
دراسة في تأهيل قاضي الأحوال الشخصية وفق المذهب.. الجعفري
بقلم: حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام الالكتروني - كربلاء
تمهيد
يشهد قانون الأحوال الشخصية في العراق إشكالاً بنيوياً يتمثل في الخلل الواقع في آلية تأهيل القضاة العاملين في هذا المضمار. ورغم وجود محكمة التمييز الاتحادية التي تضم خبراء في القانون، إلا أن المشكلة ما زالت تتفاقم في المجتمع العراقي، وتتزايد المعاناة يوماً بعد يوم. يعود السبب الجوهري في ذلك إلى أن التشريع في قانون الأحوال الشخصية يحتاج إلى قضاء مستقل، وإلى قاضٍ يحمل شهادة تعمق في قانون الأحوال الشخصية والفقه الإسلامي، لأن أربع سنوات دراسة في كليات القانون غير كافية لأن يتخرج القاضي مجتهداً، ولا يكفي أن يكون قد مارس المحاماة ثم دخل معهد القضاء ليكون أهلاً لهذا المنصب الخطير.
لذا، فإن الأمر يستدعي إعادة نظر جذرية في تأهيل قضاة الأحوال الشخصية، خصوصاً لفهم الشريعة الإسلامية وفق المذهب الجعفري، وأن لا تقل مدة دراسته عن ثماني سنوات في أحكام الشريعة الإسلامية على أيدي أساتذة وفقهاء في النجف الأشرف. فهناك أحكام كثيرة معطلة يمكن أن تحل كثيراً من قضايا المجتمع، أو تؤدي إلى الإصلاح المنشود. إن الاعتماد على فهم معين لأحكام العقود والطلاق والنفقة وما شابه ذلك لا يكفي، خصوصاً أن الأحوال الشخصية تحتاج إلى تخصص دقيق، وإلا فإن الأمر سيبقى معيقاً لعمل التشريع لأحكام المذهب الجعفري.
المبحث الأول
الإطار الفقهي للقضاء في المذهب الجعفري
أولاً: القضاء ولاية شرعية لا وظيفة إدارية
في المذهب الجعفري، القضاء منصب خطير، وهو ولاية شرعية نيابة عن الإمام المعصوم عليه السلام. لذلك وضع الفقهاء شروطاً دقيقة لمن يتقلد هذا المنصب، وجعلوه من أعظم الولايات وأخطرها، لأنه يتعلق بفصل الخصومة والحكم في الأعراض والأموال والدماء.
ثانياً: تعريف القضاء وطبيعته
عرّف السيد الخوئي قدس سره القضاء بأنه: "فصل الخصومة بين المتخاصمين، والحكم بثبوت دعوى المدعي أو بعدم حق له على المدعى عليه". وفرق بينه وبين الفتوى بأن الفتوى بيان للأحكام الكلية، بينما القضاء تطبيق لهذه الأحكام على القضايا الشخصية. وهذا الفرق دقيق وجوهري، فالمفتي يخبر عن الحكم الشرعي الكلي، أما القاضي فينشئ حكماً جزئياً ملزماً للأطراف.
ثالثاً: شرط الاجتهاد في القاضي
نص السيد الخوئي قدس سره في كتابه القيم "منهاج الصالحين" على الشروط المعتبرة في القاضي، ومنها البلوغ، العقل، الذكورة، الإيمان، العدالة، الرشد، والاجتهاد بل الضبط على وجه. هذا النص الصريح يعني أن القاضي يجب أن يكون مجتهداً قادراً على استنباط الحكم من أدلته التفصيلية في الكتاب والسنة، وليس مجرد حافظ للنصوص القانونية أو ناقل للفتاوى.
رابعاً: فتوى صريحة في شرط الاجتهاد
ورد في الموقع الرسمي للسيد السيستاني دام ظله سؤال: هل يجوز لغير المجتهد أن يتصدى للقضاء؟ فكان الجواب: كلا، فهو منصب للحاكم الشرعي المجتهد فقط. هذا تأكيد واضح على أن القضاء ليس وظيفة إدارية يمكن لأي خريج قانون مزاولتها، بل هو منصب شرعي يحتاج إلى اجتهاد حقيقي وأهلية فقهية راسخة.
خامساً: الفرق بين القاضي والمفتي
أوضح السيد السيستاني أن القضاء يختلف عن الإفتاء في كونه "إنشاء الحكم في مورد التنازع"، بينما الإفتاء "إخبار عن الحكم في المسألة الشرعية". لذا، القاضي لا يخبر بالحكم فحسب، بل يُنشئ التزاماً قضائياً نافذاً، وهذا يتطلب قدرة على تمييز الموضوع وتطبيق الحكم الكلي عليه بدقة متناهية، لأن الخطأ في التطبيق قد يهدر حقاً أو يضيع عدال
المبحث الثاني
آراء الفقهاء في المسائل الجوهرية
الفقيه الجامع للشرائط هو من يملك أدوات التعامل مع الوقائع المستجدة والقضايا المستحدثة. وإليك بعض الأمثلة التي تظهر عمق الفقه الجعفري وحاجته إلى تخصص دقيق:
أولاً: النسب وإثباته
النسب لا يثبت بالشك، وحديث "الولد للفراش" هو الأساس في إثبات النسب الشرعي. تطبيق هذه القاعدة في قضايا مستجدة كأطفال الأنابيب أو التلقيح الصناعي أو تأجير الأرحام يحتاج إلى فقيه يميز بين الصور المختلفة ويطبق القواعد الفقهية بدقة، وإلا وقع في المحذور الشرعي من إثبات نسب غير صحيح أو نفي نسب صحيح.
ثانياً: النفقة
النفقة ليست مبلغاً ثابتاً جامداً، بل هي تقدير بحسب حال الزوجة والزمن والعرف، وفق ضوابط شرعية دقيقة. الفهم القاصر للنشوز قد يحرم الزوجة ظلماً من حقها، كما أن التوسع في تقدير النفقة بغير ضابط قد يوقع الزوج في الحرج.
ثالثاً: الدية وأحكامها
في الدية فروق دقيقة بين الرجل والمرأة في بعض الموارد، وبين المسلم وغير المسلم، وبين القتل العمد والخطأ وشبه العمد. تطبيق هذه الأحكام يحتاج إلى معرفة دقيقة بالنص والاستثناءات، وإلى قدرة على تمييز الموضوع وتطبيق الحكم الشرعي المناسب.
رابعاً: الطلاق
الطلاق بيد الزوج، لكن قد تثبت للزوجة ولاية الطلاق بالوكالة أو بشرط ضمن العقد، أو بالتفريق لحالات كالغيبة الطويلة أو الضرر أو عدم الإنفاق. هذا كله يحتاج إلى تقدير فقهي دقيق، وإلى موازنة بين المصالح والمفاسد، وإلى فهم عميق للنصوص الشرعية ومقاصدها.
خامساً: الإيلاء والغيبة والنشوز
في مسألة غيبة الزوج، هناك تفصيل دقيق عند الفقهاء. السيد الخوئي قدس سره يرى أن زوجة الغائب المعلوم حياته عليها الصبر والانتظار. السيد السيستاني دام ظله أيضاً يرى أنه ليس للزوجة طلب التفريق وإن طالت المدة وانعدم الإنفاق. لكن الشيخ الفياض يفرق بين توفر الإنفاق من عدمه، فقد يطلق الحاكم إذا لم يتوفر الإنفاق. هذه التفاصيل الدقيقة لا يلم بها إلا الفقيه المتعمق في أبواب الفقه المختلفة.
سادساً: الحضانة
السيد السيستاني دام ظله يؤكد أن الحضانة حق للطفل قبل أن تكون حقاً للوالدين. ولو ثبت كون الأب أو الأم غير صالحين للحضانة للحوق الأذى بالطفل، تُنزع منه الحضانة. هذه المرونة الفقهية المبنية على قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" لا يدركها القاضي العادي غير المتعمق في الفقه، لأنه قد يكتفي بتطبيق النص القانوني الجامد دون النظر إلى المصلحة المتحققة للطفل.
المبحث الثالث
الإشكالية الجوهرية: الاجتهاد القضائي غير المؤصل
الاجتهاد المذموم هنا هو أن يحكم القاضي بناءً على فهمه الشخصي القاصر، من دون استناد إلى الفقه الاستدلالي وأصول الاستنباط. عندما لا يكون القاضي مجتهداً أو متمرساً في الفقه، فإنه يقع في أحد أمرين:
الأول: التقليد الأعمى، فيطبق نصوصاً قانونية دون فهم روحها الشرعي، ودون النظر إلى خصوصيات الموضوع وملابساته.
الثاني: الاجتهاد الخاطئ، فيفسر النص بما لا يتفق مع المذهب، ويحكم بما لا يتوافق مع صريح الكتاب والسنة.
كثير من القضايا المعطلة في المحاكم، كإثبات النسب في أطفال الأنابيب، أو التفريق للضرر، أو تصرفات المريض في الميراث، أو الوصية الواجبة، لا تحل إلا بقاضٍ يرى البعد الفقهي للمشكلة، ويمتلك أدوات الاجتهاد لفهم النص وتطبيقه.
المبحث الرابع
دور الحوزة العلمية ومؤسسات النجف الأشرف
النجف الأشرف تمتلك تراثاً فقهياً يمتد لألف عام، وفيه تخرج كبار الفقهاء والمراجع عبر التاريخ. اقتراحنا بالاعتماد على أساتذة وفقهاء النجف هو الحل الأمثل للتأهيل الحقيقي لقضاة الأحوال الشخصية، وذلك للأسباب التالية:
المرجعية الدينية ممثلة بالسيد السيستاني دام ظله، أبوابها مغلقة أمام الضغوط السياسية، ولا تتدخل في تفاصيل التشريع إلا من حيث بيان الحكم الشرعي الكلي، وتترك التفاصيل التنفيذية للدستور والبرلمان. هذا يعني أن أي إصلاح في القضاء يجب أن يكون نابعاً من قناعة داخلية في السلطة القضائية ذاتها، ومن إيمان عميق بأهمية التأهيل الفقهي للقاضي.
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام الالكتروني في كربلاء تمثل نموذجاً رائداً للمؤسسات التي يمكن البناء عليها لتأهيل قضاة متخصصين، من خلال برامج دراسية معمقة تمتد لسنوات تحت إشراف فقهاء مختصين، تجمع بين الدراسة الفقهية الأصيلة والتدريب القضائي الحديث، وتسهم في نشر الوعي الفقهي والقانوني بما يخدم قضايا المجتمع.
المبحث الخامس
آلية وضع الحلول
بناءً على ما تقدم من تأصيل فقهي، نقترح الآلية التالية للإصلاح، بشكل موضوعي بعيد عن الشائبات السياسية أو التجاذبات الطائفية:
النقطة الأولى: إعادة تعريف القاضي المختص في قانون السلطة القضائية
يجب إضافة نص صريح إلى قانون مجلس القضاء الأعلى ينص على أنه في محاكم الأحوال الشخصية، يجب أن يكون القاضي حاصلاً على شهادة في الفقه المقارن، أو أن يكون قد أكمل مرحلة السطوح العليا في الحوزة العلمية، بالإضافة إلى شهادته القانونية. وذلك لأن شرط الاجتهاد عند السيد الخوئي وسائر الفقهاء، وإن كان متعذراً في حقيقته على الجميع، إلا أن التجزؤ في الاجتهاد أو الإلمام الواسع بالفقه الاستدلالي هو الحد الأدنى المطلوب للقاضي في هذا الميدان الدقيق.
النقطة الثانية: إنشاء دائرة الإفتاء القضائي أو الهيئة الاستشارية الفقهية
يجب استحداث هيئة تابعة لمحكمة التمييز الاتحادية، تتكون من فقهاء متخصصين في النجف الأشرف من ذوي الخبرة في البحث الخارج، تكون مهمتها إصدار فتاوى استشارية ملزمة في القضايا الكبرى المعروضة على المحاكم، وتوحيد الاجتهاد القضائي ومنع التشتت في الأحكام. وذلك لأن الحكم الذي يصدر مخالفاً لما ثبت قطعياً من الكتاب والسنة يجوز نقضه حتى لو صدر من حاكم منصوب، استناداً لما ذكره السيد الخوئي قدس سره.
النقطة الثالثة: تطوير المناهج في معهد القضاء
يجب تدريس الفقه الاستدلالي المقارن في معهد القضاء على يد أساتذة من الحوزة العلمية، لمدة لا تقل عن سنتين دراسيتين إضافيتين لمن سيتخصص في الأحوال الشخصية. يكون المحتوى دراسة الأبواب الفقهية الرئيسية كالنكاح والطلاق والمواريث والوصية والقصاص والدية والقضاء، من كتب مثل منهاج الصالحين وتحرير الوسيلة والعروة الوثقى، مع التركيز على المباني الفقهية للخوئي والسيستاني والحكيم والفياض وغيرهم من كبار الفقهاء.
النقطة الرابعة: تحديد حالات نقض الحكم بوضوح
يجب أن يصدر تعميم قضائي ينص على أن أي حكم في قضايا الأحوال الشخصية يصدر مخالفاً للنص الصريح في القرآن الكريم أو السنة الشريفة أو الإجماع، كحرمان الزوجة من الميراث في بعض فروضه، أو إثبات نسب بغير الفراش، أو الحكم بطلاق مخالف للشروط الشرعية، يكون قابلاً للنقض تلقائياً. استناداً لما ذكره السيد الخوئي قدس سره بأنه "لا يجوز للآخر نقض حكم الأول إلا إذا كان حكمه مخالفاً لما ثبت قطعياً من الكتاب والسنة".
النقطة الخامسة: منع الاجتهاد الفردي في المسائل المنصوص عليها
يجب تقييد سلطة القاضي التقديرية في المسائل التي حدد الشرع فيها حداً ثابتاً لا يقبل التغيير أو الاجتهاد، مثل تقسيم الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، أو أحكام العدة، أو مقادير الديات المقررة شرعاً. ومنع الخروج عنها بحجة الاجتهاد الشخصي أو محاولة التوفيق مع قوانين أخرى أو ثقافات دخيلة. وذلك للحفاظ على ثبات الأحكام الشرعية ومنع الفوضى القضائي
إن المطالبة بوضع خصوصية لقضاة الأحوال الشخصية وتأهيلهم تأهيلاً فقهياً رصيناً ليست بدعة في القضاء، ولا اجتهاداً مقابل النص، بل هي عودة إلى روح الفقه الجعفري الأصيل الذي يرى في القاضي امتداداً لعدالة الإمام المعصوم في زمن الغيبة. لذلك يجب أن يكون القاضي على مستوى عالٍ من الدراية والفقه والعدالة ليكون أهلاً لهذه الثقة العظيمة.
نأمل من مجلس القضاء الأعلى في العراق أن يلتفت إلى هذا الأمر بموضوعية وتجرد، وأن يشرك حوزة النجف الأشرف العلمية والمؤسسات الأكاديمية المتخصصة مع وضع البرامج التخصصية لهؤلاء القضاة، لأن إصلاح القضاء يبدأ بإصلاح القاضي أولاً، وإصلاح قاضي الأحوال الشخصية يبدأ بتأهيله فقهياً وفق المذهب الجعفري، ليتمكن من حل القضايا المعطلة وإنهاء معاناة المجتمع، وتحقيق العدالة المنشودة للجميع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام الالكتروني
كربلاء المقدسة
٢٤/٢ / ٢٠٢٤
دراسة في تأهيل قاضي الأحوال الشخصية وفق المذهب.. الجعفري
بقلم: حيدر الشبلاويأكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام الالكتروني - كربلاء
تمهيد
يشهد قانون الأحوال الشخصية في العراق إشكالاً بنيوياً يتمثل في الخلل الواقع في آلية تأهيل القضاة العاملين في هذا المضمار. ورغم وجود محكمة التمييز الاتحادية التي تضم خبراء في القانون، إلا أن المشكلة ما زالت تتفاقم في المجتمع العراقي، وتتزايد المعاناة يوماً بعد يوم. يعود السبب الجوهري في ذلك إلى أن التشريع في قانون الأحوال الشخصية يحتاج إلى قضاء مستقل، وإلى قاضٍ يحمل شهادة تعمق في قانون الأحوال الشخصية والفقه الإسلامي، لأن أربع سنوات دراسة في كليات القانون غير كافية لأن يتخرج القاضي مجتهداً، ولا يكفي أن يكون قد مارس المحاماة ثم دخل معهد القضاء ليكون أهلاً لهذا المنصب الخطير.
لذا، فإن الأمر يستدعي إعادة نظر جذرية في تأهيل قضاة الأحوال الشخصية، خصوصاً لفهم الشريعة الإسلامية وفق المذهب الجعفري، وأن لا تقل مدة دراسته عن ثماني سنوات في أحكام الشريعة الإسلامية على أيدي أساتذة وفقهاء في النجف الأشرف. فهناك أحكام كثيرة معطلة يمكن أن تحل كثيراً من قضايا المجتمع، أو تؤدي إلى الإصلاح المنشود. إن الاعتماد على فهم معين لأحكام العقود والطلاق والنفقة وما شابه ذلك لا يكفي، خصوصاً أن الأحوال الشخصية تحتاج إلى تخصص دقيق، وإلا فإن الأمر سيبقى معيقاً لعمل التشريع لأحكام المذهب الجعفري.
المبحث الأولالإطار الفقهي للقضاء في المذهب الجعفري
أولاً: القضاء ولاية شرعية لا وظيفة إدارية
في المذهب الجعفري، القضاء منصب خطير، وهو ولاية شرعية نيابة عن الإمام المعصوم عليه السلام. لذلك وضع الفقهاء شروطاً دقيقة لمن يتقلد هذا المنصب، وجعلوه من أعظم الولايات وأخطرها، لأنه يتعلق بفصل الخصومة والحكم في الأعراض والأموال والدماء.
ثانياً: تعريف القضاء وطبيعته
عرّف السيد الخوئي قدس سره القضاء بأنه: "فصل الخصومة بين المتخاصمين، والحكم بثبوت دعوى المدعي أو بعدم حق له على المدعى عليه". وفرق بينه وبين الفتوى بأن الفتوى بيان للأحكام الكلية، بينما القضاء تطبيق لهذه الأحكام على القضايا الشخصية. وهذا الفرق دقيق وجوهري، فالمفتي يخبر عن الحكم الشرعي الكلي، أما القاضي فينشئ حكماً جزئياً ملزماً للأطراف.
ثالثاً: شرط الاجتهاد في القاضي
نص السيد الخوئي قدس سره في كتابه القيم "منهاج الصالحين" على الشروط المعتبرة في القاضي، ومنها البلوغ، العقل، الذكورة، الإيمان، العدالة، الرشد، والاجتهاد بل الضبط على وجه. هذا النص الصريح يعني أن القاضي يجب أن يكون مجتهداً قادراً على استنباط الحكم من أدلته التفصيلية في الكتاب والسنة، وليس مجرد حافظ للنصوص القانونية أو ناقل للفتاوى.
رابعاً: فتوى صريحة في شرط الاجتهاد
ورد في الموقع الرسمي للسيد السيستاني دام ظله سؤال: هل يجوز لغير المجتهد أن يتصدى للقضاء؟ فكان الجواب: كلا، فهو منصب للحاكم الشرعي المجتهد فقط. هذا تأكيد واضح على أن القضاء ليس وظيفة إدارية يمكن لأي خريج قانون مزاولتها، بل هو منصب شرعي يحتاج إلى اجتهاد حقيقي وأهلية فقهية راسخة.
خامساً: الفرق بين القاضي والمفتي
أوضح السيد السيستاني أن القضاء يختلف عن الإفتاء في كونه "إنشاء الحكم في مورد التنازع"، بينما الإفتاء "إخبار عن الحكم في المسألة الشرعية". لذا، القاضي لا يخبر بالحكم فحسب، بل يُنشئ التزاماً قضائياً نافذاً، وهذا يتطلب قدرة على تمييز الموضوع وتطبيق الحكم الكلي عليه بدقة متناهية، لأن الخطأ في التطبيق قد يهدر حقاً أو يضيع عدالالمبحث الثانيآراء الفقهاء في المسائل الجوهرية
الفقيه الجامع للشرائط هو من يملك أدوات التعامل مع الوقائع المستجدة والقضايا المستحدثة. وإليك بعض الأمثلة التي تظهر عمق الفقه الجعفري وحاجته إلى تخصص دقيق:
أولاً: النسب وإثباته
النسب لا يثبت بالشك، وحديث "الولد للفراش" هو الأساس في إثبات النسب الشرعي. تطبيق هذه القاعدة في قضايا مستجدة كأطفال الأنابيب أو التلقيح الصناعي أو تأجير الأرحام يحتاج إلى فقيه يميز بين الصور المختلفة ويطبق القواعد الفقهية بدقة، وإلا وقع في المحذور الشرعي من إثبات نسب غير صحيح أو نفي نسب صحيح.
ثانياً: النفقة
النفقة ليست مبلغاً ثابتاً جامداً، بل هي تقدير بحسب حال الزوجة والزمن والعرف، وفق ضوابط شرعية دقيقة. الفهم القاصر للنشوز قد يحرم الزوجة ظلماً من حقها، كما أن التوسع في تقدير النفقة بغير ضابط قد يوقع الزوج في الحرج.
ثالثاً: الدية وأحكامها
في الدية فروق دقيقة بين الرجل والمرأة في بعض الموارد، وبين المسلم وغير المسلم، وبين القتل العمد والخطأ وشبه العمد. تطبيق هذه الأحكام يحتاج إلى معرفة دقيقة بالنص والاستثناءات، وإلى قدرة على تمييز الموضوع وتطبيق الحكم الشرعي المناسب.
رابعاً: الطلاق
الطلاق بيد الزوج، لكن قد تثبت للزوجة ولاية الطلاق بالوكالة أو بشرط ضمن العقد، أو بالتفريق لحالات كالغيبة الطويلة أو الضرر أو عدم الإنفاق. هذا كله يحتاج إلى تقدير فقهي دقيق، وإلى موازنة بين المصالح والمفاسد، وإلى فهم عميق للنصوص الشرعية ومقاصدها.
خامساً: الإيلاء والغيبة والنشوز
في مسألة غيبة الزوج، هناك تفصيل دقيق عند الفقهاء. السيد الخوئي قدس سره يرى أن زوجة الغائب المعلوم حياته عليها الصبر والانتظار. السيد السيستاني دام ظله أيضاً يرى أنه ليس للزوجة طلب التفريق وإن طالت المدة وانعدم الإنفاق. لكن الشيخ الفياض يفرق بين توفر الإنفاق من عدمه، فقد يطلق الحاكم إذا لم يتوفر الإنفاق. هذه التفاصيل الدقيقة لا يلم بها إلا الفقيه المتعمق في أبواب الفقه المختلفة.
سادساً: الحضانة
السيد السيستاني دام ظله يؤكد أن الحضانة حق للطفل قبل أن تكون حقاً للوالدين. ولو ثبت كون الأب أو الأم غير صالحين للحضانة للحوق الأذى بالطفل، تُنزع منه الحضانة. هذه المرونة الفقهية المبنية على قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" لا يدركها القاضي العادي غير المتعمق في الفقه، لأنه قد يكتفي بتطبيق النص القانوني الجامد دون النظر إلى المصلحة المتحققة للطفل.
المبحث الثالثالإشكالية الجوهرية: الاجتهاد القضائي غير المؤصل
الاجتهاد المذموم هنا هو أن يحكم القاضي بناءً على فهمه الشخصي القاصر، من دون استناد إلى الفقه الاستدلالي وأصول الاستنباط. عندما لا يكون القاضي مجتهداً أو متمرساً في الفقه، فإنه يقع في أحد أمرين:
الأول: التقليد الأعمى، فيطبق نصوصاً قانونية دون فهم روحها الشرعي، ودون النظر إلى خصوصيات الموضوع وملابساته.
الثاني: الاجتهاد الخاطئ، فيفسر النص بما لا يتفق مع المذهب، ويحكم بما لا يتوافق مع صريح الكتاب والسنة.
كثير من القضايا المعطلة في المحاكم، كإثبات النسب في أطفال الأنابيب، أو التفريق للضرر، أو تصرفات المريض في الميراث، أو الوصية الواجبة، لا تحل إلا بقاضٍ يرى البعد الفقهي للمشكلة، ويمتلك أدوات الاجتهاد لفهم النص وتطبيقه.
المبحث الرابعدور الحوزة العلمية ومؤسسات النجف الأشرف
النجف الأشرف تمتلك تراثاً فقهياً يمتد لألف عام، وفيه تخرج كبار الفقهاء والمراجع عبر التاريخ. اقتراحنا بالاعتماد على أساتذة وفقهاء النجف هو الحل الأمثل للتأهيل الحقيقي لقضاة الأحوال الشخصية، وذلك للأسباب التالية:
المرجعية الدينية ممثلة بالسيد السيستاني دام ظله، أبوابها مغلقة أمام الضغوط السياسية، ولا تتدخل في تفاصيل التشريع إلا من حيث بيان الحكم الشرعي الكلي، وتترك التفاصيل التنفيذية للدستور والبرلمان. هذا يعني أن أي إصلاح في القضاء يجب أن يكون نابعاً من قناعة داخلية في السلطة القضائية ذاتها، ومن إيمان عميق بأهمية التأهيل الفقهي للقاضي.
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام الالكتروني في كربلاء تمثل نموذجاً رائداً للمؤسسات التي يمكن البناء عليها لتأهيل قضاة متخصصين، من خلال برامج دراسية معمقة تمتد لسنوات تحت إشراف فقهاء مختصين، تجمع بين الدراسة الفقهية الأصيلة والتدريب القضائي الحديث، وتسهم في نشر الوعي الفقهي والقانوني بما يخدم قضايا المجتمع.
المبحث الخامسآلية وضع الحلول
بناءً على ما تقدم من تأصيل فقهي، نقترح الآلية التالية للإصلاح، بشكل موضوعي بعيد عن الشائبات السياسية أو التجاذبات الطائفية:
النقطة الأولى: إعادة تعريف القاضي المختص في قانون السلطة القضائية
يجب إضافة نص صريح إلى قانون مجلس القضاء الأعلى ينص على أنه في محاكم الأحوال الشخصية، يجب أن يكون القاضي حاصلاً على شهادة في الفقه المقارن، أو أن يكون قد أكمل مرحلة السطوح العليا في الحوزة العلمية، بالإضافة إلى شهادته القانونية. وذلك لأن شرط الاجتهاد عند السيد الخوئي وسائر الفقهاء، وإن كان متعذراً في حقيقته على الجميع، إلا أن التجزؤ في الاجتهاد أو الإلمام الواسع بالفقه الاستدلالي هو الحد الأدنى المطلوب للقاضي في هذا الميدان الدقيق.
النقطة الثانية: إنشاء دائرة الإفتاء القضائي أو الهيئة الاستشارية الفقهية
يجب استحداث هيئة تابعة لمحكمة التمييز الاتحادية، تتكون من فقهاء متخصصين في النجف الأشرف من ذوي الخبرة في البحث الخارج، تكون مهمتها إصدار فتاوى استشارية ملزمة في القضايا الكبرى المعروضة على المحاكم، وتوحيد الاجتهاد القضائي ومنع التشتت في الأحكام. وذلك لأن الحكم الذي يصدر مخالفاً لما ثبت قطعياً من الكتاب والسنة يجوز نقضه حتى لو صدر من حاكم منصوب، استناداً لما ذكره السيد الخوئي قدس سره.
النقطة الثالثة: تطوير المناهج في معهد القضاء
يجب تدريس الفقه الاستدلالي المقارن في معهد القضاء على يد أساتذة من الحوزة العلمية، لمدة لا تقل عن سنتين دراسيتين إضافيتين لمن سيتخصص في الأحوال الشخصية. يكون المحتوى دراسة الأبواب الفقهية الرئيسية كالنكاح والطلاق والمواريث والوصية والقصاص والدية والقضاء، من كتب مثل منهاج الصالحين وتحرير الوسيلة والعروة الوثقى، مع التركيز على المباني الفقهية للخوئي والسيستاني والحكيم والفياض وغيرهم من كبار الفقهاء.
النقطة الرابعة: تحديد حالات نقض الحكم بوضوح
يجب أن يصدر تعميم قضائي ينص على أن أي حكم في قضايا الأحوال الشخصية يصدر مخالفاً للنص الصريح في القرآن الكريم أو السنة الشريفة أو الإجماع، كحرمان الزوجة من الميراث في بعض فروضه، أو إثبات نسب بغير الفراش، أو الحكم بطلاق مخالف للشروط الشرعية، يكون قابلاً للنقض تلقائياً. استناداً لما ذكره السيد الخوئي قدس سره بأنه "لا يجوز للآخر نقض حكم الأول إلا إذا كان حكمه مخالفاً لما ثبت قطعياً من الكتاب والسنة".
النقطة الخامسة: منع الاجتهاد الفردي في المسائل المنصوص عليها
يجب تقييد سلطة القاضي التقديرية في المسائل التي حدد الشرع فيها حداً ثابتاً لا يقبل التغيير أو الاجتهاد، مثل تقسيم الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، أو أحكام العدة، أو مقادير الديات المقررة شرعاً. ومنع الخروج عنها بحجة الاجتهاد الشخصي أو محاولة التوفيق مع قوانين أخرى أو ثقافات دخيلة. وذلك للحفاظ على ثبات الأحكام الشرعية ومنع الفوضى القضائي
إن المطالبة بوضع خصوصية لقضاة الأحوال الشخصية وتأهيلهم تأهيلاً فقهياً رصيناً ليست بدعة في القضاء، ولا اجتهاداً مقابل النص، بل هي عودة إلى روح الفقه الجعفري الأصيل الذي يرى في القاضي امتداداً لعدالة الإمام المعصوم في زمن الغيبة. لذلك يجب أن يكون القاضي على مستوى عالٍ من الدراية والفقه والعدالة ليكون أهلاً لهذه الثقة العظيمة.
نأمل من مجلس القضاء الأعلى في العراق أن يلتفت إلى هذا الأمر بموضوعية وتجرد، وأن يشرك حوزة النجف الأشرف العلمية والمؤسسات الأكاديمية المتخصصة مع وضع البرامج التخصصية لهؤلاء القضاة، لأن إصلاح القضاء يبدأ بإصلاح القاضي أولاً، وإصلاح قاضي الأحوال الشخصية يبدأ بتأهيله فقهياً وفق المذهب الجعفري، ليتمكن من حل القضايا المعطلة وإنهاء معاناة المجتمع، وتحقيق العدالة المنشودة للجميع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام الالكترونيكربلاء المقدسة٢٤/٢ / ٢٠٢٤