|
كتب رياض الفرطوسي
في السياسة الدولية، لا تُقاس حرارة الأزمات بعدد السفن في البحار، بل ببرودة الكلمات التي تُقال في لحظة يفترض فيها الصراخ. من هنا، يمكن قراءة تصريح مستشار الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بوصفه جملة محسوبة بعناية، لا تنفي التوتر، لكنها تنزع عنه صفة الانفجار. قال إن الاتصالات مع واشنطن تبشّر بحل، وإن الصورة الإعلامية أكثر اشتعالًا من الواقع نفسه. تصريح كهذا لا يُقال عبثاً، ولا يُلقى في فراغ.
فالوقائع المحيطة بالمشهد لا تبدو ودّية بالمعنى التقليدي: خطاب أمريكي مرتفع النبرة، ردود إيرانية صارمة في الشكل، وحضور عسكري كثيف يملأ البحر والسماء. ومع ذلك، فإن التاريخ يعلّمنا أن استعراض القوة لا يعني بالضرورة نية استخدامها، وأن أعلى الأصوات كثيراً ما تُرفع لإخفاء قنوات خافتة تعمل في الخلفية.
هنا يطلّ مفهوم الخداع الاستراتيجي، لا بوصفه تهمة، بل كأداة قديمة في صندوق السياسة الكبرى. الخداع لا يعني الكذب الصريح دائماً، بل إدارة الانطباع، التحكم بإيقاع الخوف، وتوجيه الخصم إلى استنتاجات يراد له أن يصل إليها وحده. في هذا السياق، يمكن للتهديد أن يكون رسالة تفاوض، ويمكن للحشود العسكرية أن تؤدي وظيفة الردع أكثر مما تؤدي وظيفة الحرب.
نظرية “الرجل المجنون”، التي اشتهرت في الأدبيات السياسية الحديثة، لم تكن يوماً حكراً على إدارة بعينها. هي فكرة بسيطة في جوهرها: أن يبدو القائد غير قابل للتنبؤ، كي يصبح التنازل من الطرف الآخر خياراً أقل كلفة من المجازفة. هنري كيسنجر استخدم هذه الورقة بمهارة، لا لأنه كان يؤمن بالجنون، بل لأنه كان يؤمن بالخوف كأداة تفاوض.
لكن التجربة أثبتت أن هذه اللعبة لا تنجح دائماً. الخصوم الذين خبروا هذا الأسلوب سابقاً لا ينخدعون بسهولة، بل قد يردّون عليه بتماسك أكبر وهدوء أشد، فيحوّلون الضغط إلى ورقة قوة مضادة. وهنا يصبح السؤال: هل ما نشهده اليوم هو تمهيد لمواجهة، أم محاولة لفرض شروط تفاوض أفضل قبل الجلوس إلى الطاولة؟
في هذا الإطار، لا يبدو الخطاب الإيراني مائلًا إلى التصعيد لذاته، بقدر ما يسعى إلى تثبيت معادلة: لا خوف، ولا اندفاع، ولا إغلاق للأبواب. التلميح إلى وجود قنوات تواصل، ولو غير معلنة، هو بحد ذاته رسالة مفادها أن السياسة لم تغادر المشهد، وأن الهدنة—ولو كانت مؤقتة أو غير مكتوبة—تبقى احتمالًا قائماً.
المنطقة تعيش توتراً حقيقياً، لكن التوتر لا يعني حتمية الانفجار. أحياناً يكون أقصى درجات الشد هو آخر ما يسبق الجلوس. وبين الخداع الاستراتيجي والهدنة، تتشكل مساحة رمادية، هي الميدان الحقيقي للصراع اليوم: لا حرب معلنة، ولا سلام مكتمل، بل تفاوض تحت سقف التهديد.
وفي هذه المساحة بالذات، تُكتب أخطر الفصول… بهدوء.
كتب رياض الفرطوسي في السياسة الدولية، لا تُقاس حرارة الأزمات بعدد السفن في البحار، بل ببرودة الكلمات التي تُقال في لحظة يفترض فيها الصراخ. من هنا، يمكن قراءة تصريح مستشار الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بوصفه جملة محسوبة بعناية، لا تنفي التوتر، لكنها تنزع عنه صفة الانفجار. قال إن الاتصالات مع واشنطن تبشّر بحل، وإن الصورة الإعلامية أكثر اشتعالًا من الواقع نفسه. تصريح كهذا لا يُقال عبثاً، ولا يُلقى في فراغ.
فالوقائع المحيطة بالمشهد لا تبدو ودّية بالمعنى التقليدي: خطاب أمريكي مرتفع النبرة، ردود إيرانية صارمة في الشكل، وحضور عسكري كثيف يملأ البحر والسماء. ومع ذلك، فإن التاريخ يعلّمنا أن استعراض القوة لا يعني بالضرورة نية استخدامها، وأن أعلى الأصوات كثيراً ما تُرفع لإخفاء قنوات خافتة تعمل في الخلفية.
هنا يطلّ مفهوم الخداع الاستراتيجي، لا بوصفه تهمة، بل كأداة قديمة في صندوق السياسة الكبرى. الخداع لا يعني الكذب الصريح دائماً، بل إدارة الانطباع، التحكم بإيقاع الخوف، وتوجيه الخصم إلى استنتاجات يراد له أن يصل إليها وحده. في هذا السياق، يمكن للتهديد أن يكون رسالة تفاوض، ويمكن للحشود العسكرية أن تؤدي وظيفة الردع أكثر مما تؤدي وظيفة الحرب.
نظرية “الرجل المجنون”، التي اشتهرت في الأدبيات السياسية الحديثة، لم تكن يوماً حكراً على إدارة بعينها. هي فكرة بسيطة في جوهرها: أن يبدو القائد غير قابل للتنبؤ، كي يصبح التنازل من الطرف الآخر خياراً أقل كلفة من المجازفة. هنري كيسنجر استخدم هذه الورقة بمهارة، لا لأنه كان يؤمن بالجنون، بل لأنه كان يؤمن بالخوف كأداة تفاوض.
لكن التجربة أثبتت أن هذه اللعبة لا تنجح دائماً. الخصوم الذين خبروا هذا الأسلوب سابقاً لا ينخدعون بسهولة، بل قد يردّون عليه بتماسك أكبر وهدوء أشد، فيحوّلون الضغط إلى ورقة قوة مضادة. وهنا يصبح السؤال: هل ما نشهده اليوم هو تمهيد لمواجهة، أم محاولة لفرض شروط تفاوض أفضل قبل الجلوس إلى الطاولة؟
في هذا الإطار، لا يبدو الخطاب الإيراني مائلًا إلى التصعيد لذاته، بقدر ما يسعى إلى تثبيت معادلة: لا خوف، ولا اندفاع، ولا إغلاق للأبواب. التلميح إلى وجود قنوات تواصل، ولو غير معلنة، هو بحد ذاته رسالة مفادها أن السياسة لم تغادر المشهد، وأن الهدنة—ولو كانت مؤقتة أو غير مكتوبة—تبقى احتمالًا قائماً.
المنطقة تعيش توتراً حقيقياً، لكن التوتر لا يعني حتمية الانفجار. أحياناً يكون أقصى درجات الشد هو آخر ما يسبق الجلوس. وبين الخداع الاستراتيجي والهدنة، تتشكل مساحة رمادية، هي الميدان الحقيقي للصراع اليوم: لا حرب معلنة، ولا سلام مكتمل، بل تفاوض تحت سقف التهديد.
وفي هذه المساحة بالذات، تُكتب أخطر الفصول… بهدوء.
|