بقلم : حيدر عبادي الجنيد في زمن الانكسار وتداخل الحسابات السياسية الضيقة، تبرز مواقف تعيد صياغة التاريخ بوعي عقائدي لا يقبل المساومة. إن ما تشهده المنطقة اليوم من تحولات عسكرية وسياسية، وتحديداً الصواريخ الباليستية والمجنحة التي تنطلق من اليمن لتدك عمق كيان العدو الصهيوني نصرةً لغزة، لا يمكن قراءته إلا في سياق واحد: غيرة الصواريخ اليمنية على مقدسات الأمة والدفاع المستميت عن المسجد الأقصى المبارك.إن هذه القوة الضاربة لم تولد من رفاهية، ولم تخرج من صخب الملاهي، ولا من صالات المراقص والبارات التي باتت تُفتح وتُشرعن اليوم في بلاد الحرمين على حساب هوية الأمة وقيمها، بل خرجت من رحم الوجع والمعاناة الخالصة، ومن تحت أنقاض البيوت المدمرة.ولفهم أبعاد هذه المعجزة، لا بد من العودة إلى مسار التحول الاستراتيجي للمعركة منذ عام 2015؛ حيث شُنّت على اليمن حرب كونية وحصار خانق استمر لأكثر من أحد عشر عاماً، ذاق فيه الشعب اليمني مرارة القتل والتجويع من شماله إلى جنوبه. أرادوا لليمن أن يكون مجرد تابع ذليل غارق في الوصاية، لكن الإرادة اليمنية سرعان ما حطمت هذا الوهم عبر سلسلة من العمليات العسكرية الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ.فمن ينسى الملحمة الأسطورية في كسر الزحوف بمحور نجران وصعدة، وتحديداً في "وادي آل جبارة"، التي تجسدت في أبهى صورها عبر عملية "نصر من الله" المباركة؟ ومن ينسى التطهير الكامل والبأس الشديد في جبهة "نهم" الاستراتيجية بوابات صنعاء الحصينة، التي تكللت بنصر مؤزر في عملية "البنيان المرصوص"؟ وصولاً إلى امتداد اليد اليمانية الطولى وتثبيت المعادلات الميدانية مؤخراً في الساحل الغربي ومدينة "المخا" الاستراتيجية. لقد تحول اليمن تدريجياً عبر سنوات المعركة من "الدفاع السلبي والامتصاص" إلى "الهجوم والردع وصناعة المعادلات الإقليمية". من بندقية "الصرخة" في الجبال، إلى الطائرات المسيرة العابرة للقارات، وصولاً إلى الصواريخ الفرط صوتية التي حطمت أسطورة الترسانات الغربية وعندما انتفض اليمن لكسر هذا الطوق، وتحرير أرضه بالكامل، عجزت آلتهم العسكرية عن إيقافه، فلم يجد الطرف الآخر مفراً من مواجهة هذه الإرادة الصلبة إلا باللجوء إلى التضليل وسلاح العاطفة الدينية الزائفة عبر ادعاء استهداف الكعبة المشرفة. إن الرفع المفاجئ لنغمة "استهداف الكعبة" ليس سوى استنساخ معاصر لحيلة معاوية بن أبي سفيان في معركة صفين عندما رُفعت المصاحف على أسنة الرماح. إنها ذاتها "إستراتيجية العاجز" التي تستخدم المقدس الديني لحماية العروش، وتحويل الأنظار عن المعركة الحقيقية، والهروب من استحقاقات الهزيمة الميدانية عبر دغدغة مشاعر البسطاء ويتناسى هؤلاء حقيقة وجدانية وتاريخية كبرى؛ إن الكعبة المشرفة تضم في بنائها "الركن اليماني"، ذلك الركن الذي يمثل جزءاً لا يتجزأ من الجسد اليمني والوجدان العقائدي لأهل اليمن. وكما يقول الوجدان اليمني في اقتباس بليغ: "كيف ليدٍ تمسحُ على الركن اليماني حباً وشوقاً، أن ترشق قبلتها بالحديد والنار؟" إن الكعبة هي قبلة ومحط رحال قلوب اليمانيين، والمفارقة التاريخية الكبرى تتجلى اليوم في أن الصواريخ اليمنية التي دكّت عمق الكيان الصهيوني مساندةً للأقصى، هي ذاتها اليوم التي تحمي الحرمين الشريفين من الأطماع والمخططات الصهيونية والأمريكية التي تتربص بتمزيق جغرافية الأمة وهتك أستار مقدساتها، بينما ينشغل الآخرون بالترف والمجون ولم يكن لهذه المعجزات الميدانية والتحولات الاستراتيجية الكبرى منذ 2015 وحتى اليوم أن تتحقق لولا التأييد الإلهي والارتباط العقائدي الوثيق بنبي الأمة؛ إن ما يسطره اليمنيون اليوم من إنجازات عسكرية كبرى هزت أركان قوى الاستكبار، وفي مقدمتها تساقط فخر الصناعة الأمريكية المقاتلة الحربية "F-15" وطائرات التجسس العملاقة "MQ-9" بأيادٍ يمنية وصواريخ محلية الصنع، إنما هو ببركة ونفحات ومَدد إحياء ذكرى مولد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله. لقد استمد هؤلاء الرجال بأسهم وقوتهم من صاحب الذكرى، ليثبتوا للعالم أن الأمة التي تعتز بنبيها لا يمكن أن تُهزم أو تُستباح سيادتها. إن الغيرة على المقدسات لا تُباع في أسواق التنازلات السياسية، ولا تُقاس بشعارات التضليل الإعلامي. لقد نفض اليمن الغبار عن كاهل الأمة، وأثبت بالدم والبارود من جبال نهم وأودية آل جبارة إلى سواحل المخا، أن بوصلة الأحرار تظل ثابتة لا تغيرها السنين ولا تزعزعها أعتى التحالفات.وستبقى الصواريخ اليمنية سيفاً مصلتاً على رقاب الصهاينة، ودرعاً حصيناً يحمي المسجد الأقصى والبيت الحرام، لتظل مقدسات الأمة عزيزة شامخة تحرسها عيون رجالٍ وعوا مواقفهم، وعشقوا نبيهم، وما بدلوا تبديلاً.
أرسلت بواسطة: أدارة الموقع | التاريخ: 19-09-2026 | الوقـت: 01:31:10 صباحا |
|