
المقدمة
في الثامن من شهر شوال لعام 1344هـ الموافق 21 نيسان 1925م، أقدمت السلطات آنذاك على هدم قباب ومشاهد أئمة البقيع عليهم السلام في المدينة المنورة، منهية بذلك معالم ظلت قائمة لقرون تعبّر عن تعظيم المسلمين لآل بيت نبيهم. لم يكن هذا الهدم حدثًا عابرًا، بل حلقة في صراع طويل حول إدارة المقدسات الإسلامية وحدود الاجتهاد الفقهي، وتحولت قضية البقيع منذ ذلك الحين إلى مقياس لمدى احترام التنوع الديني في العالم الإسلامي.
بين سني الهدم المتكرر وحراك إعادة الإعمار، تبرز أسئلة عميقة حول مشروعية الحفاظ على المقدسات، وحدود الاجتهاد الفقهي، وصراع الرؤى داخل منظومة الفكر الإسلامي. هذا المقال يحاول مقاربة الحدث بموضوعية، مسلطًا الضوء على الأبعاد الدينية والسياسية والتاريخية التي أحاطت بقضية البقيع، مستندًا إلى وقائع المؤتمر الثاني الذي عقدته المؤسسة العالمية لإعمار ونصرة أئمة البقيع عام 2013 في العتبة العباسية المقدسة، كمحاولة جادة لتوثيق المظلمة واستنهاض الضمير الإسلامي.
أولاً: البقيع في الذاكرة الإسلامية
يقع بقيع الغرقد إلى الجنوب الشرقي من المسجد النبوي الشريف، وكان في صدر الإسلام مقبرة لأهل المدينة. مع مرور الزمن، أصبح مرقدًا للأئمة: الحسن بن علي (ع)، وعلي بن الحسين زين العابدين (ع)، ومحمد بن علي الباقر (ع)، وجعفر بن محمد الصادق (ع). كما يضم قبور السيدة فاطمة بنت أسد (رضي الله عنها)، والصحابي الجليل عثمان بن مظعون، وإبراهيم بن رسول الله، وغيرهم.
كانت قبور الأئمة مشيدة ومزينة بقباب وزخارف تعبر عن التقديس والتبجيل عبر القرون، حتى أصدرت السلطة الحاكمة في الحجاز قرارًا بهدمها عام 1220هـ / 1806م، ثم أعيد بناؤها، ثم هُدمت مجددًا عام 1344هـ / 1925م، وبقيت حتى اليوم أطلالًا خالية من أي بناء يُذكر، ما عدا بعض العلامات البسيطة.
ثانيًا: قضية البقيع بين حقوق الإنسان وحرية الأديان
إن قضية هدم قبور أئمة البقيع لا تتعلق فقط بالشأن الديني الداخلي للمسلمين، بل تندرج ضمن المبادئ العالمية لحقوق الإنسان وحرية الأديان. فميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان يكرسان حق الأفراد والجماعات في ممارسة شعائرهم الدينية، واحترام مقدساتهم، وعدم تعريض أماكن عبادتهم للتخريب أو المنع.
لطالما طالبت منظمات حقوقية وإسلامية، ومن بينها المؤسسة العالمية لإعمار ونصرة أئمة البقيع، المجتمع الدولي بالتدخل لوقف انتهاك حرمة هذه المقدسات. وقد سبق أن توجهت وفود من الناشطين إلى البيت الأبيض وواشنطن لتقديم مطالبهم، في مشهد يعكس تحول القضية من إطارها المذهبي الضيق إلى قضية إنسانية وحقوقية عالمية.
في إحدى المراحل، شهدت واشنطن احتجاجات واسعة نددت بسياسات آل سعود تجاه حرية التعبير والدين، حيث تم إغلاق السفارة السعودية لمدة ست ساعات احتجاجًا على ما وصفته بيانات المحتجين بأنه "عدم احترام لحرية التعبير والدين الإسلامي الصحيح، وتبنٍّ لخطاب تحريفي لا يقوم على العدل والمساواة". هذه الفعاليات، رغم طابعها الاحتجاجي، كشفت عن أن قضية البقيع تجاوزت الحدود الإسلامية إلى ساحة الحقوق الدولية.
ثالثًا: من يخاف من بناء القبور؟ قراءة في الرؤية الفقهية والسياسية
يُعزى الهدم المتكرر إلى رؤية فقهية تتبناها تيارات معينة ترفض بناء القبور أو تعظيمها بدعوى "سد ذرائع الشرك". هذه الرؤية التي تنسب إلى ابن تيمية وتم تطويرها لاحقًا في المذهب الوهابي، تتعارض مع الفقه السائد في المذاهب الإسلامية الأخرى التي تجيز بناء القبور وتزيينها، بل ترى فيه تعظيمًا لشعائر الله.
غير أن النقاش حول شرعية البناء تحول إلى أداة سياسية في سياقات تاريخية متعددة، حيث وظفت القوى المحلية والخارجية هذه الفتاوى لتبرير فرض رؤية واحدة على الأمة الإسلامية. يرى باحثون أن الاستعمار البريطاني في مراحله المتأخرة سعى لدعم الحركات التي تعمل على إضعاب التعددية الإسلامية، من خلال تشجيع التيارات التي تصادر التنوع الديني تحت عنوان "التوحيد".
هنا تظهر أهمية قراءة الحدث من زاوية الصراع على إدارة المقدسات، لا من زاوية فقهية مجردة. فالإسلام بطبيعته تاريخي وثقافي، ولا يمكن اختزاله في مجموعة نصوص دون النظر إلى الممارسة المجتمعية والإرث الحضاري للأمة.
رابعًا: أصحاب الكهف.. البنيان الذي جمع المؤمنين
من الأدلة القرآنية الواضحة على مشروعية بناء أماكن للعبادة عند قبور الصالحين، قصة أصحاب الكهف. عندما اختلف أهل القرية حول أصحاب الكهف بعد وفاتهم، قال تعالى: "قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا" (الكهف: 21). لاحظ القرآن أن الفريق المؤمن هو الذي غلب على الأمر، وهو الذي بادر إلى بناء المسجد على أصحاب الكهف، بينما أراد الفريق الآخر اتخاذ مكانهم وثنية.
هذه الآية الكريمة استند إليها فقهاء الإسلام عبر القرون لإثبات مشروعية بناء المساجد والقباب على قبور الصالحين، بل واستحباب ذلك، لأنه تعظيم لشعائر الله وتذكير بمناقب أوليائه.
تفسير العلامة الطباطبائي لقصة أصحاب الكهف
يقدم العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره "الميزان" تحليلاً عميقًا لهذه القصة، مبينًا أن الاختلاف بين الفريقين لم يكن اختلافًا في الشكل فقط، بل في الرؤية الكونية والعقائدية. يقول العلامة: إن الذين غلبوا على أمرهم هم المؤمنون، وإرادتهم في بناء المسجد على أصحاب الكهف كانت منبثقة من إيمانهم بالبعث والتوحيد، بينما كان الفريق الآخر يميل إلى اتخاذهم وثنًا يعبد من دون الله.
يوضح الطباطبائي أن بناء المسجد على القبور ليس عبادة للقبور، بل هو اتخاذ مكان للعبادة الخالصة لله تعالى، مع التذكير بأولياء الله الذين يُقتدى بهم. فالمؤمنون حين بنوا المسجد كان قصدهم: "لنتخذن عليهم مسجدًا"، أي مكانًا يسجدون فيه لله وحده، لا أنهم يعبدون القبور.
هذا الفهم القرآني يؤكد أن التخوف من بناء القبور بأنه يؤدي إلى الشرك هو فهم مغلوط، لأن النية والقصد هو الذي يحدد العبادة من غيرها. فمن بنى مسجدًا بقبر نبي أو ولي ليتخذ ذريعة إلى عبادة الله، فقد عمل بمقتضى سنة المؤمنين في قصة أصحاب الكهف، ومن هدمه فقد خالف هدي القرآن صراحة.
خامسًا: زيارة القبور.. أصل في الفقه الإسلامي
إن زيارة القبور والبناء عليها ليست بدعة، بل هي من الضروريات التي أجمع عليها المسلمون عبر العصور. وقد وردت الأحاديث النبوية الشريفة في الحث على زيارة القبور، وفعلها الصحابة والتابعون. والمذاهب الفقهية الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) وإن اختلفت في بعض التفاصيل، إلا أنها لا تمنع بناء القباب على قبور العلماء والصالحين، بل ترى فيه تعظيمًا لشعائر الله.
أما ما يروج من أن بناء القبور يؤدي إلى الشرك، فهو فهم متأخر لم يكن معروفًا في القرون الإسلامية الأولى، ولم يظهر إلا في سياقات تاريخية محددة. وقد رد علماء الأمة على هذا الفهم بقولهم: إن اتخاذ المساجد عند القبور لا يعني عبادة أصحابها، وإنما هو تعظيم لشعائر الله، وقد قال تعالى: "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" (الحج: 32).
سادسًا: المؤتمر الثاني لإعمار أئمة البقيع – نموذج للدفاع المدني عن المقدسات
في 21 فبراير 2014، انعقد المؤتمر الثاني للمؤسسة العالمية لإعمار ونصرة أئمة البقيع في العتبة العباسية المقدسة، وتحديدًا في قاعة الإمام موسى بن جعفر (ع). ترأس المؤتمر الشيخ محمد الهنداوي، بعضوية السيد صدر الدين القبانجي والشيخ فاضل السهلاني (ممثل مؤسسة الإمام الخوئي في نيويورك).
محاور المؤتمر:
· البعد الشرعي والفقهي: حيث تم الاستدلال بالأدلة الأربعة (القرآن، السنة، الإجماع، العقل) على مشروعية بناء القبور وحرمة هدمها.
· البعد العقائدي والثقافي: تسليط الضوء على القيمة الروحية والتاريخية لمراقد الأئمة.
· المطالبة الدولية: دعوة منظمة التعاون الإسلامي والمجتمع الدولي إلى الضغط على الحكومة السعودية للسماح بإعمار مراقد البقيع.
· حشد الجهود الشعبية: التأكيد على أن المطالبة المستمرة تولد ضغطًا يؤدي إلى انفراج.
المشاركات البارزة:
ألقى الشيخ صباح الدوركي كلمة باللغة الإنجليزية تناول فيها مظلومية البقيع، وشارك الشاعران السيد سعيد الصافي وزيد السلامي بقصائد شعرية، واختتم المؤتمر بإصدار بيان ختامي شدد على ضرورة تحرك الأمة الإسلامية لحماية مقدساتها.
سابعًا: قراءة نقدية في خطاب التكفير وهندسة الهوية
ما يزال هدم قبور البقيع يمثل جرحًا مفتوحًا في وجدان المسلمين، ليس فقط لفقدان معالم دينية، بل لما يحمله من إقصاء للتنوع المذهبي والثقافي الذي كان سمة الأمة الإسلامية لقرون. التيارات التي ترفع شعار "محاربة الشرك" غالبًا ما تُسقط هذه التسمية على المخالفين لها في الرأي، لتبرير إلغائهم حضاريًا وسياسيًا.
في هذا السياق، يتهم منتقدو هذه التيارات –ومنهم مؤسسة إعمار أئمة البقيع– الحركة الوهابية بأنها نتاج مشروع استعماري بريطاني قديم، استهدف تفكيك وحدة المسلمين عبر خلق نزاعات مذهبية تخدم المصالح الغربية. هذا الطرح، وإن كان يحتاج إلى تمحيص تاريخي، إلا أنه يعكس حالة الاستقطاب الحاد في المنطقة.
المشكلة الأعمق هي أن الصراع انتقل من ساحة الفقه إلى ساحة السلطة، حيث أصبحت بعض الحكومات تستخدم الفتاوى كغطاء لتكريس هيمنتها السياسية، مما حوّل المقدسات إلى ساحة معركة بين مشاريع إقليمية ودولية.
ثامنًا: نحو استراتيجية إسلامية لحماية المقدسات
المطلوب اليوم تجاوز منطق الاتهامات المتبادلة إلى رؤية عملية تحمي التنوع الإسلامي. يمكن أن تشمل هذه الرؤية:
1. تفعيل آليات منظمة التعاون الإسلامي لتكون وسيطًا حقيقيًا في قضية البقيع.
2. توثيق تاريخ القبور والمراقد عبر بحوث أكاديمية محايدة.
3. فصل النقاش الفقهي عن الإرادة السياسية، بحيث لا تتحول آراء بعض الفقهاء إلى قوانين ملزمة للجميع.
4. الضغط الشعبي المنظم من خلال منظمات المجتمع المدني الإسلامية.
5. استثمار الإطار الحقوقي الدولي في منظمات الأمم المتحدة لتقديم قضية البقيع كجزء من حرية الأديان وحماية التراث الديني.
الخاتمة
قضية هدم قبور أئمة البقيع ليست مجرد قضية تراثية، بل هي مقياس لقدرة الأمة الإسلامية على احترام تنوعها الداخلي، وحماية مقدساتها من التجييش السياسي. وفي ذكرى الثامن من شوال، نتذكر أن هذه المقدسات ظلت قرونًا شامخة تعبر عن وحدة المسلمين، وأن الهدم لم يكن إلا تعبيرًا عن مشروع فكري وسياسي يسعى إلى فرض رؤية واحدة بالقوة.
المؤتمر الثاني في العتبة العباسية كان محاولة جادة لإعادة القضية إلى الواجهة، وإثبات أن المطالبة بالإعمار ليست رفاهية دينية، بل حق إسلامي أصيل، وحق إنساني كفله المواثيق الدولية. يبقى الأمل أن تعي الأمة أن وحدتها لا تتحقق بطمس معالمها، بل بالاعتراف بثرائها وتاريخها المشترك، وأن بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين هو سنة قرآنية أقرها الله في قصة أصحاب الكهف، وجرى عليها عمل المؤمنين عبر العصور.
الكاتب والباحث حيدر الشبلاوي
اكاديمية الامام الخوئي للدراسات الاستيراتيجية والإعلام الاكتروني/دراسات في التراث الإسلامي
المقدمة
في الثامن من شهر شوال لعام 1344هـ الموافق 21 نيسان 1925م، أقدمت السلطات آنذاك على هدم قباب ومشاهد أئمة البقيع عليهم السلام في المدينة المنورة، منهية بذلك معالم ظلت قائمة لقرون تعبّر عن تعظيم المسلمين لآل بيت نبيهم. لم يكن هذا الهدم حدثًا عابرًا، بل حلقة في صراع طويل حول إدارة المقدسات الإسلامية وحدود الاجتهاد الفقهي، وتحولت قضية البقيع منذ ذلك الحين إلى مقياس لمدى احترام التنوع الديني في العالم الإسلامي.
بين سني الهدم المتكرر وحراك إعادة الإعمار، تبرز أسئلة عميقة حول مشروعية الحفاظ على المقدسات، وحدود الاجتهاد الفقهي، وصراع الرؤى داخل منظومة الفكر الإسلامي. هذا المقال يحاول مقاربة الحدث بموضوعية، مسلطًا الضوء على الأبعاد الدينية والسياسية والتاريخية التي أحاطت بقضية البقيع، مستندًا إلى وقائع المؤتمر الثاني الذي عقدته المؤسسة العالمية لإعمار ونصرة أئمة البقيع عام 2013 في العتبة العباسية المقدسة، كمحاولة جادة لتوثيق المظلمة واستنهاض الضمير الإسلامي.
أولاً: البقيع في الذاكرة الإسلامية
يقع بقيع الغرقد إلى الجنوب الشرقي من المسجد النبوي الشريف، وكان في صدر الإسلام مقبرة لأهل المدينة. مع مرور الزمن، أصبح مرقدًا للأئمة: الحسن بن علي (ع)، وعلي بن الحسين زين العابدين (ع)، ومحمد بن علي الباقر (ع)، وجعفر بن محمد الصادق (ع). كما يضم قبور السيدة فاطمة بنت أسد (رضي الله عنها)، والصحابي الجليل عثمان بن مظعون، وإبراهيم بن رسول الله، وغيرهم.
كانت قبور الأئمة مشيدة ومزينة بقباب وزخارف تعبر عن التقديس والتبجيل عبر القرون، حتى أصدرت السلطة الحاكمة في الحجاز قرارًا بهدمها عام 1220هـ / 1806م، ثم أعيد بناؤها، ثم هُدمت مجددًا عام 1344هـ / 1925م، وبقيت حتى اليوم أطلالًا خالية من أي بناء يُذكر، ما عدا بعض العلامات البسيطة.
ثانيًا: قضية البقيع بين حقوق الإنسان وحرية الأديان
إن قضية هدم قبور أئمة البقيع لا تتعلق فقط بالشأن الديني الداخلي للمسلمين، بل تندرج ضمن المبادئ العالمية لحقوق الإنسان وحرية الأديان. فميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان يكرسان حق الأفراد والجماعات في ممارسة شعائرهم الدينية، واحترام مقدساتهم، وعدم تعريض أماكن عبادتهم للتخريب أو المنع.
لطالما طالبت منظمات حقوقية وإسلامية، ومن بينها المؤسسة العالمية لإعمار ونصرة أئمة البقيع، المجتمع الدولي بالتدخل لوقف انتهاك حرمة هذه المقدسات. وقد سبق أن توجهت وفود من الناشطين إلى البيت الأبيض وواشنطن لتقديم مطالبهم، في مشهد يعكس تحول القضية من إطارها المذهبي الضيق إلى قضية إنسانية وحقوقية عالمية.
في إحدى المراحل، شهدت واشنطن احتجاجات واسعة نددت بسياسات آل سعود تجاه حرية التعبير والدين، حيث تم إغلاق السفارة السعودية لمدة ست ساعات احتجاجًا على ما وصفته بيانات المحتجين بأنه "عدم احترام لحرية التعبير والدين الإسلامي الصحيح، وتبنٍّ لخطاب تحريفي لا يقوم على العدل والمساواة". هذه الفعاليات، رغم طابعها الاحتجاجي، كشفت عن أن قضية البقيع تجاوزت الحدود الإسلامية إلى ساحة الحقوق الدولية.
ثالثًا: من يخاف من بناء القبور؟ قراءة في الرؤية الفقهية والسياسية
يُعزى الهدم المتكرر إلى رؤية فقهية تتبناها تيارات معينة ترفض بناء القبور أو تعظيمها بدعوى "سد ذرائع الشرك". هذه الرؤية التي تنسب إلى ابن تيمية وتم تطويرها لاحقًا في المذهب الوهابي، تتعارض مع الفقه السائد في المذاهب الإسلامية الأخرى التي تجيز بناء القبور وتزيينها، بل ترى فيه تعظيمًا لشعائر الله.
غير أن النقاش حول شرعية البناء تحول إلى أداة سياسية في سياقات تاريخية متعددة، حيث وظفت القوى المحلية والخارجية هذه الفتاوى لتبرير فرض رؤية واحدة على الأمة الإسلامية. يرى باحثون أن الاستعمار البريطاني في مراحله المتأخرة سعى لدعم الحركات التي تعمل على إضعاب التعددية الإسلامية، من خلال تشجيع التيارات التي تصادر التنوع الديني تحت عنوان "التوحيد".
هنا تظهر أهمية قراءة الحدث من زاوية الصراع على إدارة المقدسات، لا من زاوية فقهية مجردة. فالإسلام بطبيعته تاريخي وثقافي، ولا يمكن اختزاله في مجموعة نصوص دون النظر إلى الممارسة المجتمعية والإرث الحضاري للأمة.
رابعًا: أصحاب الكهف.. البنيان الذي جمع المؤمنين
من الأدلة القرآنية الواضحة على مشروعية بناء أماكن للعبادة عند قبور الصالحين، قصة أصحاب الكهف. عندما اختلف أهل القرية حول أصحاب الكهف بعد وفاتهم، قال تعالى: "قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا" (الكهف: 21). لاحظ القرآن أن الفريق المؤمن هو الذي غلب على الأمر، وهو الذي بادر إلى بناء المسجد على أصحاب الكهف، بينما أراد الفريق الآخر اتخاذ مكانهم وثنية.
هذه الآية الكريمة استند إليها فقهاء الإسلام عبر القرون لإثبات مشروعية بناء المساجد والقباب على قبور الصالحين، بل واستحباب ذلك، لأنه تعظيم لشعائر الله وتذكير بمناقب أوليائه.
تفسير العلامة الطباطبائي لقصة أصحاب الكهف
يقدم العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره "الميزان" تحليلاً عميقًا لهذه القصة، مبينًا أن الاختلاف بين الفريقين لم يكن اختلافًا في الشكل فقط، بل في الرؤية الكونية والعقائدية. يقول العلامة: إن الذين غلبوا على أمرهم هم المؤمنون، وإرادتهم في بناء المسجد على أصحاب الكهف كانت منبثقة من إيمانهم بالبعث والتوحيد، بينما كان الفريق الآخر يميل إلى اتخاذهم وثنًا يعبد من دون الله.
يوضح الطباطبائي أن بناء المسجد على القبور ليس عبادة للقبور، بل هو اتخاذ مكان للعبادة الخالصة لله تعالى، مع التذكير بأولياء الله الذين يُقتدى بهم. فالمؤمنون حين بنوا المسجد كان قصدهم: "لنتخذن عليهم مسجدًا"، أي مكانًا يسجدون فيه لله وحده، لا أنهم يعبدون القبور.
هذا الفهم القرآني يؤكد أن التخوف من بناء القبور بأنه يؤدي إلى الشرك هو فهم مغلوط، لأن النية والقصد هو الذي يحدد العبادة من غيرها. فمن بنى مسجدًا بقبر نبي أو ولي ليتخذ ذريعة إلى عبادة الله، فقد عمل بمقتضى سنة المؤمنين في قصة أصحاب الكهف، ومن هدمه فقد خالف هدي القرآن صراحة.
خامسًا: زيارة القبور.. أصل في الفقه الإسلامي
إن زيارة القبور والبناء عليها ليست بدعة، بل هي من الضروريات التي أجمع عليها المسلمون عبر العصور. وقد وردت الأحاديث النبوية الشريفة في الحث على زيارة القبور، وفعلها الصحابة والتابعون. والمذاهب الفقهية الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) وإن اختلفت في بعض التفاصيل، إلا أنها لا تمنع بناء القباب على قبور العلماء والصالحين، بل ترى فيه تعظيمًا لشعائر الله.
أما ما يروج من أن بناء القبور يؤدي إلى الشرك، فهو فهم متأخر لم يكن معروفًا في القرون الإسلامية الأولى، ولم يظهر إلا في سياقات تاريخية محددة. وقد رد علماء الأمة على هذا الفهم بقولهم: إن اتخاذ المساجد عند القبور لا يعني عبادة أصحابها، وإنما هو تعظيم لشعائر الله، وقد قال تعالى: "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" (الحج: 32).
سادسًا: المؤتمر الثاني لإعمار أئمة البقيع – نموذج للدفاع المدني عن المقدسات
في 21 فبراير 2014، انعقد المؤتمر الثاني للمؤسسة العالمية لإعمار ونصرة أئمة البقيع في العتبة العباسية المقدسة، وتحديدًا في قاعة الإمام موسى بن جعفر (ع). ترأس المؤتمر الشيخ محمد الهنداوي، بعضوية السيد صدر الدين القبانجي والشيخ فاضل السهلاني (ممثل مؤسسة الإمام الخوئي في نيويورك).
محاور المؤتمر:
· البعد الشرعي والفقهي: حيث تم الاستدلال بالأدلة الأربعة (القرآن، السنة، الإجماع، العقل) على مشروعية بناء القبور وحرمة هدمها.· البعد العقائدي والثقافي: تسليط الضوء على القيمة الروحية والتاريخية لمراقد الأئمة.· المطالبة الدولية: دعوة منظمة التعاون الإسلامي والمجتمع الدولي إلى الضغط على الحكومة السعودية للسماح بإعمار مراقد البقيع.· حشد الجهود الشعبية: التأكيد على أن المطالبة المستمرة تولد ضغطًا يؤدي إلى انفراج.
المشاركات البارزة:
ألقى الشيخ صباح الدوركي كلمة باللغة الإنجليزية تناول فيها مظلومية البقيع، وشارك الشاعران السيد سعيد الصافي وزيد السلامي بقصائد شعرية، واختتم المؤتمر بإصدار بيان ختامي شدد على ضرورة تحرك الأمة الإسلامية لحماية مقدساتها.
سابعًا: قراءة نقدية في خطاب التكفير وهندسة الهوية
ما يزال هدم قبور البقيع يمثل جرحًا مفتوحًا في وجدان المسلمين، ليس فقط لفقدان معالم دينية، بل لما يحمله من إقصاء للتنوع المذهبي والثقافي الذي كان سمة الأمة الإسلامية لقرون. التيارات التي ترفع شعار "محاربة الشرك" غالبًا ما تُسقط هذه التسمية على المخالفين لها في الرأي، لتبرير إلغائهم حضاريًا وسياسيًا.
في هذا السياق، يتهم منتقدو هذه التيارات –ومنهم مؤسسة إعمار أئمة البقيع– الحركة الوهابية بأنها نتاج مشروع استعماري بريطاني قديم، استهدف تفكيك وحدة المسلمين عبر خلق نزاعات مذهبية تخدم المصالح الغربية. هذا الطرح، وإن كان يحتاج إلى تمحيص تاريخي، إلا أنه يعكس حالة الاستقطاب الحاد في المنطقة.
المشكلة الأعمق هي أن الصراع انتقل من ساحة الفقه إلى ساحة السلطة، حيث أصبحت بعض الحكومات تستخدم الفتاوى كغطاء لتكريس هيمنتها السياسية، مما حوّل المقدسات إلى ساحة معركة بين مشاريع إقليمية ودولية.
ثامنًا: نحو استراتيجية إسلامية لحماية المقدسات
المطلوب اليوم تجاوز منطق الاتهامات المتبادلة إلى رؤية عملية تحمي التنوع الإسلامي. يمكن أن تشمل هذه الرؤية:
1. تفعيل آليات منظمة التعاون الإسلامي لتكون وسيطًا حقيقيًا في قضية البقيع.2. توثيق تاريخ القبور والمراقد عبر بحوث أكاديمية محايدة.3. فصل النقاش الفقهي عن الإرادة السياسية، بحيث لا تتحول آراء بعض الفقهاء إلى قوانين ملزمة للجميع.4. الضغط الشعبي المنظم من خلال منظمات المجتمع المدني الإسلامية.5. استثمار الإطار الحقوقي الدولي في منظمات الأمم المتحدة لتقديم قضية البقيع كجزء من حرية الأديان وحماية التراث الديني.
الخاتمة
قضية هدم قبور أئمة البقيع ليست مجرد قضية تراثية، بل هي مقياس لقدرة الأمة الإسلامية على احترام تنوعها الداخلي، وحماية مقدساتها من التجييش السياسي. وفي ذكرى الثامن من شوال، نتذكر أن هذه المقدسات ظلت قرونًا شامخة تعبر عن وحدة المسلمين، وأن الهدم لم يكن إلا تعبيرًا عن مشروع فكري وسياسي يسعى إلى فرض رؤية واحدة بالقوة.
المؤتمر الثاني في العتبة العباسية كان محاولة جادة لإعادة القضية إلى الواجهة، وإثبات أن المطالبة بالإعمار ليست رفاهية دينية، بل حق إسلامي أصيل، وحق إنساني كفله المواثيق الدولية. يبقى الأمل أن تعي الأمة أن وحدتها لا تتحقق بطمس معالمها، بل بالاعتراف بثرائها وتاريخها المشترك، وأن بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين هو سنة قرآنية أقرها الله في قصة أصحاب الكهف، وجرى عليها عمل المؤمنين عبر العصور.
الكاتب والباحث حيدر الشبلاوي اكاديمية الامام الخوئي للدراسات الاستيراتيجية والإعلام الاكتروني/دراسات في التراث الإسلامي