكانت في عينيه حمى لا توصف.
الفصل الثاني
قضية بدأت بحماسة: من مقتل سفير الإمام إلى تغيير الواقع المؤلم
كانت القضية قد اشتعلت حماستها وتغير الواقع المؤلم في المجتمع بعد مقتل سفير الإمام الحسين عليه السلام إلى الكوفة، وهو مسلم بن عقيل عليه السلام، ذاك الرجل المؤمن الشجاع الذي أرسله الإمام عليه السلام ليستطلع أمر أهل الكوفة الذين كتبوا آلاف الرسائل يدعونه إلى القدوم.
قدم مسلم بن عقيل عليه السلام إلى الكوفة فبايعوه اثني عشر ألف رجل، لكنهم غدروا به عندما وصل ابن زياد لعنه الله إلى الكوفة، فخذلوه وتركوه وحيداً في الطرقات، فاستشهد مظلوماً على سطح دار هانئ بن عروة بعد أن ألقى بنفسه من أعلى الدار فاندقت عنقه.
هذا الغدر وهذا الظلم بيّن لأهل البيت عليهم السلام أن طغيان هؤلاء لا بد من مواجهته، وأن النصر لا يأتي بالمساومات، بل بالدماء الطاهرة الزكية على الظلم والتكبر والاستبداد والاحتكار والفساد.
فكانت واقعة الطف هي الرد الإلهي على كل طغيان، والقاعدة المتينة التي يهتدي بها الأحرار في كل زمان، والدروس النافعة التي يستضيء بها كل من أراد الخلاص من الجور والظلم.
الفصل الثالث
إخوة العباس: تقييم موحد في الإيمان والشهادة
نشأ أبو الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام وإخوته الثلاثة: عبد الله وجعفر وعثمان، وهم جميعاً أبناء فاطمة بنت حزام الكلابية المعروفة بأم البنين عليها السلام. وقد ربتهم أمهم على حب آل البيت والتضحية في سبيلهم دون تردد، وكانوا كلهم شجعاناً أباةً، مؤمنين راسخين، لا يفرق بينهم في الإيمان والولاء والثبات على الحق.
أم البنين عليها السلام لم تنجب من أمير المؤمنين عليه السلام إلا هؤلاء الأربعة، وكانوا جميعاً على قدر عال من الشجاعة والإيمان والأدب والفداء. غير أن لكل واحد منهم موقعاً ودوراً في واقعة الطف، وإن كان لواء العباس قد حمله دوراً استراتيجياً مميزاً جعله محط أنظار الأعداء أولاً، ومحل إغراءات الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله ثانياً.
أما إخوته عبد الله وجعفر وعثمان، فقد قاتلوا واستشهدوا جميعاً في سبيل الله مع الإمام الحسين عليه السلام، ولم يتخلف أحد منهم عن نصرة أخيهم وإمامهم. لقد كانوا نموذجاً للأسرة الواحدة التي اجتمعت على الحق وتفرقت على الباطل، حيث وقفوا صفاً واحداً لا يتزعزع في وجه الطغيان.
فالتقييم الموحد بين العباس وإخوته هو أنهم جميعاً كانوا شهداء أبراراً، مؤمنين صادقين، مضحين بأرواحهم في سبيل الله ورسوله وأهل بيته. لا فضل لأحدهم على الآخر في الإيمان والتقوى، وإنما تتفاوت منازلهم بحسب ما كتب الله لهم من أدوار ومواقف. والعباس عليه السلام اختص بحمل اللواء وبمنصب السقاية وبموقف الرد على الشمر، وهذا لا ينتقص من إخوته شيئاً، بل يزيد من منزلة العباس في الوفاء والثبات.
لقد كانوا جميعاً سواء في الإيمان، وسواء في الشهادة، وسواء في حب الحسين عليه السلام. لكن لواء أبي الفضل حمله دوراً استراتيجياً جعله يواجه إغراءات الدنيا ومناصبها قبل أن يواجه سيوف الأعداء، وهذه ميزة خاصة له عليه السلام جعلته مثالاً لكل من يريد أن يثبت على الحق أمام كل إغراء.
الفصل الرابع
حامل اللواء: الدور الاستراتيجي لأبي الفضل في المعركة
لواء أبي الفضل العباس عليه السلام لم يكن مجرد قطعة قماش ترفع في المعركة، بل كان رمزاً له وزن المعركة كلها، بل كان المعركة ذاتها في كثير من تفاصيلها.
الإمام الحسين عليه السلام دفع باللواء إلى أخيه العباس لأنه يعلم أنه لا يسقط اللواء من يده أبداً، وأن العباس هو صاحب الموقف الأقوى والأثبت في الميدان. اللواء بيد العباس يعني أن المعركة مستمرة، وأن الهيبة باقية، وأن الأعداء في حالة خوف وترقب دائمين.
دور العباس عليه السلام كان خطيراً ومهماً جداً جداً أثناء الواقعة لنصرة الإمام الحسين عليه السلام. هو الذي تولى السقاية بمفرده، وكان ينطلق كالسهم نحو الفرات ليجلب الماء لأطفال الحسين عليه السلام ونسائه، وفي كل مرة كان الأعداء يصدونه بجموعهم الكثيفة، لكنه كان يعود، وكان يصول ويجول ويقاتل حتى يصل إلى الماء.
في المرة الأخيرة التي وصل فيها إلى الفرات، اغترف بيديه ماء ليشرب بعد عطش شديد، لكنه تذكر في تلك اللحظة عطش الإمام الحسين عليه السلام وعطش أهل بيته الذين ينتظرونه بفارغ الصبر، فرمى الماء من يديه على الأرض وقال كلمته الخالدة: والله لا أشرب ماء وأخي الحسين وعياله يتضرمون عطشاً.
هذه هي التضحية بعينها، وهذا هو الولاء الذي لا يعلى عليه. لم يشرب العباس الماء وهو على الفرات بين يديه وحده، لأنه كان يعلم أن أخاه وإمامه وسيده الحسين بن فاطمة عليها السلام ينتظرون خلفه.
ثم ملأ القربة وعاد بها يحمل الماء، لكن الأعداء قطعوا عليه الطريق، وقطعوا يديه اليمنى ثم اليسرى وهو يدافع عن القربة وعن اللواء وعن العودة إلى معسكر الإمام. سقط اللواء من يديه، وناداه الإمام الحسين عليه السلام بصوت مفعم بالحزن والألم: عند الله أحتسبك يا أخي وقرة عيني.
سقط العباس صريعاً على الأرض وهو ينادي بأعلى صوته: يا أخي أدرك أخاك. يا أخي أدركني قبل أن أموت.
كان هذا المشهد هو تتويج لدور أبي الفضل العباس عليه السلام في الدفاع عن الإسلام والمقدسات والذود عن أهل بيت النبوة. وهنا يتجلى العمق الأدبي والفني في قتال العباس، حيث كان يقدم روحه ودمه وجسده كله فداء للحسين عليه السلام دون أن ينتظر مقابلاً أو مديحاً.
الفصل الخامس
موقف الشمر ومحاولة شراء الولاء: الموت في رحاب الحق أشرف
نعود إلى أصل القضية وأول انطلاقتها، إلى اللحظة التي سبقت كل شيء، إلى لحظة الامتحان الحقيقي التي أرادها الأعداء ليس لقتل العباس، بل لشراء عقيدته وإيمانه.
جاء الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله إلى أبي الفضل العباس عليه السلام وإخوته عبد الله وجعفر وعثمان في الليلة التي سبقت يوم عاشوراء أو صبيحة اليوم العاشر، وحاول أن يغريهم بالأمان والمال والمنصب، مستغلاً قرابة الرحم التي تربطه بهم من جهة أمهم أم البنين.
قال الشمر للعباس وإخوته: يا بني أم البنين، نحن أقرباؤكم، ونحن لا نريد أن نقتلكم. نحن نعرض عليكم الأمان الكامل، ونعرض على العباس خاصة أن يكون قائداً عاماً لقوات يزيد بن معاوية في الشام. لكم المال والجاه والسلطان، وكل ما تريدون من الدنيا. الشرط واحد فقط: أن تتركوا أخاكم الحسين وتخرجوا من معسكره، وأن تدخلوا في طاعة يزيد.
هذا الموقف هو امتحان عظيم، بل هو أول امتحان حقيقي لقضية العباس وإخوته. لم يتردد العباس ولو للحظة واحدة، ولم ينظر إلى اليمين ولا إلى اليسار، بل نظر إلى الشمر بعين الغضب الإلهي وقال رده الذي هز عروش الكفر والطغيان والاستبداد والاحتكار في كل العصور:
"لعنك الله ولعن أمانك يا شمر! أتأمرني أن أترك أخي وسيدي الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟! والله لا أتركه أبداً، والله لا أفارقه أبداً، والله لا أخذله أبداً. الموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل."
وتابع إخوته عبد الله وجعفر وعثمان نفس الموقف، فأعلنوا رفضهم القاطع للأمان والمناصب، وفضّلوا الموت مع الحسين عليه السلام على الحياة مع يزيد لعنه الله.
بهذه الكلمات القليلة القوية أسقط العباس وإخوته عليهما السلام كل عروش الكفر والطغيان والاستبداد والاحتكار. علم الأعداء في تلك اللحظة أن هؤلاء الرجال لا يشترون بالمال ولا بالمناصب ولا بالسلطان، وأنهم لا يخافون الموت في سبيل الحق، وأنهم النموذج الأسمى للإنسان الحر الذي يرفض أي مساومة مع الباطل.
هذا الموقف الشجاع صار مثالاً خالداً في تاريخ واقعة الطف وفي تاريخ الإنسانية كلها. إنها أول مرة يرفض فيها إنسان كل مناصب الدنيا وكل إغراءاتها ويختار الموت من أجل مبادئه وقيمه وإيمانه.
الفصل السادس
من العمق الأدبي والفني في القتال: الإيمان الراسخ وتربية العلويين والفاطميين
أبو الفضل العباس عليه السلام لم يكن مجرد محارب شجاع، بل كان أديباً وفناناً في القتال. كان يركب جواده كأنه فارس من فرسان الملائكة، ويتقدم إلى المعركة وهو ينشد الشعر الحماسي الذي يرعب الأعداء ويثبت المؤمنين.
الأدب في قتال العباس كان يتمثل في رؤيته للجهاد كعبادة خالصة لله، وليس كقتال عادي أو انتقام شخصي. كان يتقدم إلى الميدان وهو يذكر الله ويصلي على محمد وآله، وكان لا يبدأ بالهجوم حتى يدعو الله ويستعين به.
الفن في قتاله كان في كيفية استخدام سلاحه بمهارة فائقة، وفي كيفية الصول والجول بين الصفوف دون أن يصاب، وفي كيفية حماية اللواء بيديه معاً، وفي كيفية الوصول إلى الماء دون أن يسبق الإمام عليه السلام في الشرب، وفي كيفية العودة بالقربة رغم العطش الشديد.
هذه التربية العالية هي التي جعلت من العباس عليه السلام نموذجاً لا يتكرر في التاريخ. تربية من علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان فارس الإسلام والأخلاق النبيلة، وتربية من فاطمة الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين، وتربية من أم البنين عليها السلام التي ربت أولادها على أن الحسين هو سيدهم وإمامهم وقدوتهم، وعلى أن حب الحسين هو دينهم وحياتهم.
الإيمان الراسخ الذي حمله العباس عليه السلام وإخوته كان هو السلاح الأقوى في وجه كل أعداء الدين. كانوا يعلمون أن الله معهم، وأن الرسول ينتظرهم، وأن فاطمة تدعو لهم، وأن الحسين يثق بهم، وأن الجنة تنتظر شهادتهم. هذا الإيمان هو الذي جعلهم لا يخافون الموت بل يرحبون به ويستقبلونه كالعريس الذي يلتقي بحبيبته.
الفصل السابع
تجسيد القضية بالحب والولاء والإيمان المطلق: قيادة أبي الأحرار
هذه القضية العظيمة، قضية أبي الفضل العباس عليه السلام وإخوته، يتم تجسيدها اليوم وفي كل زمان بالحب والولاء والإيمان المطلق بالله وبقيادة أبي الأحرار الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
إن كل موالٍ حقيقي للعباس عليه السلام يجب أن يدرك أن الموالاة ليست شعاراً يرفع في المواسم والحفلات، بل هي منهج حياة كامل يترجم على أرض الواقع بالسلوك والمواقف والأفعال.
من ادعى محبة العباس عليه السلام ثم انبطح لطاغية أو ظالم أو مستبد أو فاسد من أجل منصب دنيوي زائل، فهو بعيد كل البعد عن مدرسة العباس والحسين عليهما السلام. من هتف باسم العباس بلسانه وعمل بجوارحه لخدمة مشروع يزيد جديد في العصر الحديث، فهو متناقض لا يفهم معنى الولاء ولا يعرف حقيقة الإخلاص.
على الموالين اليوم أن يميزوا بين حب العباس عليه السلام وبين الارتماء في أحضان من يجسدون مشروع يزيد لعنه الله في العصر الحديث تحت أي مسمى كان. فلا يمكن للموالي أبداً أن يهتف باسم العباس وهو يطيع من انبطح لتغريدة قاتل المرشد الأعلى مقابل منصب دنيوي، أو يعمل لخدمة طاغية مستبد لأجل جاه زائل، أو يسكت عن ظلم واقع بحق المقدسات لأجل مصلحة شخصية.
الولاء للعباس يعني أن تكون حراً في دنياك، كريماً في مواقفك، عزيزاً في قراراتك، لا تبيع دينك بدنياك، لا تترك الحق لأجل منصب، لا تذل لأي طاغية مهما كان قوياً ومهما أعطاك ومهما وعدك.
وتذكر دائماً قول أبي الفضل العباس عليه السلام حين خير بين الحياة مع الذل والموت مع الشرف، فاختار الشرف دون تردد. وتذكر أنه قالها صريحة واضحة لا تقبل التأويل: الموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل.
هذه هي الرسالة الخالدة التي حملها العباس عليه السلام عبر التاريخ إلى كل إنسان يريد أن يكون حراً كريماً عزيزاً، إلى كل إنسان يريد أن يموت شريفاً خير له من أن يعيش ذليلاً.
كونوا أحراراً في دنياكم
بعد هذه الرحلة في أعماق واقعة الطف ودور أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام وإخوته، نخرج بنتائج واضحة وثابتة تثبت أن هؤلاء الرجال العظام لم يكونوا مجرد قادة عسكريين، بل كانوا مدرسة متكاملة في الصبر والتضحية والوفاء والولاء والإخلاص.
كان دور العباس عليه السلام وإخوته مهماً جداً جداً أثناء الواقعة لنصرة الإمام الحسين عليه السلام. القضية بدأت حماستها وتغير الواقع المؤلم والظلم في المجتمع بعد مقتل مسلم بن عقيل عليه السلام وغدر أهل الكوفة به. وقد بين مصرع سفير الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام أن ظلم هؤلاء وطغيانهم لا بد من النصر عليهم، ولا بد من المواجهة مهما كلف الثمن.
وانتصرت الدماء الطاهرة الزكية على الظلم والتكبر والاستبداد والاحتكار والفساد. انتصر العباس والحسين وإخوته وأهل بيته وأصحابه رغم قلة عددهم وضعف عدتهم، لأنهم كانوا مع الله والله معهم.
أبو الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام هو النموذج الأسمى للإنسان الحر الذي لا يرضى بالذل ولا يقبل المساومة ولا يخاف الموت في سبيل الحق. هو الذي قال كلمته التي لا تموت ولا تنسى ولا يمحوها الزمان: الموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل.
هذه الكلمة يجب أن تكون دستور كل موالٍ حقيقي، وشعار كل حر شريف، ونبراس كل من يريد الخلاص من الجور والظلم والاستبداد والاحتكار والفساد.
كونوا أحراراً في دنياكم. لا تبيعوا دينكم بدنياكم. لا تتركوا الحق لأجل منصب ولا جاه ولا مال. لا تذلوا لأي طاغية مهما كان قوياً ومهما كان عتوه. وتذكروا دائماً كلمة العباس عليه السلام حين خيروه بين الحياة على طريقة يزيد وبين الموت مع الحسين، فاختار الموت مع الحسين لأنه كان يعلم أن الموت مع الحق هو الحياة الحقيقية، والحياة مع الباطل هو الموت الحقيقي.
والله إن الموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل. وهذه هي الرسالة الخالدة التي نخرج بها من هذه الدراسة، وهي الرسالة التي نهديها إلى كل إنسان يريد أن يكون حراً كريماً عزيزاً في دنياه وأخراه
 المصادر والمراجع المعتمدة
.....................................
اعتمد الكاتب والباحث حيدر الشبلاوي في هذه الدراسة الحصينة على مجموعة من المصادر التاريخية والأكاديمية الموثوقة، وفي مقدمتها:
· تاريخ الطبري – أبو جعفر محمد بن جرير الطبري
· الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد – الشيخ المفيد
· نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم – الشيخ عباس القمي
· اللهوف على قتلى الطفوف – السيد ابن طاووس
· مقتل الحسين – السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم
· الروضة في فضائل أمير المؤمنين وأولاده – حسين بن علي الكاشفي
بالإضافة إلى ما استقر في السردية المعتمدة من تفاصيل متواترة عن واقعة الطف، والتي تلقتها الأمة بالقبول عبر الأجيال.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين، ولعن الله أعداءهم أجمعين إلى يوم الدين.
الكاتب والباحث
حيدر الشبلاوي
الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني / دراسات في دور العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام ويوم الطف.
١٤/ ٦ / ٢٠٢٦
محاولة جديدة لفهم دور العباس عليه السلام لا تخرج عن النص التاريخي الثابت
تمت هذه الدراسة لتكون مرجعاً أكاديمياً رصيناً لكل باحث ومحب، ولكل من يريد أن يفهم قضية العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام فهماً عميقاً موضوعياً بعيداً عن الشوائب والادعاءات السطحية، لتظل هذه القضية نابضة بالحياة تهز عروش الكفر والطغيان والاستبداد والاحتكار في كل زمان ومكان، وليكون هذا الموقف الشجاع مثالاً خالداً في تاريخ واقعة الطف والإنسانية جمعاء.
بسم الله الرحمن الرحيمالموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل
((دراسة أكاديمية في دور أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام في واقعة الطف))
من العمق الأدبي والفني في القتال إلى الإيمان الراسخ وتربية الرسالة العلوية والفاطمية.
الإهداءإلى كل من يحب أبا الفضل العباس بن علي عليه السلام ومن شايعه على النهج وسار على دربه في الدفاع عن الدين والمقدسات وعن الإسلام الصحيح.
إلى كل من فهم أن المواساة الحقيقية ليست دموعاً تذرف فقط، بل مواقف تُسطر ودماء تُبذل وكلمة حق تُقال في وجه الباطل.
نهدي هذه الدراسة المتواضعة عسى أن تكون نبراساً لمن يبحث عن الحقيقة وشعلة تحرك الضمائر نحو التحرر من الجور والظلم والاستبداد والاحتكار.
مقدمة الدراسة
إن دراسة التاريخ الإسلامي لا تقف عند حد السرد المجرد للحوادث، بل تتجاوز ذلك إلى استخلاص الدروس والعبر واستنطاق الوقائع لتكون حية ناطقة في كل زمان ومكان. ومن أعظم هذه الوقائع وأعمقها أثراً واقعة الطف التي جرت في أرض كربلاء سنة إحدى وستين للهجرة، حيث تجلت معاني التضحية والفداء والثبات على المبدأ في أسمى صورها.
وفي قلب هذه الواقعة العظيمة تبرز شخصية فذة قل أن يجود الزمان بمثلها، إنه أبو الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي لم يكن مجرد قائد عسكري أو حامل لواء فحسب، بل كان مدرسة متكاملة في الولاء والإخلاص والشجاعة والأدب والفن في القتال والإيمان الراسخ الذي لا تتزعزعه إغراءات الدنيا ولا تهدده وعود المناصب والسلطان.
تأتي هذه الدراسة الأكاديمية الحصينة كمحاولة جديدة لفهم دور العباس عليه السلام في واقعة الطف، فهماً لا يخرج عن النص التاريخي الثابت بل يغوص في أعماقه ليستخرج الجواهر الكامنة فيه. وهي محاولة تهدف إلى تقديم رؤية موضوعية وعميقة لهذا الدور، بعيداً عن الشوائب والادعاءات السطحية، لتكون هذه الدراسة مرجعاً لكل باحث ومحب يريد أن يقترب من الحقيقة كما هي، لا كما يشتهي المبطلون أو يريد المغرضون.
إن الكاتب والباحث في التاريخ الإسلامي حيدر الشبلاوي يضع بين يدي القارئ هذه الدراسة بعد أن بذل فيها جهداً كبيراً في التمحيص والتحقيق والتوثيق، معتمداً على أقدم المصادر التاريخية وأوثقها، وعلى ما استقر في السردية المعتمدة من تفاصيل دون أن يخلَّ ذلك بالمنهجية الأكاديمية الرصينة. والهدف واحد: أن تبقى قضية العباس عليه السلام نابضة بالحياة، تهز عروش الكفر والطغيان والاستبداد والاحتكار في كل عصر، وأن يكون هذا الموقف الشجاع مثالاً خالداً في تاريخ الإنسانية جمعاء.
الفصل الأول
المكان والتاريخ: كربلاء في محرم الحرام سنة إحدى وستين للهجرة
في أرض كربلاء، تلك البقعة الطاهرة التي اصطفاها الله سبحانه وتعالى لتكون مسرحاً لأعظم ملحمة في تاريخ الإنسانية، وفي اليوم العاشر من شهر محرم الحرام سنة إحدى وستين للهجرة، كان الموعد الأبدي بين الحق والباطل.
كربلاء التي عرفت قبل ذلك اسماً لقرية صغيرة على ضفاف نهر الفرات، صارت بعد هذا اليوم مدرسة للعزة والكرامة، ومعلماً للحرية يدرس للأجيال، ومنارة يهتدي بها الأحرار في كل مكان وزمان.
جيش يزيد بن معاوية لعنه الله احتشد بثلاثين ألف مقاتل، بينما الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام لم يتجاوز أصحابه وأهل بيته اثنين وسبعين رجلاً، لكنهم كانوا أثبت من الجبال وأعظم من الأعداد، لأنهم كانوا مع الحق والحق معهم.
الجو حار والرياح محرقة، والماء مقطوع عن معسكر الإمام الحسين عليه السلام منذ ثلاثة أيام، والأطفال يبكون من العطش، والنساء يتألمن، والخيام ترتجف من لهيب الصحراء ولهيب الظلم معاً.
في هذا المشهد المؤلم الذي لا يوصف، كان أطفال أهل البيت عليهم السلام يرفعون أصواتهم: العطش العطش. وكانت السيدة زينب الكبرى عليها السلام تراقب السماء بدموع لا تنقطع، والإمام الحسين عليه السلام ينظر إلى السماء أيضاً لكن بعين الرضا بقضاء الله وقدره، وأبو الفضل العباس عليه السلام يقف متأهباً وسيفه بيده وقلبه ينظر إلى الفرات وحده، وكانت في عينيه حمى لا توصف.
الفصل الثاني
قضية بدأت بحماسة: من مقتل سفير الإمام إلى تغيير الواقع المؤلم
كانت القضية قد اشتعلت حماستها وتغير الواقع المؤلم في المجتمع بعد مقتل سفير الإمام الحسين عليه السلام إلى الكوفة، وهو مسلم بن عقيل عليه السلام، ذاك الرجل المؤمن الشجاع الذي أرسله الإمام عليه السلام ليستطلع أمر أهل الكوفة الذين كتبوا آلاف الرسائل يدعونه إلى القدوم.
قدم مسلم بن عقيل عليه السلام إلى الكوفة فبايعوه اثني عشر ألف رجل، لكنهم غدروا به عندما وصل ابن زياد لعنه الله إلى الكوفة، فخذلوه وتركوه وحيداً في الطرقات، فاستشهد مظلوماً على سطح دار هانئ بن عروة بعد أن ألقى بنفسه من أعلى الدار فاندقت عنقه.
هذا الغدر وهذا الظلم بيّن لأهل البيت عليهم السلام أن طغيان هؤلاء لا بد من مواجهته، وأن النصر لا يأتي بالمساومات، بل بالدماء الطاهرة الزكية على الظلم والتكبر والاستبداد والاحتكار والفساد.
فكانت واقعة الطف هي الرد الإلهي على كل طغيان، والقاعدة المتينة التي يهتدي بها الأحرار في كل زمان، والدروس النافعة التي يستضيء بها كل من أراد الخلاص من الجور والظلم.
الفصل الثالث
إخوة العباس: تقييم موحد في الإيمان والشهادة
نشأ أبو الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام وإخوته الثلاثة: عبد الله وجعفر وعثمان، وهم جميعاً أبناء فاطمة بنت حزام الكلابية المعروفة بأم البنين عليها السلام. وقد ربتهم أمهم على حب آل البيت والتضحية في سبيلهم دون تردد، وكانوا كلهم شجعاناً أباةً، مؤمنين راسخين، لا يفرق بينهم في الإيمان والولاء والثبات على الحق.
أم البنين عليها السلام لم تنجب من أمير المؤمنين عليه السلام إلا هؤلاء الأربعة، وكانوا جميعاً على قدر عال من الشجاعة والإيمان والأدب والفداء. غير أن لكل واحد منهم موقعاً ودوراً في واقعة الطف، وإن كان لواء العباس قد حمله دوراً استراتيجياً مميزاً جعله محط أنظار الأعداء أولاً، ومحل إغراءات الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله ثانياً.
أما إخوته عبد الله وجعفر وعثمان، فقد قاتلوا واستشهدوا جميعاً في سبيل الله مع الإمام الحسين عليه السلام، ولم يتخلف أحد منهم عن نصرة أخيهم وإمامهم. لقد كانوا نموذجاً للأسرة الواحدة التي اجتمعت على الحق وتفرقت على الباطل، حيث وقفوا صفاً واحداً لا يتزعزع في وجه الطغيان.
فالتقييم الموحد بين العباس وإخوته هو أنهم جميعاً كانوا شهداء أبراراً، مؤمنين صادقين، مضحين بأرواحهم في سبيل الله ورسوله وأهل بيته. لا فضل لأحدهم على الآخر في الإيمان والتقوى، وإنما تتفاوت منازلهم بحسب ما كتب الله لهم من أدوار ومواقف. والعباس عليه السلام اختص بحمل اللواء وبمنصب السقاية وبموقف الرد على الشمر، وهذا لا ينتقص من إخوته شيئاً، بل يزيد من منزلة العباس في الوفاء والثبات.
لقد كانوا جميعاً سواء في الإيمان، وسواء في الشهادة، وسواء في حب الحسين عليه السلام. لكن لواء أبي الفضل حمله دوراً استراتيجياً جعله يواجه إغراءات الدنيا ومناصبها قبل أن يواجه سيوف الأعداء، وهذه ميزة خاصة له عليه السلام جعلته مثالاً لكل من يريد أن يثبت على الحق أمام كل إغراء.
الفصل الرابع
حامل اللواء: الدور الاستراتيجي لأبي الفضل في المعركة
لواء أبي الفضل العباس عليه السلام لم يكن مجرد قطعة قماش ترفع في المعركة، بل كان رمزاً له وزن المعركة كلها، بل كان المعركة ذاتها في كثير من تفاصيلها.
الإمام الحسين عليه السلام دفع باللواء إلى أخيه العباس لأنه يعلم أنه لا يسقط اللواء من يده أبداً، وأن العباس هو صاحب الموقف الأقوى والأثبت في الميدان. اللواء بيد العباس يعني أن المعركة مستمرة، وأن الهيبة باقية، وأن الأعداء في حالة خوف وترقب دائمين.
دور العباس عليه السلام كان خطيراً ومهماً جداً جداً أثناء الواقعة لنصرة الإمام الحسين عليه السلام. هو الذي تولى السقاية بمفرده، وكان ينطلق كالسهم نحو الفرات ليجلب الماء لأطفال الحسين عليه السلام ونسائه، وفي كل مرة كان الأعداء يصدونه بجموعهم الكثيفة، لكنه كان يعود، وكان يصول ويجول ويقاتل حتى يصل إلى الماء.
في المرة الأخيرة التي وصل فيها إلى الفرات، اغترف بيديه ماء ليشرب بعد عطش شديد، لكنه تذكر في تلك اللحظة عطش الإمام الحسين عليه السلام وعطش أهل بيته الذين ينتظرونه بفارغ الصبر، فرمى الماء من يديه على الأرض وقال كلمته الخالدة: والله لا أشرب ماء وأخي الحسين وعياله يتضرمون عطشاً.
هذه هي التضحية بعينها، وهذا هو الولاء الذي لا يعلى عليه. لم يشرب العباس الماء وهو على الفرات بين يديه وحده، لأنه كان يعلم أن أخاه وإمامه وسيده الحسين بن فاطمة عليها السلام ينتظرون خلفه.
ثم ملأ القربة وعاد بها يحمل الماء، لكن الأعداء قطعوا عليه الطريق، وقطعوا يديه اليمنى ثم اليسرى وهو يدافع عن القربة وعن اللواء وعن العودة إلى معسكر الإمام. سقط اللواء من يديه، وناداه الإمام الحسين عليه السلام بصوت مفعم بالحزن والألم: عند الله أحتسبك يا أخي وقرة عيني.
سقط العباس صريعاً على الأرض وهو ينادي بأعلى صوته: يا أخي أدرك أخاك. يا أخي أدركني قبل أن أموت.
كان هذا المشهد هو تتويج لدور أبي الفضل العباس عليه السلام في الدفاع عن الإسلام والمقدسات والذود عن أهل بيت النبوة. وهنا يتجلى العمق الأدبي والفني في قتال العباس، حيث كان يقدم روحه ودمه وجسده كله فداء للحسين عليه السلام دون أن ينتظر مقابلاً أو مديحاً.
الفصل الخامس
موقف الشمر ومحاولة شراء الولاء: الموت في رحاب الحق أشرف
نعود إلى أصل القضية وأول انطلاقتها، إلى اللحظة التي سبقت كل شيء، إلى لحظة الامتحان الحقيقي التي أرادها الأعداء ليس لقتل العباس، بل لشراء عقيدته وإيمانه.
جاء الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله إلى أبي الفضل العباس عليه السلام وإخوته عبد الله وجعفر وعثمان في الليلة التي سبقت يوم عاشوراء أو صبيحة اليوم العاشر، وحاول أن يغريهم بالأمان والمال والمنصب، مستغلاً قرابة الرحم التي تربطه بهم من جهة أمهم أم البنين.
قال الشمر للعباس وإخوته: يا بني أم البنين، نحن أقرباؤكم، ونحن لا نريد أن نقتلكم. نحن نعرض عليكم الأمان الكامل، ونعرض على العباس خاصة أن يكون قائداً عاماً لقوات يزيد بن معاوية في الشام. لكم المال والجاه والسلطان، وكل ما تريدون من الدنيا. الشرط واحد فقط: أن تتركوا أخاكم الحسين وتخرجوا من معسكره، وأن تدخلوا في طاعة يزيد.
هذا الموقف هو امتحان عظيم، بل هو أول امتحان حقيقي لقضية العباس وإخوته. لم يتردد العباس ولو للحظة واحدة، ولم ينظر إلى اليمين ولا إلى اليسار، بل نظر إلى الشمر بعين الغضب الإلهي وقال رده الذي هز عروش الكفر والطغيان والاستبداد والاحتكار في كل العصور:
"لعنك الله ولعن أمانك يا شمر! أتأمرني أن أترك أخي وسيدي الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟! والله لا أتركه أبداً، والله لا أفارقه أبداً، والله لا أخذله أبداً. الموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل."
وتابع إخوته عبد الله وجعفر وعثمان نفس الموقف، فأعلنوا رفضهم القاطع للأمان والمناصب، وفضّلوا الموت مع الحسين عليه السلام على الحياة مع يزيد لعنه الله.
بهذه الكلمات القليلة القوية أسقط العباس وإخوته عليهما السلام كل عروش الكفر والطغيان والاستبداد والاحتكار. علم الأعداء في تلك اللحظة أن هؤلاء الرجال لا يشترون بالمال ولا بالمناصب ولا بالسلطان، وأنهم لا يخافون الموت في سبيل الحق، وأنهم النموذج الأسمى للإنسان الحر الذي يرفض أي مساومة مع الباطل.
هذا الموقف الشجاع صار مثالاً خالداً في تاريخ واقعة الطف وفي تاريخ الإنسانية كلها. إنها أول مرة يرفض فيها إنسان كل مناصب الدنيا وكل إغراءاتها ويختار الموت من أجل مبادئه وقيمه وإيمانه.
الفصل السادس
من العمق الأدبي والفني في القتال: الإيمان الراسخ وتربية العلويين والفاطميين
أبو الفضل العباس عليه السلام لم يكن مجرد محارب شجاع، بل كان أديباً وفناناً في القتال. كان يركب جواده كأنه فارس من فرسان الملائكة، ويتقدم إلى المعركة وهو ينشد الشعر الحماسي الذي يرعب الأعداء ويثبت المؤمنين.
الأدب في قتال العباس كان يتمثل في رؤيته للجهاد كعبادة خالصة لله، وليس كقتال عادي أو انتقام شخصي. كان يتقدم إلى الميدان وهو يذكر الله ويصلي على محمد وآله، وكان لا يبدأ بالهجوم حتى يدعو الله ويستعين به.
الفن في قتاله كان في كيفية استخدام سلاحه بمهارة فائقة، وفي كيفية الصول والجول بين الصفوف دون أن يصاب، وفي كيفية حماية اللواء بيديه معاً، وفي كيفية الوصول إلى الماء دون أن يسبق الإمام عليه السلام في الشرب، وفي كيفية العودة بالقربة رغم العطش الشديد.
هذه التربية العالية هي التي جعلت من العباس عليه السلام نموذجاً لا يتكرر في التاريخ. تربية من علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان فارس الإسلام والأخلاق النبيلة، وتربية من فاطمة الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين، وتربية من أم البنين عليها السلام التي ربت أولادها على أن الحسين هو سيدهم وإمامهم وقدوتهم، وعلى أن حب الحسين هو دينهم وحياتهم.
الإيمان الراسخ الذي حمله العباس عليه السلام وإخوته كان هو السلاح الأقوى في وجه كل أعداء الدين. كانوا يعلمون أن الله معهم، وأن الرسول ينتظرهم، وأن فاطمة تدعو لهم، وأن الحسين يثق بهم، وأن الجنة تنتظر شهادتهم. هذا الإيمان هو الذي جعلهم لا يخافون الموت بل يرحبون به ويستقبلونه كالعريس الذي يلتقي بحبيبته.
الفصل السابع
تجسيد القضية بالحب والولاء والإيمان المطلق: قيادة أبي الأحرار
هذه القضية العظيمة، قضية أبي الفضل العباس عليه السلام وإخوته، يتم تجسيدها اليوم وفي كل زمان بالحب والولاء والإيمان المطلق بالله وبقيادة أبي الأحرار الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
إن كل موالٍ حقيقي للعباس عليه السلام يجب أن يدرك أن الموالاة ليست شعاراً يرفع في المواسم والحفلات، بل هي منهج حياة كامل يترجم على أرض الواقع بالسلوك والمواقف والأفعال.
من ادعى محبة العباس عليه السلام ثم انبطح لطاغية أو ظالم أو مستبد أو فاسد من أجل منصب دنيوي زائل، فهو بعيد كل البعد عن مدرسة العباس والحسين عليهما السلام. من هتف باسم العباس بلسانه وعمل بجوارحه لخدمة مشروع يزيد جديد في العصر الحديث، فهو متناقض لا يفهم معنى الولاء ولا يعرف حقيقة الإخلاص.
على الموالين اليوم أن يميزوا بين حب العباس عليه السلام وبين الارتماء في أحضان من يجسدون مشروع يزيد لعنه الله في العصر الحديث تحت أي مسمى كان. فلا يمكن للموالي أبداً أن يهتف باسم العباس وهو يطيع من انبطح لتغريدة قاتل المرشد الأعلى مقابل منصب دنيوي، أو يعمل لخدمة طاغية مستبد لأجل جاه زائل، أو يسكت عن ظلم واقع بحق المقدسات لأجل مصلحة شخصية.
الولاء للعباس يعني أن تكون حراً في دنياك، كريماً في مواقفك، عزيزاً في قراراتك، لا تبيع دينك بدنياك، لا تترك الحق لأجل منصب، لا تذل لأي طاغية مهما كان قوياً ومهما أعطاك ومهما وعدك.
وتذكر دائماً قول أبي الفضل العباس عليه السلام حين خير بين الحياة مع الذل والموت مع الشرف، فاختار الشرف دون تردد. وتذكر أنه قالها صريحة واضحة لا تقبل التأويل: الموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل.
هذه هي الرسالة الخالدة التي حملها العباس عليه السلام عبر التاريخ إلى كل إنسان يريد أن يكون حراً كريماً عزيزاً، إلى كل إنسان يريد أن يموت شريفاً خير له من أن يعيش ذليلاً.
كونوا أحراراً في دنياكم
بعد هذه الرحلة في أعماق واقعة الطف ودور أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام وإخوته، نخرج بنتائج واضحة وثابتة تثبت أن هؤلاء الرجال العظام لم يكونوا مجرد قادة عسكريين، بل كانوا مدرسة متكاملة في الصبر والتضحية والوفاء والولاء والإخلاص.
كان دور العباس عليه السلام وإخوته مهماً جداً جداً أثناء الواقعة لنصرة الإمام الحسين عليه السلام. القضية بدأت حماستها وتغير الواقع المؤلم والظلم في المجتمع بعد مقتل مسلم بن عقيل عليه السلام وغدر أهل الكوفة به. وقد بين مصرع سفير الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام أن ظلم هؤلاء وطغيانهم لا بد من النصر عليهم، ولا بد من المواجهة مهما كلف الثمن.
وانتصرت الدماء الطاهرة الزكية على الظلم والتكبر والاستبداد والاحتكار والفساد. انتصر العباس والحسين وإخوته وأهل بيته وأصحابه رغم قلة عددهم وضعف عدتهم، لأنهم كانوا مع الله والله معهم.
أبو الفضل العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام هو النموذج الأسمى للإنسان الحر الذي لا يرضى بالذل ولا يقبل المساومة ولا يخاف الموت في سبيل الحق. هو الذي قال كلمته التي لا تموت ولا تنسى ولا يمحوها الزمان: الموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل.
هذه الكلمة يجب أن تكون دستور كل موالٍ حقيقي، وشعار كل حر شريف، ونبراس كل من يريد الخلاص من الجور والظلم والاستبداد والاحتكار والفساد.
كونوا أحراراً في دنياكم. لا تبيعوا دينكم بدنياكم. لا تتركوا الحق لأجل منصب ولا جاه ولا مال. لا تذلوا لأي طاغية مهما كان قوياً ومهما كان عتوه. وتذكروا دائماً كلمة العباس عليه السلام حين خيروه بين الحياة على طريقة يزيد وبين الموت مع الحسين، فاختار الموت مع الحسين لأنه كان يعلم أن الموت مع الحق هو الحياة الحقيقية، والحياة مع الباطل هو الموت الحقيقي.
والله إن الموت في رحاب الحق أشرف من الحياة في ذل الباطل. وهذه هي الرسالة الخالدة التي نخرج بها من هذه الدراسة، وهي الرسالة التي نهديها إلى كل إنسان يريد أن يكون حراً كريماً عزيزاً في دنياه وأخراه
 المصادر والمراجع المعتمدة.....................................اعتمد الكاتب والباحث حيدر الشبلاوي في هذه الدراسة الحصينة على مجموعة من المصادر التاريخية والأكاديمية الموثوقة، وفي مقدمتها:
· تاريخ الطبري – أبو جعفر محمد بن جرير الطبري· الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد – الشيخ المفيد· نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم – الشيخ عباس القمي· اللهوف على قتلى الطفوف – السيد ابن طاووس· مقتل الحسين – السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم· الروضة في فضائل أمير المؤمنين وأولاده – حسين بن علي الكاشفي
بالإضافة إلى ما استقر في السردية المعتمدة من تفاصيل متواترة عن واقعة الطف، والتي تلقتها الأمة بالقبول عبر الأجيال.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين، ولعن الله أعداءهم أجمعين إلى يوم الدين.الكاتب والباحثحيدر الشبلاويالإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني / دراسات في دور العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام ويوم الطف.١٤/ ٦ / ٢٠٢٦
محاولة جديدة لفهم دور العباس عليه السلام لا تخرج عن النص التاريخي الثابت
تمت هذه الدراسة لتكون مرجعاً أكاديمياً رصيناً لكل باحث ومحب، ولكل من يريد أن يفهم قضية العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام فهماً عميقاً موضوعياً بعيداً عن الشوائب والادعاءات السطحية، لتظل هذه القضية نابضة بالحياة تهز عروش الكفر والطغيان والاستبداد والاحتكار في كل زمان ومكان، وليكون هذا الموقف الشجاع مثالاً خالداً في تاريخ واقعة الطف والإنسانية جمعاء.

أرسلت بواسطة: أدارة الموقع | التاريخ: 15-06-2026 | الوقـت: 11:58:22 مساءا |

المواضيع المرتبطة بهذا المقال

2026-07-12 - من أحبَّ الحياة عاش ذليلاً… شعار الأحرار وكسر الحصار: من ثورة الإمام زيد إلى معركة السيادة اليمنية.
2026-07-12 - القنصلية المصرية بجدة تحتفل باليوم الوطني وبمناسبة الذكرى( 74) لثورة يوليو (1952)
2026-07-12 - الامام زيد.. مدرسة الثورة والكرامة
2026-07-12 - إعدام البراك
2026-07-12 - الإمام زيد بن علي.. حين يصبح الدم الطاهر راية للحق ومواجهة الظلم
2026-07-12 - أمين محافظة جدة يرفع الشكر للقيادة الرشيدة -حفظها الله- بمناسبة تعيينه أمينًا لمحافظة جدة
2026-07-12 - جامعة إب اليمنية: ورشة تدريبية للمندوبين في الكليات والمراكز
2026-07-12 - القنصلية المصرية بجدة تحتفل باليوم الوطني وبمناسبة الذكرى( 74) لثورة يوليو (1952)
2026-07-12 - المخاض العسير
2026-07-12 - على نهج الحسين (عليه السلام)… أثرُ العمل الصالح الذي شهدت له الملايين
التصويت على المقال

المعدل: المعدل: 0عدد المصوتين:0

_EXCELLENT _VERYGOOD _GOOD _REGULAR _BAD
التعليقات
اسمك الشخصي:
أضافة تعليق:
الكود الأمني:



Share
البحث في المحتويات
التقويم

صفحة جديدة 1