كتب رياض الفرطوسي
حين تسكت المدافع وتتوقف قعقعة السلاح، تبدأ العقول في قراءة الدخان المتصاعد، ويتحول المشهد من ساحات القتال إلى طاولات الحسابات الباردة لتحديد الرابح والخاسر. إنها اللحظة التاريخية التي تؤكد ما ذهب إليه المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي في نظريته الشهيرة حول "التحدي والاستجابة"، حيث تولد التحولات الكبرى من رحم الأزمات الوجودية. وفي هذا الفضاء الممتد من الشرق الأوسط إلى غرب آسيا، نجد أنفسنا اليوم أمام جردة حساب شاملة للمواجهة المعقدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؛ حيث يظهر المعسكر الإيراني قدرة لافتة على الصمود الإستراتيجي وإطالة أمد الصراع بما يتجاوز الحسابات الغربية، مما مكّن طهران من فرض واقع ميداني وسياسي جديد أثبت عمق نفوذها، في حين تحاول واشنطن تسويق تفوقها العسكري وحصارها البحري كأداة لفرض شروط لم تكن مطروحة من قبل.
هذا التدافع الاستراتيجي يطرح التساؤل الأكثر سخونة في دوائر الفكر السياسي اليوم: هل نحن أمام إعادة رسم شاملة لخرائط التحالفات الإقليمية؟ المؤشرات تشير إلى تبلور تكتل جديد يضم تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر، يتقاطع في خطوط ومصالح مع باكستان كقوة نووية، بينما تبدو قوى أخرى كالهند والإمارات في تموضع مختلف، بالتزامن مع قراءة واقعية تشير إلى احتمالية تحول العلاقات الأمريكية الإيرانية على المدى الطويل نحو تفاهمات واعتراف دولي متزايد بالدور الإيراني المحوري، يعيد للأذهان ثقل طهران التاريخي في معادلة أمن الخليج، في وقت يراقب فيه الجانب التركي المشهد ببراغماتية حذرة.
وفي قلب هذه المعادلات المعقدة، تلتفت إسرائيل بقلق نحو الخارطة الإقليمية، فبينما تحسب حساباً لتركيا كعضو في حلف الشمال الأطلسي، تركز بصرها بشكل أعمق نحو العراق لما يمتلكه من عمق جيوسياسي متصل بمحور المقاومة. إنهم يدركون أن هذا البلد الممتد في عمق التاريخ بأربعين مليون مواطن قد طور عبر عقود من الحروب والحصار ما يمكن تسميته "الصبر الاستراتيجي"؛ حيث يميل الوعي الجمعي العراقي الآن إلى تحييد بلدهم عن الصراعات العسكرية المباشرة لإدراكهم أن الحروب التقليدية لم تجلب سوى الويلات والتراجع. ولهذا السبب، فإن الاستراتيجية البديلة لمواجهة العراق لن تكون عسكرية، بل ستتحول إلى حرب ناعمة وفي الميادين الاقتصادية والتنموية.
ستتركز المحاولات على العبث بأخطر الملفات الوجودية للعراق، وهو ملف مياه دجلة والفرات، من خلال تحريض دول الجوار الجغرافي والتحكم في التدفقات المائية لتعطيل النهضة الزراعية والصناعية. ولن تتوقف هذه الجهود عند حدود المياه، بل ستتعداها إلى محاولة خنق العراق اقتصادياً عبر عرقلة مشروعاته الواعدة لربط الشرق بالغرب، وإغراق ساحته الداخلية بأزمات مفتعلة، وتصدير حرب المخدرات والفساد المنظم لتدمير نسيجه الاجتماعي، بهدف إظهاره أمام المجتمع الدولي كدولة فاشلة وعاجزة عن استعادة دورها الطليعي.
إن هذه التحولات تعيدنا إلى أطروحة المفكر الأمريكي بول كينيدي في كتابه "صعود وسقوط القوى العظمى"، والتي تؤكد أن القوة الحقيقية للدول لا تقاس فقط بترسانتها العسكرية، بل بقدرتها على الصمود الاقتصادي وتماسكها الحضاري. والعراق، بموقعه الاستراتيجي كحلقة وصل برية وممر إلزامي يربط عمق آسيا بشواطئ المتوسط، يعي جيداً حجم ثقله الاستراتيجي؛ فهو ليس مجرد بقعة جغرافية طارئة، بل هو بلاد الرافدين، مهد القوانين الأولى وبيت الحكمة الذي شع منه نور المعرفة يوم كانت أوروبا تعيش في ظلمات العصور الوسطى. إن هذا الإرث الإنساني العريق، مدعوماً بمخزون بشري هائل من العلماء والمفكرين والطاقات الشابة، يشكل الدرع الحقيقي الذي يجعل العراق عصياً على الانكسار، وقادراً على شق طريقه وتجاوز المكائد الإقليمية ليظل دائماً منارة حية في قلب المنطقة لا يمكن إطفاء بريقها.
كتب رياض الفرطوسي حين تسكت المدافع وتتوقف قعقعة السلاح، تبدأ العقول في قراءة الدخان المتصاعد، ويتحول المشهد من ساحات القتال إلى طاولات الحسابات الباردة لتحديد الرابح والخاسر. إنها اللحظة التاريخية التي تؤكد ما ذهب إليه المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي في نظريته الشهيرة حول "التحدي والاستجابة"، حيث تولد التحولات الكبرى من رحم الأزمات الوجودية. وفي هذا الفضاء الممتد من الشرق الأوسط إلى غرب آسيا، نجد أنفسنا اليوم أمام جردة حساب شاملة للمواجهة المعقدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؛ حيث يظهر المعسكر الإيراني قدرة لافتة على الصمود الإستراتيجي وإطالة أمد الصراع بما يتجاوز الحسابات الغربية، مما مكّن طهران من فرض واقع ميداني وسياسي جديد أثبت عمق نفوذها، في حين تحاول واشنطن تسويق تفوقها العسكري وحصارها البحري كأداة لفرض شروط لم تكن مطروحة من قبل.
هذا التدافع الاستراتيجي يطرح التساؤل الأكثر سخونة في دوائر الفكر السياسي اليوم: هل نحن أمام إعادة رسم شاملة لخرائط التحالفات الإقليمية؟ المؤشرات تشير إلى تبلور تكتل جديد يضم تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر، يتقاطع في خطوط ومصالح مع باكستان كقوة نووية، بينما تبدو قوى أخرى كالهند والإمارات في تموضع مختلف، بالتزامن مع قراءة واقعية تشير إلى احتمالية تحول العلاقات الأمريكية الإيرانية على المدى الطويل نحو تفاهمات واعتراف دولي متزايد بالدور الإيراني المحوري، يعيد للأذهان ثقل طهران التاريخي في معادلة أمن الخليج، في وقت يراقب فيه الجانب التركي المشهد ببراغماتية حذرة.
وفي قلب هذه المعادلات المعقدة، تلتفت إسرائيل بقلق نحو الخارطة الإقليمية، فبينما تحسب حساباً لتركيا كعضو في حلف الشمال الأطلسي، تركز بصرها بشكل أعمق نحو العراق لما يمتلكه من عمق جيوسياسي متصل بمحور المقاومة. إنهم يدركون أن هذا البلد الممتد في عمق التاريخ بأربعين مليون مواطن قد طور عبر عقود من الحروب والحصار ما يمكن تسميته "الصبر الاستراتيجي"؛ حيث يميل الوعي الجمعي العراقي الآن إلى تحييد بلدهم عن الصراعات العسكرية المباشرة لإدراكهم أن الحروب التقليدية لم تجلب سوى الويلات والتراجع. ولهذا السبب، فإن الاستراتيجية البديلة لمواجهة العراق لن تكون عسكرية، بل ستتحول إلى حرب ناعمة وفي الميادين الاقتصادية والتنموية.
ستتركز المحاولات على العبث بأخطر الملفات الوجودية للعراق، وهو ملف مياه دجلة والفرات، من خلال تحريض دول الجوار الجغرافي والتحكم في التدفقات المائية لتعطيل النهضة الزراعية والصناعية. ولن تتوقف هذه الجهود عند حدود المياه، بل ستتعداها إلى محاولة خنق العراق اقتصادياً عبر عرقلة مشروعاته الواعدة لربط الشرق بالغرب، وإغراق ساحته الداخلية بأزمات مفتعلة، وتصدير حرب المخدرات والفساد المنظم لتدمير نسيجه الاجتماعي، بهدف إظهاره أمام المجتمع الدولي كدولة فاشلة وعاجزة عن استعادة دورها الطليعي.
إن هذه التحولات تعيدنا إلى أطروحة المفكر الأمريكي بول كينيدي في كتابه "صعود وسقوط القوى العظمى"، والتي تؤكد أن القوة الحقيقية للدول لا تقاس فقط بترسانتها العسكرية، بل بقدرتها على الصمود الاقتصادي وتماسكها الحضاري. والعراق، بموقعه الاستراتيجي كحلقة وصل برية وممر إلزامي يربط عمق آسيا بشواطئ المتوسط، يعي جيداً حجم ثقله الاستراتيجي؛ فهو ليس مجرد بقعة جغرافية طارئة، بل هو بلاد الرافدين، مهد القوانين الأولى وبيت الحكمة الذي شع منه نور المعرفة يوم كانت أوروبا تعيش في ظلمات العصور الوسطى. إن هذا الإرث الإنساني العريق، مدعوماً بمخزون بشري هائل من العلماء والمفكرين والطاقات الشابة، يشكل الدرع الحقيقي الذي يجعل العراق عصياً على الانكسار، وقادراً على شق طريقه وتجاوز المكائد الإقليمية ليظل دائماً منارة حية في قلب المنطقة لا يمكن إطفاء بريقها.
أرسلت بواسطة: أدارة الموقع | التاريخ: 12-07-2026 | الوقـت: 07:21:16 مساءا |
|