وكالة وجريدة بيت العرب الاخباريه الدولية Alsco Software
netoops blog
الأحصائيات
عدد زوار الحالي:23
عدد زوار اليوم:1325
عدد زوار الشهر:80723
عدد زوار السنة:1417814
عدد الزوار الأجمالي:3188913
القائمة الرئيسية
 ماهو دور الاعلام الرقمي في العراق
ممتاز
جيد جدا
جيد
لابأس



النتائــج
المزيد من الأستفتائات

عدد المصوتين: 94

البريد الالكتروني


تغول الضحية

كتب رياض الفرطوسي
 
ثمة قانون خفيّ يحكم تحولات النفس البشرية حين يُسحق الإنسان تحت وطأة القهر والظلم: إن الضحية التي لا تُصقل روحُها بالحكمة والعدل ولا تتعافى أخلاقياً، لا تحلم بالتحرر الحقيقي بقدر ما تطمح لامتلاك السطوة وتبادل الأدوار مع سجانها القديم. حين تهوي الأنظمة المستبدة وتستجدّ التحولات الكبرى، نكتشف سريعاً أن الأزمة لم تكن تكمن في كاريزما الحاكم أو اسمه، بل في الثقافة البنيوية التي تُعيد إنتاجه. إن السلطة الفعلية لا تقطن في الشعارات الرنانة ولا في البيانات الحماسية، بل تتجسد في الوعي الاجتماعي العميق، وفي الكيفية التي يستجيب بها المقهور للسطوة عندما تتاح له فرصة الهيمنة.
تتضح الفاجعة السياسية عندما ينبثق البديل الجديد من الأحشاء ذاتها التي غذّت نظام الاستبداد السابق. يرى المفكر الفيلسوف الطاهر لبيب في تحليلاته لسلوكيات التغيير، أن الرفض السطحي للهيمنة كثيراً ما يخفي في جوهره تمثلاً كاملاً لقيمها؛ فالناقم على القمع لا يكره الأدوات البطشية بذاتها، بل يكره موقعه المتدني منها. ولعل هذا ما يفسر ارتداد نخب كاملة، عاشت سنوات طوالاً وهي تنادي بحقوق الإنسان وتستعرض خطاب النضال، إلى ممارسة أبشع صور التغول والاحتكار بمجرد وصولها إلى رأس الهرم. لقد كان الخطاب الأخلاقي بالنسبة لبعضهم مجرد تذكرة عبور، ولم تكن المفاهيم الإنسانية سوى مناورة حذقة لاستعارة الشرعية.
يعتمد هذا التحول السلوكي على ميكانيزم (آلية عمل نفسية أو اجتماعية) نفسي أشار إليه ابن خلدون مبكراً في ملاحظته حول شغف المغلوب بتقليد الغالب، وهو ما أطره فرانز فانون لاحقاً في تحليله لتشوه وعي الشعوب القابعة تحت السيطرة. فالإهانة المعتقة تخلق عقدة دونية دفينة، لا تنجح محاولات التعويض عنها إلا عبر التفتيش عن ضحية جديدة أكثر ضعفاً لتفريغ عقد مرارة الماضي فيها. إن الذات التي لم تتأسس على قيم المؤسسة والدولة لا تسعى لبناء سيادة القانون(لأن القانون يساويهم بالجميع)بل تبحث عن الاستعراض والتسلط لتقنع نفسها بأنها غادرت موقع الانكسار إلى موقع التغلب. ومن هنا يتغول المشهد، وتتحول الضحية إلى فاعل أشد قسوة وفساداً، لأن سلوكها موجه بدوافع الثأر وعقدة الخوف من الانكشاف.
تصل الأزمة ذروتها حين تنهار الأقنعة النضالية لتفسح المجال أمام الفخامة البدائية والتهافت على الغنائم. تراه يتهافت على النفوذ، وينغمس في مظاهر الثراء الفاحش والترتيبات الاستعراضية الصاخبة، متخذاً من البهرجة السياسية درعاً يغطّي به على الهشاشة الداخلية. إن هذه الهرولة نحو الغطرسة والسيطرة المطلقة هي عوارض صريحة لمرض الذات التي تشعر بالضآلة مهما تطرزت بألقاب الإصلاح وأعمال "الإحسان" المنظم. ينبهنا الفيلسوف الألماني إريك فروم في دراساته حول الهرب من الحرية، إلى أن الشخصية التسلطية تهاب الفراغ المؤسسي وتنجذب دوماً لإعادة إنتاج أدوات الاحتكار، لأن الحرية والعدالة تتطلبان شجاعة أخلاقية لا تتوفر لمن يقتصر رصيده النفسي على الثأر والحيازة.
حين تغيب الحصانة الفكرية وتُعطل المؤسسات الديمقراطية المستقلة لصالح التغول الفردي والجماعي، تتهاوى الدولة وتستحوذ العقلية الاستبدادية على التراكيب الاجتماعية مجدداً. لا يزول الاستبداد بذهاب رموزه، بل يستنسخ نفسه في سلوكيات خصومه الذين قبلوا ممارسة اللعبة بالمنطق ذاته. والأخطر من ذلك هو التدهور الذي يدفع الجماهير المحبطة(أمام توحش الضحية المتحولة وفسادها)إلى الوقوع مجدداً في حبال وهم "الرجل القوي" والمخلص الفردي. إن صخرة السلطة الغاشمة حين تتدحرج، لا تعبأ بأسماء من يتداولونها، بل تجرف في طريقها كل تطلع لبناء مجتمع حر، ما لم يُدرك الجميع أن الشجاعة الحقيقية تكمن في بناء العدالة والمؤسسات، لا في تدوير الأدوار داخل المسرح القديم.

كتب رياض الفرطوسي ثمة قانون خفيّ يحكم تحولات النفس البشرية حين يُسحق الإنسان تحت وطأة القهر والظلم: إن الضحية التي لا تُصقل روحُها بالحكمة والعدل ولا تتعافى أخلاقياً، لا تحلم بالتحرر الحقيقي بقدر ما تطمح لامتلاك السطوة وتبادل الأدوار مع سجانها القديم. حين تهوي الأنظمة المستبدة وتستجدّ التحولات الكبرى، نكتشف سريعاً أن الأزمة لم تكن تكمن في كاريزما الحاكم أو اسمه، بل في الثقافة البنيوية التي تُعيد إنتاجه. إن السلطة الفعلية لا تقطن في الشعارات الرنانة ولا في البيانات الحماسية، بل تتجسد في الوعي الاجتماعي العميق، وفي الكيفية التي يستجيب بها المقهور للسطوة عندما تتاح له فرصة الهيمنة.
تتضح الفاجعة السياسية عندما ينبثق البديل الجديد من الأحشاء ذاتها التي غذّت نظام الاستبداد السابق. يرى المفكر الفيلسوف الطاهر لبيب في تحليلاته لسلوكيات التغيير، أن الرفض السطحي للهيمنة كثيراً ما يخفي في جوهره تمثلاً كاملاً لقيمها؛ فالناقم على القمع لا يكره الأدوات البطشية بذاتها، بل يكره موقعه المتدني منها. ولعل هذا ما يفسر ارتداد نخب كاملة، عاشت سنوات طوالاً وهي تنادي بحقوق الإنسان وتستعرض خطاب النضال، إلى ممارسة أبشع صور التغول والاحتكار بمجرد وصولها إلى رأس الهرم. لقد كان الخطاب الأخلاقي بالنسبة لبعضهم مجرد تذكرة عبور، ولم تكن المفاهيم الإنسانية سوى مناورة حذقة لاستعارة الشرعية.
يعتمد هذا التحول السلوكي على ميكانيزم (آلية عمل نفسية أو اجتماعية) نفسي أشار إليه ابن خلدون مبكراً في ملاحظته حول شغف المغلوب بتقليد الغالب، وهو ما أطره فرانز فانون لاحقاً في تحليله لتشوه وعي الشعوب القابعة تحت السيطرة. فالإهانة المعتقة تخلق عقدة دونية دفينة، لا تنجح محاولات التعويض عنها إلا عبر التفتيش عن ضحية جديدة أكثر ضعفاً لتفريغ عقد مرارة الماضي فيها. إن الذات التي لم تتأسس على قيم المؤسسة والدولة لا تسعى لبناء سيادة القانون(لأن القانون يساويهم بالجميع)بل تبحث عن الاستعراض والتسلط لتقنع نفسها بأنها غادرت موقع الانكسار إلى موقع التغلب. ومن هنا يتغول المشهد، وتتحول الضحية إلى فاعل أشد قسوة وفساداً، لأن سلوكها موجه بدوافع الثأر وعقدة الخوف من الانكشاف.
تصل الأزمة ذروتها حين تنهار الأقنعة النضالية لتفسح المجال أمام الفخامة البدائية والتهافت على الغنائم. تراه يتهافت على النفوذ، وينغمس في مظاهر الثراء الفاحش والترتيبات الاستعراضية الصاخبة، متخذاً من البهرجة السياسية درعاً يغطّي به على الهشاشة الداخلية. إن هذه الهرولة نحو الغطرسة والسيطرة المطلقة هي عوارض صريحة لمرض الذات التي تشعر بالضآلة مهما تطرزت بألقاب الإصلاح وأعمال "الإحسان" المنظم. ينبهنا الفيلسوف الألماني إريك فروم في دراساته حول الهرب من الحرية، إلى أن الشخصية التسلطية تهاب الفراغ المؤسسي وتنجذب دوماً لإعادة إنتاج أدوات الاحتكار، لأن الحرية والعدالة تتطلبان شجاعة أخلاقية لا تتوفر لمن يقتصر رصيده النفسي على الثأر والحيازة.
حين تغيب الحصانة الفكرية وتُعطل المؤسسات الديمقراطية المستقلة لصالح التغول الفردي والجماعي، تتهاوى الدولة وتستحوذ العقلية الاستبدادية على التراكيب الاجتماعية مجدداً. لا يزول الاستبداد بذهاب رموزه، بل يستنسخ نفسه في سلوكيات خصومه الذين قبلوا ممارسة اللعبة بالمنطق ذاته. والأخطر من ذلك هو التدهور الذي يدفع الجماهير المحبطة(أمام توحش الضحية المتحولة وفسادها)إلى الوقوع مجدداً في حبال وهم "الرجل القوي" والمخلص الفردي. إن صخرة السلطة الغاشمة حين تتدحرج، لا تعبأ بأسماء من يتداولونها، بل تجرف في طريقها كل تطلع لبناء مجتمع حر، ما لم يُدرك الجميع أن الشجاعة الحقيقية تكمن في بناء العدالة والمؤسسات، لا في تدوير الأدوار داخل المسرح القديم.

أرسلت بواسطة: أدارة الموقع | التاريخ: 02-09-2026 | الوقـت: 08:51:07 صباحا |

المواضيع المرتبطة بهذا المقال

2026-09-15 - عمق الفكر والنهوض الحضاري
2026-09-15 - من الأرشيف لَلَهِ الَحٌمَدِ وِأّلَشٍګرا أّګرمَنِاّ بِعٌوِدِةّ أّلَأَّّسرى
2026-09-15 - الصلاة على النبي دستور اليمنيون الأساسي في الحياة
2026-09-15 - فاتورة بيع العافية
2026-09-15 - الله أكبر… الله أكبر… الموت لأمريكا… الموت لإسرائيل…
2026-09-15 - نصر من الله
2026-09-15 - من صنعاء، أرض الإيمان والحكمة، يُرد الصدى حاراً وثابتاً إلى بغداد الأبية، ليتجدد عهد العزة والكرامة بين الشعبين والأرضين
2026-09-15 - تدشين عدد من المبادرات الزراعية بمديرية بعدان بمحافظة إب اليمنية بأكثر من 45 مليون ريال
2026-09-14 - تعليم الطائف يؤكد للطلبة اختبار القدرات بوابتكم نحو المستقبل
2026-09-14 - بمناسبة اليوم الدولي للعمل الخيري مبادرة (تحابو) رحلة إيمانية لمكة للسيدات من المسنين والأرامل والأيتام
التصويت على المقال

المعدل: المعدل: 0عدد المصوتين:0

_EXCELLENT _VERYGOOD _GOOD _REGULAR _BAD
التعليقات
اسمك الشخصي:
أضافة تعليق:
الكود الأمني:



Share
البحث في المحتويات
التقويم

صفحة جديدة 1