
تداعيات قانونية وسياسية
إعداد الباحث الأكاديمي: حيدر الشبلاوي
٢٢/ ٦/ ٠٢٦
المستخلص
يتناول هذا التحليل الأزمة السياسية العميقة في العراق، والمتمثلة في انقسام ما يعرف بـ"الإطار التنسيقي"، وتحالف بعض أطرافه مع محمد الحلبوسي رئيس حزب "تقدم". تهدف الدراسة إلى تشخيص جذور الاختلافات داخل هذا الإطار، وكشف دوافع التحالفات الجديدة، وتقييم دور القضاء العراقي، وبخاصة محكمة التمييز الاتحادية، في إمكانية إنهاء نظام المحاصصة. كما تسعى الدراسة إلى استشراف ملامح الحكومة المقبلة وقدرتها على تجاوز الإملاءات الخارجية وإدارة سياسات الدولة بمستوى مقبول من الكفاءة.
أولاً: الإطار التنسيقي بين وحدة الصورة وتعدد المصالح
نشأة الإطار وطبيعة تركيبه
يمثل الإطار التنسيقي أكبر تحالف سياسي شيعي في العراق، حيث يضم أطيافاً متنوعة تمتد من تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم وائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي، مروراً بائتلاف دولة القانون لنوري المالكي، وصولاً إلى فصائل المقاومة المسلحة كعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله. هذا التنوع في المرجعيات العقائدية والسياسية جعل من الإطار كياناً هشاً بطبيعته، إذ يجمع بين قوى ذات توجهات متباينة: بعضها قومي عراقي، وآخر إيراني النفوذ، وثالث عابر للطوائف.
جذور الاختلافات الحالية
تعود الأزمة الحالية إلى ما بعد انتخابات نوفمبر من عام ألفين وستة وعشرين، حين برزت أسماء مرشحة لرئاسة الحكومة المقبلة. ووفق تقارير إعلامية موثقة، فإن الاختلافات تركزت على محورين رئيسيين.
الخلاف على الشخصية المرشحة: انقسم الإطار إلى تكتلين رئيسيين. يتمثل التكتل الأول في "أغلبية المالكي" ويضم ائتلاف دولة القانون ومعظم فصائل المقاومة، ويرى هذا التكتل أن نوري المالكي هو الأحق بالمنصب باعتباره رمزاً للسيادة الوطنية القادر على مواجهة الضغوط الأمريكية والإقليمية. أما التكتل الثاني فيضم المعارضين للمالكي، ويتكون من تيار الحكمة وائتلاف النصر وحركة عطاء، ويرى أعضاؤه أن المالكي شخصية جدلية من شأنها أن تؤدي إلى عزل العراق دولياً وتعريضه لعقوبات اقتصادية قاسية، وقد وصل الرفض إلى حد مقاطعة عمار الحكيم لاجتماعات الإطار بشكل علني.
الخلاف على آلية الاختيار: حاول البعض تمرير مرشح توافقي بديل عن المالكي، وأبرزهم محمد شياع السوداني رئيس الوزراء المنتهية ولايته. لكن المؤتمر الدستوري ينص بوضوح على أن رئيس الجمهورية يُكلف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، وهنا تكمن المعضلة؛ فالكتلة الأكثر عدداً لم تتوحد بعد على مرشح واحد، مما أوقع البلاد في فراغ سياسي تجاوز المهلة الدستورية المحددة بخمسة عشر يوماً.
تحليل التداعيات: من خلاف إلى انشقاق
انتهى الخلاف الداخلي إلى انشقاق فعلي، حين أقدمت بعض مكونات الإطار، على رأسها تيار الحكمة وائتلاف النصر، على التحالف مع محمد الحلبوسي رئيس حزب "تقدم" السني، في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في التحالفات السياسية العراقية. يهدف هذا التحالف الجديد إلى كسر احتكار المالكي للسلطة عبر تقديم بديل سياسي يضمن تمثيلاً أوسع للمكونات الأخرى، كما يهدف إلى تشكيل ضغط أمريكي خليجي، إذ أرسلت الولايات المتحدة والغرب رسائل حازمة للقوى السياسية العراقية محذرة من عقوبات اقتصادية قاسية في حال تكليف المالكي. بالإضافة إلى ذلك، يسعى هذا التحالف إلى حماية المصالح الاقتصادية، حيث توجد صفقات ومقاولات كبرى مرتبطة ببقاء السوداني في الحكم، مما يفسر تمسك بعض الأطراف به.
ثانياً: الحلبوسي والمآرب – قراءة في لعبة التحالفات
موقف الحلبوسي الاستراتيجي
محمد الحلبوسي ليس مجرد شريك عابر في هذه اللعبة السياسية، بل هو لاعب رئيسي يسعى إلى تعزيز موقعه كزعيم سني وحيد عبر تهميش خصومه التقليديين من المجلس الأعلى ومكونات سنية أخرى. كما يهدف إلى ضمان عدم عودة المالكي، وهو ما عبر عنه بوضوح حين قال إن الشيعة خيرهم كثير وعندهم من الرجال الكثير، وعليهم اختيار من يمثلهم وينجح بالمهام، لا شخصية تشكل نقطة خلاف وانقسام. كذلك يحاول الحلبوسي الضغط على الإطار عبر الورقة الاقتصادية، حيث ربط بين رئاسة الحكومة وقوة الدينار العراقي محذراً من أن أي حكومة تعتبرها واشنطن معادية سوف تتعرض لمزيد من القيود على الدولار، ولن تتمكن الدولة من صرف الرواتب أو إدارة الاقتصاد.
النهايات المحتومة: دروس من كتلة الأعمار والتنمية
تشير التجارب السابقة إلى أن هذه التحالفات الانتهازية قصيرة الأجل تنتهي بالفشل. وخير مثال على ذلك هو كتلة الأعمار والتنمية التي تشكلت على عجل لتشكيل حكومة السوداني، ثم تلاشت وأفلست بعد تحقيق أغراضها الانتخابية والمالية. وتتكرر هذه الظاهرة لأن هذه الكتل لا تُبنى على أسس عقائدية أو برامج وطنية واضحة، بل على المآرب الشخصية والحزبية الضيقة، وهي سرعان ما تتصدع عند أول اختبار جدي، تاركة وراءها فراغاً سياسياً يدفع ثمنه الشعب العراقي.
من كسر من هو أكبر منهم؟
الحلبوسي وحلفاؤه الجدد يتناسون حقيقة أساسية، وهي أن الذي كسر من هو أكبر منهم لا يزال موجوداً وقادراً على إنهاء أحلامهم الوهمية. وقد أثبتت المقاومة العراقية في الميدان أنها أكثر تنظيماً وأشد بأساً من أي تحالف مؤقت، وأي محاولة لاستفزازها أو تجاوزها ستكون بمثابة توقيع عقوبة الإعدام على تلك التحالفات الهشة
ثالثاً: القضاء العراقي بين الصلاحيات الدستورية والموقف الراهن
ماذا يقرر القضاء؟
تكمن المفارقة في أن المحكمة الاتحادية العليا، وهي أعلى سلطة قضائية في العراق، قد أقرت في حكمها الصادر بتاريخ السادس والعشرين من يناير عام ألفين وستة وعشرين أن اختصاصها يقتصر على الرقابة على الأعمال الاتحادية التنظيمية ذات الطبيعة العامة، ولا يمتد إلى القرارات الإدارية الفردية أو المنازعات المحلية. ويعني هذا من الناحية العملية أن المحكمة لا تستطيع إجبار الكتل السياسية على تقديم مرشحها خلال المهلة الدستورية، إذ لا توجد عقوبة قانونية في الدستور على تخلف الكتل عن ذلك، كما لا يمكنها حل المحاصصة السياسية لأنها أصبحت عرفاً سياسياً متجذراً وليست مسألة قانونية قابلة للبت فيها قضائياً.
هل القضاء قادر على إنهاء المحاصصة؟
الإجابة المباشرة هي لا، وذلك لعدة أسباب. أولها أن المحاصصة ليست مخالفة قانونية، فالدستور العراقي لا يحظر توزيع المناصب على أساس طائفي أو حزبي، بل إن المادة التاسعة والثلاثين منه التي ألغي العمل بها بموجب قرار من المحكمة الاتحادية عام ألفين واثني عشر كانت ستحظر الأحزاب الدينية والعنصرية، واليوم لا يوجد نص واضح يجرم المحاصصة. وثانيها التدخلات الخارجية وبخاصة الأمريكية، حيث تتدخل واشنطن علناً في الشأن العراقي، وقد قال الرئيس ترامب إن عودة المالكي ستعيد العراق إلى الفقر والفوضى الشاملة، وهذا التدخل يشل أي قرار قضائي مستقل قد يتخذ ضد الإرادة الأمريكية. وثالثها غياب القضاء الإداري المستقل، إذ أكدت المحكمة الاتحادية نفسها على ضرورة وجود القضاء الإداري واستقلاله للبت في المنازعات الإدارية، لكن هذا القضاء لا يزال ضعيفاً وخاضعاً للنفوذ السياسي.
هل الحكومة الحالية غير شرعية؟
من منظور دستوري صرف، لا يمكن وصف أي حكومة بأنها غير شرعية طالما حصلت على ثقة البرلمان وفق الأصول. لكن من منظور سياسي وأخلاقي، فإن الحكومة التي تشكلت بفعل المحاصصة والتدخلات الأمريكية تفتقر إلى الشرعية الشعبية، لأنها لا تعبر عن إرادة المواطن بقدر ما تعبر عن توازنات القوى الفاسدة. وأي حكومة توافق على تفكيك المقاومة أو تضعف سيادة العراق لصالح واشنطن فهي غير شرعية بكل المقاييس.
---
رابعاً: هل من حكومة قادرة على تجاوز مستوى معقول من الأداء؟
رئيس وزراء يفقه التجارة أم يفقه السياسة؟
السؤال الذي يطرح نفسه: هل العراق يحتاج إلى رئيس وزراء يفقه التجارة بمعنى يدير الاقتصاد كشركة خاصة، أم إلى قائد سياسي قادر على موازنة المصالح المتضاربة؟ لقد أظهرت التجربة أن رئيس الوزراء التاجر مثل حيدر العبادي أو مصطفى الكاظمي فشل في تحقيق الاستقرار، لأن السياسة العراقية ليست مجرد أرقام وإحصاءات، بل هي صراع نفوذ وولاءات وجهات نظر لا يمكن تلخيصها في ميزان تجاري. لذلك، فإن أي رئيس حكومة مقبل يجب أن يتمتع بقدرة على كسر الإرادة الأمريكية أو على الأقل المناورة بين القوى الدولية، وعلاقة متوازنة مع إيران ليست خاضعة ولا عدائية، فضلاً عن مشروع وطني واضح لإعادة الإعمار ومحاربة الفساد.
هل نسبة إنجاز معينة قابلة للتحقيق؟
إذا أردنا تقييم أداء الحكومات السابقة، نجد أن أكثرها نجاحاً كحكومة العبادي الأولى في الفترة من ألفين وأربعة عشر إلى ألفين وثمانية عشر لم تتجاوز نسبة الإنجاز فيها النصف، بينما تدنت النسبة إلى أقل من الثلث في حكومات الكاظمي والسوداني. والسبيل الوحيد لتحسين الأداء هو إنهاء المحاصصة بشكل نهائي، وهو أمر صعب جداً في ظل النظام السياسي الحالي، بالإضافة إلى إصدار قرار من محكمة التمييز الاتحادية يلزم الكتل بتقديم مرشح واحد خلال مهلة زمنية محددة وإلا حلت الحكومة وأجريت انتخابات مبكرة، وهذا الحل يحتاج إلى تعديل دستوري. كما أن تشخيص الحالة بدقة يتطلب الاعتراف بأن الأزمة ليست قانونية بل سياسية وأخلاقية وعقائدية، وبالتالي لا يمكن حلها إلا بوسائل سياسية لا قضائية
ألتوصيات
الخلاصات الرئيسية
لم يكن انشقاق الإطار التنسيقي مفاجئاً، بل كان نتيجة طبيعية للتناقضات الداخلية والضغوط الخارجية. والتحالف مع الحلبوسي هو تحالف مآرب مؤقت مصيره الفشل كما فشلت كتلة الأعمار والتنمية من قبله. كما أن القضاء العراقي غير قادر دستورياً على إنهاء المحاصصة أو إجبار الكتل على التوافق، ما لم يُعدل الدستور بشكل جذري. والحكومة القادمة لن تحقق مستوى أداء مرضياً إلا إذا توفر فيها قائد استثنائي يضع المصالح الوطنية فوق كل اعتبار.
التوصيات
أوصى الباحث بتعديل الدستور لمعاقبة الكتل التي تتسبب بتعطيل تشكيل الحكومة، ويكون ذلك من مسؤولية البرلمان العراقي. كما أوصى بإصدار قانون يجرم المحاصصة السياسية ويحظر تشكيل الحكومات على أساس طائفي، وتقع هذه المسؤولية على عاتق البرلمان والمحكمة الاتحادية معاً. كذلك دعا إلى تعزيز القضاء الإداري المستقل للبت في المنازعات التنفيذية بعيداً عن التدخلات السياسية، وذلك بالتعاون مع مجلس القضاء الأعلى. كما شدد على ضرورة توحيد الخطاب السياسي لمواجهة التدخلات الأمريكية والإقليمية من قبل جميع القوى الوطنية. وأخيراً، دعا إلى تنظيم انتخابات مبكرة في حال استمرار الفراغ، على أساس قانون انتخابي جديد يمنع تشتت الأصوات، وتكون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات هي الجهة المعنية بذلك
المراجع
الجزيرة نت، عام ألفين وستة وعشرين، مقال بعنوان "الحلبوسي يحذر من أزمات سياسية واقتصادية في حال ترشيح المالكي".
وكالة الأناضول، عام ألفين وستة وعشرين، تقرير بعنوان "تفاعلات الرفض الأمريكي.. عوائق جديدة أمام عودة المالكي لرئاسة حكومة العراق".
الجزيرة نت، عام ألفين وستة وعشرين، تقرير بعنوان "فراغ سياسي في العراق ينذر بانقسام الإطار التنسيقي".
العنزي، سعد غازي، عام ألفين وستة وعشرين، منشور على فيسبوك يتضمن حكماً صادراً عن المحكمة الاتحادية العليا بتاريخ السادس والعشرين من يناير عام ألفين وستة وعشرين.
الشبلاوي، حيدر، عام ألفين وستة وعشرين، دراسة بعنوان "الصراع على رئاسة الحكومة العراقية: بين الإرادة الوطنية والمشروع الخارجي"، صادرة عن أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية.
إعداد الباحث الأكاديمي
حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني
قسم دراسات في السياسة
تداعيات قانونية وسياسية
إعداد الباحث الأكاديمي: حيدر الشبلاوي٢٢/ ٦/ ٠٢٦
المستخلص
يتناول هذا التحليل الأزمة السياسية العميقة في العراق، والمتمثلة في انقسام ما يعرف بـ"الإطار التنسيقي"، وتحالف بعض أطرافه مع محمد الحلبوسي رئيس حزب "تقدم". تهدف الدراسة إلى تشخيص جذور الاختلافات داخل هذا الإطار، وكشف دوافع التحالفات الجديدة، وتقييم دور القضاء العراقي، وبخاصة محكمة التمييز الاتحادية، في إمكانية إنهاء نظام المحاصصة. كما تسعى الدراسة إلى استشراف ملامح الحكومة المقبلة وقدرتها على تجاوز الإملاءات الخارجية وإدارة سياسات الدولة بمستوى مقبول من الكفاءة.