
مقدمة
في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي، تأتي تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني لتعبر عن رؤية طهران الاستراتيجية للمواجهة الدائرة. هذه التصريحات النارية ليست مجرد خطاب إعلامي عابر، بل تكشف عن قناعة إيرانية راسخة بطبيعة الصراع وأهدافه البعيدة المدى، وتستند إلى قراءة عميقة للتحولات الجيوسياسية في المنطقة. إنها تعكس وعياً استراتيجياً بأن ما يجري يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة إلى معركة وجودية حول مستقبل الشرق الأوسط وهويته وتوازناته. لفهم دلالات هذه التصريحات في سياقها الكامل، لا بد من تحليلها بعمق في إطار الاستراتيجية التي تسعى واشنطن وتل أبيب لتحقيقها، وما تسميه إسرائيل طموحاً "الشرق الأوسط الجديد"، وهو المشروع الذي يثير تساؤلات جوهرية حول مصير الدول القومية في المنطقة ومستقبل الشعوب العربية والإسلامية. هذا التحليل ينطلق من واقع الثورة الإسلامية ومبادئها في الدفاع عن المقدسات وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الهيمنة والوصاية الخارجية، مع الالتزام بالموضوعية والعمق التحليلي في قراءة المشهد الإقليمي المعقد.
حلم ترامب: بين الضغط الأقصى وتغيير النظام
يكشف التحليل المتعمق للتصريحات والتحركات الأمريكية أن إدارة ترامب تتبنى رؤية استراتيجية تتجاوز بكثير مجرد منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لتصل إلى هدف أكثر جذرية وطموحاً. فوفقاً لتحليل خبراء استراتيجيين ومتابعين دقيقين للمشهد، فإن الهدف النهائي الذي ترنو إليه واشنطن في عمقها هو تغيير النظام في إيران ذاتها، وليس فقط تقييد برنامجها النووي أو الصاروخي أو احتواء نفوذها الإقليمي. هذا الطموح يتجاوز منطق الردع التقليدي إلى منطق إعادة الهيكلة الجذرية للنظام السياسي الإيراني، وهو ما يفسر تصريحات ترامب المتعددة التي حث فيها الشعب الإيراني صراحة على "الاستيلاء على حكومتكم" و"استعادة بلدكم"، في خطاب يهدف إلى شق الصف الداخلي وتغذية الاحتقان الشعبي ضد النظام.
لكن ما يلفت الانتباه ويثير الدهشة في الوقت ذاته هو ذلك التخبط الواضح وعدم الاتساق الصارخ في التصريحات الأمريكية الرسمية حول أهداف الحرب الحقيقية. ففي الوقت الذي يتحدث فيه ترامب بلغة تغيير النظام والتحريض على الثورة الداخلية، نجد وزير الدفاع هيغسيث يؤكد في إفادة رسمية أن الحرب "ليست حرب تغيير نظام"، بينما يعبر وزير الخارجية ماركو روبيو عن أمله في "أن يتمكن الشعب الإيراني من الإطاحة بهذه الحكومة" بوصف ذلك أملاً شخصياً لا سياسة رسمية. هذا التناقض العلني يعكس ما وصفه المحللون بدقة بأنه غياب رؤية أمريكية واضحة ومتماسكة، أو كما يقول البروفيسور جون ميرشايمر بصراحته المعهودة: "إسرائيل هي من يمسك بعجلة القيادة"، في إشارة إلى أن واشنطن أصبحت أسيرة للأجندة الإسرائيلية أكثر من كونها صاحبة مشروع استراتيجي مستقل في المنطقة.
الخيارات العسكرية المطروحة أمام ترامب تراوحت بين سيناريوهات متعددة، بدءاً من ضربات جراحية محدودة تستهدف قيادات الحرس الثوري ومراكز القرار، مروراً بمحاولة تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني بشكل شامل، وصولاً إلى الخيار الأكثر خطورة وهو استهداف المرشد الأعلى نفسه في محاولة لقطع رأس النظام. لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه المحللون والخبراء العسكريون بإلحاح: هل يمكن أصلاً تحقيق تغيير النظام من الجو؟ التجارب السابقة في العراق وأفغانستان وليبيا تثبت بما لا يدع مجالاً للشك صعوبة تحقيق ذلك، بل إن الضربات العسكرية الخارجية قد تؤدي في كثير من الحالات إلى تقوية النظام بدلاً من إضعافه، عبر حشد المشاعر الوطنية حوله وتحويل العدوان الخارجي إلى عامل توحيد للداخل المتناحر.
خارطة إسرائيل للشرق الأوسط: ما وراء الستار
عندما يصف لاريجاني ترامب بأنه "وقع في فخ الخداع الإسرائيلي"، فإن هذه المقولة تتجاوز كونها خطاباً دعائياً إلى تعبير عن قناعة إيرانية عميقة بأن إسرائيل هي المحرك الفعلي والرئيسي للتصعيد الحالي، وأن واشنطن أصبحت في موقع التابع الاستراتيجي لا القائد. وتحليلياً وبمراجعة دقيقة للموقف الإسرائيلي، يبدو جلياً أن لإسرائيل أجندة واضحة المعالم تتجاوز الأهداف الأمريكية المعلنة وتتقدم عليها في كثير من النواحي، وتعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى لإعادة تشكيل المنطقة.
إسرائيل اليوم تبحث عن ما تصفه الصحف الإسرائيلية المؤثرة بـ"البيغ بانغ" أو الانفجار العظيم، أي تلك اللحظة التاريخية الفارقة التي تغير قواعد اللعبة في المنطقة برمتها بشكل جذري لا رجعة فيه. وفقاً للمصادر الإسرائيلية الموثوقة، هناك إجماع نادر وغير مسبوق في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على أن "الآن هو الوقت المناسب" لتحقيق تحول تاريخي في إيران، وبالتالي في المنطقة بأكملها، مستغلين انشغال العالم بأزمات أخرى وتوفر غطاء أمريكي غير مسبوق.
ما تسعى إليه إسرائيل بعمق يمكن تفكيكه في إطار استراتيجي متكامل يقوم على عدة أهداف مترابطة بشكل وثيق: أولها إنهاء التهديد الوجودي الذي يمثله النظام الإيراني بالنسبة لإسرائيل، والذي يعتبره الإسرائيليون تهديداً وجودياً بامتياز ليس فقط بسبب برنامجه النووي بل أيضاً بسبب أيديولوجيته الداعية إلى زوال إسرائيل. وثانيها تفكيك المحور الإيراني بالكامل، أي إنهاء قدرة إيران على دعم حماس وحزب الله والحوثيين وغيرهم من حلفائها في المنطقة، لأن استمرار هذا المحور يعني بقاء القدرة على تهديد إسرائيل من عدة جبهات في وقت واحد. وثالثها إعادة تشكيل الشرق الأوسط بشكل كامل، بحيث تصبح إسرائيل مركزاً للقرار الإقليمي والمحور الذي تدور حوله المنطقة دون الحاجة إلى تغيير الخرائط بشكل رسمي، وهو ما يمكن تسميته بالهيمنة الناعمة عبر القوة الصلبة.
هذا المشروع الإسرائيلي الطموح يتجاوز فكرة "التطبيع" التي تم الترويج لها في اتفاقيات أبراهام وغيرها، إلى ما يصفه محللون استراتيجيون بدقة بـ"الإخضاع الاستراتيجي للبيئة الإقليمية"، حيث تصبح إسرائيل مركز الثقل السياسي والأمني والاقتصادي في الشرق الأوسط، وتتحول الدول العربية إلى أطراف تابعة في نظام إقليمي جديد تهيمن عليه تل أبيب. وفي هذا السياق الاستراتيجي، تتحول فكرة "إسرائيل الكبرى" من مشروع ضم جغرافي تقليدي إلى مشروع هيمنة أمنية واقتصادية وثقافية، حيث تكون الحدود السياسية أقل أهمية من حدود النفوذ والتأثير والسيطرة على القرار.
الاستراتيجية الإيرانية: قراءة معمقة في تصريحات لاريجاني
تصريحات لاريجاني المتعددة تعكس بعمق رؤية إيرانية متكاملة تقوم على عدة ثوابت استراتيجية راسخة، تم اختبارها في عقود من المواجهة مع الغرب وإسرائيل، وتستند إلى فهم دقيق لطبيعة الصراع وتوازنات القوة في المنطقة.
تأكيد لاريجاني المتكرر أن واشنطن وصلت إلى نهاية الطريق يعكس ثقة إيرانية عميقة بأن الضربات العسكرية الأمريكية مهما بلغت شدتها لن تحقق أهدافها الاستراتيجية الكبرى، وذلك لسبب بسيط هو أن المعركة الحقيقية ليست عسكرية بالدرجة الأولى بل هي معركة إرادات وصمود، وفي هذا النوع من المعارك يكون الطرف الأكثر قدرة على التحمل هو المنتصر. هذا التحليل يتوافق مع رؤية خبراء استراتيجيين مثل ميرشايمر الذي يعتبر أن إيران تنتصر بمجرد بقائها وصمودها، لأن هدف الخصم النهائي هو إسقاط النظام، والفشل في تحقيقه يعني الهزيمة الاستراتيجية حتى مع تحقيق بعض الانتصارات التكتيكية.
تحذير لاريجاني الخطير من أن إيران ستتولى بنفسها مهمة منع استخدام أراضي الدول المجاورة للاعتداء عليها يعكس استراتيجية إيرانية واضحة لتحويل دول الخليج إلى ورقة ضغط رئيسية في المعادلة، ورسالة واضحة إلى هذه الدول بأن ثمن تسهيل العدوان على إيران سيكون باهظاً وقد يطال أمنها واستقرارها بشكل مباشر. هذا التهديد يتوافق مع ما ورد في تحليلات معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية حول أن إيران تحسب أن إيقاع الألم في دول الخليج سيدفع نحو إنهاء الحرب بسرعة، لأن هذه الدول تملك نفوذاً على واشنطن لا تملكه طهران، وهي رسالة غير مباشرة إلى العواصم الخليجية لممارسة ضغوطها على الإدارة الأمريكية لوقف التصعيد.
تأكيد لاريجاني أن "الشعب الإيراني يقف صفاً واحداً رغم الصعاب" يهدف بشكل واضح إلى نفي الروايات الغربية والإسرائيلية عن انقسام داخلي عميق واستعداد الشعب الإيراني لاستبدال النظام، وهي الروايات التي راهنت عليها واشنطن وتل أبيب كعامل مساعد في تحقيق تغيير النظام من الداخل. هذا التأكيد يتوافق مع تحذيرات المحللين المحايدين من أن "استهداف المرشد قد يطلق فوضى داخل إيران" لا يمكن السيطرة عليها، بدلاً من تحقيق انتقال منظم للسلطة كما يتصور صانعو القرار في واشنطن، وهو ما يجعل من هذا الخيار مغامرة كبرى بنتائج غير مضمونة.
تصريح لاريجاني بأن إيران "لن تترك ترامب يفلت أبداً من العقاب" يعكس استراتيجية الردع الإيرانية القائمة على فرض التكاليف بشكل مؤكد ومستمر، وهي استراتيجية أثبتت فعاليتها في السنوات الماضية. فبعد ساعات فقط من الضربات الأمريكية الأخيرة، أطلقت إيران صواريخها على قواعد أمريكية في البحرين والإمارات والكويت، في رسالة واضحة بأن الرد سيكون فورياً ومؤلماً، وأن قدرة إيران على الوصول إلى المصالح الأمريكية في المنطقة تتجاوز بكثير ما يمكن احتواؤه بالدرع الصاروخية والقواعد العسكرية المحصنة.
مضيق هرمز: الورقة الاقتصادية الاستراتيجية في قلب المواجهة
في خضم هذه المواجهة المحتدمة، يبرز مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية بامتياز، فهو الممر المائي الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج العالم من النفط، وأكثر من ثلث صادرات النفط المنقولة بحراً. إيران، التي تمتد سواحلها على طول المضيق، تمتلك قدرة مؤكدة على تعطيل الملاحة فيه بشكل كامل أو جزئي، وهو ما يشكل تهديداً وجودياً للاقتصاد العالمي وليس فقط لإمدادات الطاقة.
السيناريوهات المحتملة في مضيق هرمز متعددة وخطيرة. ففي حال توسعت دائرة المواجهة العسكرية، يمكن لإيران أن تلجأ إلى خيارات تصعيدية تبدأ بمضايقة ناقلات النفط وتفتيشها، مروراً بزرع الألغام، وصولاً إلى إغلاق المضيق بشكل كامل باستخدام مزيج من القطع البحرية والصواريخ الساحلية والطائرات المسيرة. هذا الإغلاق، حتى لو كان مؤقتاً، سيرسل موجات صادمة عبر الأسواق العالمية، ويرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، ويضرب الاقتصادات المعتمدة على الطاقة في الصميم.
الدول الخليجية، التي تعتمد بشكل شبه كامل على مضيق هرمز لتصدير نفطها، ستكون الأكثر تضرراً من أي تصعيد في المنطقة. هذا الواقع يمنح إيران ورقة ضغط قوية ليس فقط ضد الغرب، بل أيضاً ضد جيرانها في الخليج، الذين يجدون أنفسهم في موقف صعب بين مطرقة الضغوط الأمريكية وسندان التهديدات الإيرانية. كما أن الصين والهند واليابان، أكبر مستوردي النفط من المنطقة، لديها مصالح حيوية في استقرار المضيق، مما قد يدفعها إلى ممارسة ضغوطها على واشنطن لضبط النفس.
ما يزيد الوضع خطورة هو أن أي حادث بحري بسيط في مضيق هرمز يمكن أن يتطور بسرعة إلى مواجهة كبرى، خاصة مع الوجود العسكري المكثف للقوات الأمريكية والبحرية الإيرانية في منطقة ضيقة. لقد شهدنا في السنوات الأخيرة سلسلة من الحوادث المتصاعدة بين الجانبين في الخليج، مما يشير إلى أن شرارة صغيرة قد تكون كافية لإشعال حريق كبير.
تحليل المشهد: من ينتصر في معركة الروايات والاستراتيجيات؟
المشهد الحالي المتأرجح بين الحرب والتهدئة يعكس صراعاً عميقاً بين رؤيتين استراتيجيتين متناقضتين تماماً، كل منهما تبني تقديراتها على قراءة مختلفة لطبيعة الصراع ومآلاته.
الرؤية الأمريكية الإسرائيلية تقوم على فرضية أساسية أن الضربة العسكرية الشاملة يمكن أن تؤدي إلى تغيير النظام في إيران، أو على الأقل تدمير القدرات العسكرية الإيرانية لدرجة تجعلها غير قادرة على تهديد إسرائيل والمصالح الأمريكية لعقود قادمة. لكن هذه الرؤية الطموحة تواجه تحديات استراتيجية كبيرة يصعب تجاهلها، وأبرزها غياب أي خطة واضحة لليوم التالي بعد الضربة، وصعوبة تحقيق تغيير النظام من الجو كما أثبتت التجارب السابقة، وقدرة إيران المؤكدة على فرض تكاليف باهظة عبر صواريخها الباليستية وشبكة وكلائها في المنطقة، وقدرتها على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وإحداث صدمة اقتصادية عالمية، وأخيراً الرفض الواضح من دول المنطقة نفسها للانجرار إلى هذه الحرب التي ستكون ضحيتها الأولى.
الرؤية الإيرانية في المقابل تقوم على فرضية أن الصمود هو الانتصار بعينه، وأن الضربات العسكرية مهما بلغت قوتها لن تكسر إرادة النظام أو الشعب، وأن استمرار المعركة لصالح الطرف الأكثر قدرة على تحمل التكاليف البشرية والمادية. لكن هذه الرؤية تواجه تحديات داخلية كبيرة أيضاً، وأبرزها التدهور المستمر في الوضع الاقتصادي وتأثيره المباشر على الداخل الإيراني ورضا الشعب عن أداء النظام، واستنزاف القدرات العسكرية والصاروخية في مواجهة التفوق التكنولوجي الأمريكي الإسرائيلي الساحق، وأخيراً غموض مصير المرشد الأعلى وتداعيات ذلك المحتملة على استقرار النظام في مرحلة انتقالية حساسة.
الخلاصة: الشرق الأوسط على مفترق طرق مصيري
ما نشهده اليوم في منطقة الشرق الأوسط ليس مجرد جولة جديدة من فصول الصراع الإيراني الإسرائيلي الممتد، بل لحظة مفصلية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يمكن أن تعيد رسم خريطة المنطقة سياسياً وجيوسياسياً لعقود قادمة. تصريحات لاريجاني النارية تعبر عن قناعة إيرانية راسخة بأن ما يجري هو محاولة مكشوفة لـ"تفكيك إيران وتقسيمها"، وهو ما يتوافق مع أدق التحليلات التي ترى أن الهدف الإسرائيلي النهائي يتجاوز البرنامج النووي إلى النظام نفسه وإلى مكانة إيران الإقليمية ودورها في معادلات المنطقة.
لقد أضحت الأفعال الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، تمثل انتهاكاً صارخاً لكل الأعراف والمواثيق الدولية، وتجاوزاً فاضحاً لمبادئ السيادة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. هذه الأفعال العدوانية، التي تأتي في سياقات غير قانونية تماماً، لم تهدد أمن إيران واستقرارها فحسب، بل هددت أمن واستقرار كل دول المنطقة وشعوبها، وعرضت الاقتصاد العالمي لأخطار جسيمة عبر تهديد مضيق هرمز وغيره من الممرات الحيوية.
إن ما فعله ترامب ونتنياهو، وما زالا يفعلانه، هو جريمة بحق الإنسانية جمعاء، ليس فقط بسبب ما يسفكانه من دماء أبرياء، بل بسبب سعيهما المحموم إلى زعزعة استقرار منطقة بأكملها وإشعال حرب شاملة عواقبها وخيمة على الجميع. إنهما يتحملان المسؤولية الجنائية الكاملة عن التصعيد الحالي وعن كل تداعياته الكارثية المحتملة. لقد جنى ترامب على نفسه وعلى بلاده بمغامراته العسكرية غير المحسوبة، وجنى نتنياهو على مستقبل الكيان الذي يقوده بدفع المنطقة نحو صراع لا يضمن أحد نتائجه.
لقد حان الوقت لكي تنتهي هذه الرؤوس العفنة التي تلهث وراء الهيمنة وتهديد سيادة الشعوب، وتكون عبرة لكل من تسول له نفسه تكرار هذه التجارب الفاشلة. إن الشعوب الحرة في العالم، وفي مقدمتها الشعوب العربية والإسلامية، تتابع بقلق وألم ما يجري، وتأمل في أن يسود منطق القانون والعدالة على منطق القوة والغطرسة. لا يمكن للمجتمع الدولي أن يظل متفرجاً صامتاً على هذه الانتهاكات الجسيمة، بل عليه أن يتحمل مسؤوليته في محاكمة المجرمين ووقف العدوان قبل فوات الأوان.
السؤال الجوهري الذي يطرحه المحللون والخبراء بإلحاح اليوم هو: هل يمكن تحقيق "الشرق الأوسط الجديد" الذي تحلم به إسرائيل بالقوة العسكرية وحدها؟ التجارب السابقة في المنطقة وخارجها تشير بوضوح إلى أن إعادة تشكيل الأقاليم والدول بالقوة العسكرية الغاشمة غالباً ما تنتج فوضى عارمة وصراعات ممتدة عبر الأجيال، وليس نظاماً إقليمياً مستقراً أو آمناً. يبقى الخيار الأصعب والأكثر تعقيداً هو العودة إلى طاولة الدبلوماسية والحوار، لكن التصعيد العسكري الحالي وتفاقم الاحتقان على الأرض يجعل هذا الخيار أكثر تعقيداً وإشكالية من أي وقت مضى، خاصة مع دخول أطراف إقليمية ودولية متعددة على خط المواجهة وتحولها إلى صراع مفتوح النتائج.
هذا التحليل الاستراتيجي يعبر عن رؤية الكاتب والباحث حيدر الشبلاوي من أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني، وينطلق من واقع الثورة الإسلامية ومبادئها في الدفاع عن المقدسات وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الهيمنة والوصاية الخارجية، مع الالتزام بالموضوعية والعمق التحليلي في قراءة المشهد الإقليمي المعقد.
حيدر الشبلاوي
اكاديمية الامام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والاعلام الاكتروني .
٨/ ٣/ ٢٠٢٦
مقدمة
في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي، تأتي تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني لتعبر عن رؤية طهران الاستراتيجية للمواجهة الدائرة. هذه التصريحات النارية ليست مجرد خطاب إعلامي عابر، بل تكشف عن قناعة إيرانية راسخة بطبيعة الصراع وأهدافه البعيدة المدى، وتستند إلى قراءة عميقة للتحولات الجيوسياسية في المنطقة. إنها تعكس وعياً استراتيجياً بأن ما يجري يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة إلى معركة وجودية حول مستقبل الشرق الأوسط وهويته وتوازناته. لفهم دلالات هذه التصريحات في سياقها الكامل، لا بد من تحليلها بعمق في إطار الاستراتيجية التي تسعى واشنطن وتل أبيب لتحقيقها، وما تسميه إسرائيل طموحاً "الشرق الأوسط الجديد"، وهو المشروع الذي يثير تساؤلات جوهرية حول مصير الدول القومية في المنطقة ومستقبل الشعوب العربية والإسلامية. هذا التحليل ينطلق من واقع الثورة الإسلامية ومبادئها في الدفاع عن المقدسات وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الهيمنة والوصاية الخارجية، مع الالتزام بالموضوعية والعمق التحليلي في قراءة المشهد الإقليمي المعقد.
حلم ترامب: بين الضغط الأقصى وتغيير النظام
يكشف التحليل المتعمق للتصريحات والتحركات الأمريكية أن إدارة ترامب تتبنى رؤية استراتيجية تتجاوز بكثير مجرد منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لتصل إلى هدف أكثر جذرية وطموحاً. فوفقاً لتحليل خبراء استراتيجيين ومتابعين دقيقين للمشهد، فإن الهدف النهائي الذي ترنو إليه واشنطن في عمقها هو تغيير النظام في إيران ذاتها، وليس فقط تقييد برنامجها النووي أو الصاروخي أو احتواء نفوذها الإقليمي. هذا الطموح يتجاوز منطق الردع التقليدي إلى منطق إعادة الهيكلة الجذرية للنظام السياسي الإيراني، وهو ما يفسر تصريحات ترامب المتعددة التي حث فيها الشعب الإيراني صراحة على "الاستيلاء على حكومتكم" و"استعادة بلدكم"، في خطاب يهدف إلى شق الصف الداخلي وتغذية الاحتقان الشعبي ضد النظام.
لكن ما يلفت الانتباه ويثير الدهشة في الوقت ذاته هو ذلك التخبط الواضح وعدم الاتساق الصارخ في التصريحات الأمريكية الرسمية حول أهداف الحرب الحقيقية. ففي الوقت الذي يتحدث فيه ترامب بلغة تغيير النظام والتحريض على الثورة الداخلية، نجد وزير الدفاع هيغسيث يؤكد في إفادة رسمية أن الحرب "ليست حرب تغيير نظام"، بينما يعبر وزير الخارجية ماركو روبيو عن أمله في "أن يتمكن الشعب الإيراني من الإطاحة بهذه الحكومة" بوصف ذلك أملاً شخصياً لا سياسة رسمية. هذا التناقض العلني يعكس ما وصفه المحللون بدقة بأنه غياب رؤية أمريكية واضحة ومتماسكة، أو كما يقول البروفيسور جون ميرشايمر بصراحته المعهودة: "إسرائيل هي من يمسك بعجلة القيادة"، في إشارة إلى أن واشنطن أصبحت أسيرة للأجندة الإسرائيلية أكثر من كونها صاحبة مشروع استراتيجي مستقل في المنطقة.
الخيارات العسكرية المطروحة أمام ترامب تراوحت بين سيناريوهات متعددة، بدءاً من ضربات جراحية محدودة تستهدف قيادات الحرس الثوري ومراكز القرار، مروراً بمحاولة تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني بشكل شامل، وصولاً إلى الخيار الأكثر خطورة وهو استهداف المرشد الأعلى نفسه في محاولة لقطع رأس النظام. لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه المحللون والخبراء العسكريون بإلحاح: هل يمكن أصلاً تحقيق تغيير النظام من الجو؟ التجارب السابقة في العراق وأفغانستان وليبيا تثبت بما لا يدع مجالاً للشك صعوبة تحقيق ذلك، بل إن الضربات العسكرية الخارجية قد تؤدي في كثير من الحالات إلى تقوية النظام بدلاً من إضعافه، عبر حشد المشاعر الوطنية حوله وتحويل العدوان الخارجي إلى عامل توحيد للداخل المتناحر.
خارطة إسرائيل للشرق الأوسط: ما وراء الستار
عندما يصف لاريجاني ترامب بأنه "وقع في فخ الخداع الإسرائيلي"، فإن هذه المقولة تتجاوز كونها خطاباً دعائياً إلى تعبير عن قناعة إيرانية عميقة بأن إسرائيل هي المحرك الفعلي والرئيسي للتصعيد الحالي، وأن واشنطن أصبحت في موقع التابع الاستراتيجي لا القائد. وتحليلياً وبمراجعة دقيقة للموقف الإسرائيلي، يبدو جلياً أن لإسرائيل أجندة واضحة المعالم تتجاوز الأهداف الأمريكية المعلنة وتتقدم عليها في كثير من النواحي، وتعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى لإعادة تشكيل المنطقة.
إسرائيل اليوم تبحث عن ما تصفه الصحف الإسرائيلية المؤثرة بـ"البيغ بانغ" أو الانفجار العظيم، أي تلك اللحظة التاريخية الفارقة التي تغير قواعد اللعبة في المنطقة برمتها بشكل جذري لا رجعة فيه. وفقاً للمصادر الإسرائيلية الموثوقة، هناك إجماع نادر وغير مسبوق في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على أن "الآن هو الوقت المناسب" لتحقيق تحول تاريخي في إيران، وبالتالي في المنطقة بأكملها، مستغلين انشغال العالم بأزمات أخرى وتوفر غطاء أمريكي غير مسبوق.
ما تسعى إليه إسرائيل بعمق يمكن تفكيكه في إطار استراتيجي متكامل يقوم على عدة أهداف مترابطة بشكل وثيق: أولها إنهاء التهديد الوجودي الذي يمثله النظام الإيراني بالنسبة لإسرائيل، والذي يعتبره الإسرائيليون تهديداً وجودياً بامتياز ليس فقط بسبب برنامجه النووي بل أيضاً بسبب أيديولوجيته الداعية إلى زوال إسرائيل. وثانيها تفكيك المحور الإيراني بالكامل، أي إنهاء قدرة إيران على دعم حماس وحزب الله والحوثيين وغيرهم من حلفائها في المنطقة، لأن استمرار هذا المحور يعني بقاء القدرة على تهديد إسرائيل من عدة جبهات في وقت واحد. وثالثها إعادة تشكيل الشرق الأوسط بشكل كامل، بحيث تصبح إسرائيل مركزاً للقرار الإقليمي والمحور الذي تدور حوله المنطقة دون الحاجة إلى تغيير الخرائط بشكل رسمي، وهو ما يمكن تسميته بالهيمنة الناعمة عبر القوة الصلبة.
هذا المشروع الإسرائيلي الطموح يتجاوز فكرة "التطبيع" التي تم الترويج لها في اتفاقيات أبراهام وغيرها، إلى ما يصفه محللون استراتيجيون بدقة بـ"الإخضاع الاستراتيجي للبيئة الإقليمية"، حيث تصبح إسرائيل مركز الثقل السياسي والأمني والاقتصادي في الشرق الأوسط، وتتحول الدول العربية إلى أطراف تابعة في نظام إقليمي جديد تهيمن عليه تل أبيب. وفي هذا السياق الاستراتيجي، تتحول فكرة "إسرائيل الكبرى" من مشروع ضم جغرافي تقليدي إلى مشروع هيمنة أمنية واقتصادية وثقافية، حيث تكون الحدود السياسية أقل أهمية من حدود النفوذ والتأثير والسيطرة على القرار.
الاستراتيجية الإيرانية: قراءة معمقة في تصريحات لاريجاني
تصريحات لاريجاني المتعددة تعكس بعمق رؤية إيرانية متكاملة تقوم على عدة ثوابت استراتيجية راسخة، تم اختبارها في عقود من المواجهة مع الغرب وإسرائيل، وتستند إلى فهم دقيق لطبيعة الصراع وتوازنات القوة في المنطقة.
تأكيد لاريجاني المتكرر أن واشنطن وصلت إلى نهاية الطريق يعكس ثقة إيرانية عميقة بأن الضربات العسكرية الأمريكية مهما بلغت شدتها لن تحقق أهدافها الاستراتيجية الكبرى، وذلك لسبب بسيط هو أن المعركة الحقيقية ليست عسكرية بالدرجة الأولى بل هي معركة إرادات وصمود، وفي هذا النوع من المعارك يكون الطرف الأكثر قدرة على التحمل هو المنتصر. هذا التحليل يتوافق مع رؤية خبراء استراتيجيين مثل ميرشايمر الذي يعتبر أن إيران تنتصر بمجرد بقائها وصمودها، لأن هدف الخصم النهائي هو إسقاط النظام، والفشل في تحقيقه يعني الهزيمة الاستراتيجية حتى مع تحقيق بعض الانتصارات التكتيكية.
تحذير لاريجاني الخطير من أن إيران ستتولى بنفسها مهمة منع استخدام أراضي الدول المجاورة للاعتداء عليها يعكس استراتيجية إيرانية واضحة لتحويل دول الخليج إلى ورقة ضغط رئيسية في المعادلة، ورسالة واضحة إلى هذه الدول بأن ثمن تسهيل العدوان على إيران سيكون باهظاً وقد يطال أمنها واستقرارها بشكل مباشر. هذا التهديد يتوافق مع ما ورد في تحليلات معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية حول أن إيران تحسب أن إيقاع الألم في دول الخليج سيدفع نحو إنهاء الحرب بسرعة، لأن هذه الدول تملك نفوذاً على واشنطن لا تملكه طهران، وهي رسالة غير مباشرة إلى العواصم الخليجية لممارسة ضغوطها على الإدارة الأمريكية لوقف التصعيد.
تأكيد لاريجاني أن "الشعب الإيراني يقف صفاً واحداً رغم الصعاب" يهدف بشكل واضح إلى نفي الروايات الغربية والإسرائيلية عن انقسام داخلي عميق واستعداد الشعب الإيراني لاستبدال النظام، وهي الروايات التي راهنت عليها واشنطن وتل أبيب كعامل مساعد في تحقيق تغيير النظام من الداخل. هذا التأكيد يتوافق مع تحذيرات المحللين المحايدين من أن "استهداف المرشد قد يطلق فوضى داخل إيران" لا يمكن السيطرة عليها، بدلاً من تحقيق انتقال منظم للسلطة كما يتصور صانعو القرار في واشنطن، وهو ما يجعل من هذا الخيار مغامرة كبرى بنتائج غير مضمونة.
تصريح لاريجاني بأن إيران "لن تترك ترامب يفلت أبداً من العقاب" يعكس استراتيجية الردع الإيرانية القائمة على فرض التكاليف بشكل مؤكد ومستمر، وهي استراتيجية أثبتت فعاليتها في السنوات الماضية. فبعد ساعات فقط من الضربات الأمريكية الأخيرة، أطلقت إيران صواريخها على قواعد أمريكية في البحرين والإمارات والكويت، في رسالة واضحة بأن الرد سيكون فورياً ومؤلماً، وأن قدرة إيران على الوصول إلى المصالح الأمريكية في المنطقة تتجاوز بكثير ما يمكن احتواؤه بالدرع الصاروخية والقواعد العسكرية المحصنة.
مضيق هرمز: الورقة الاقتصادية الاستراتيجية في قلب المواجهة
في خضم هذه المواجهة المحتدمة، يبرز مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية بامتياز، فهو الممر المائي الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج العالم من النفط، وأكثر من ثلث صادرات النفط المنقولة بحراً. إيران، التي تمتد سواحلها على طول المضيق، تمتلك قدرة مؤكدة على تعطيل الملاحة فيه بشكل كامل أو جزئي، وهو ما يشكل تهديداً وجودياً للاقتصاد العالمي وليس فقط لإمدادات الطاقة.
السيناريوهات المحتملة في مضيق هرمز متعددة وخطيرة. ففي حال توسعت دائرة المواجهة العسكرية، يمكن لإيران أن تلجأ إلى خيارات تصعيدية تبدأ بمضايقة ناقلات النفط وتفتيشها، مروراً بزرع الألغام، وصولاً إلى إغلاق المضيق بشكل كامل باستخدام مزيج من القطع البحرية والصواريخ الساحلية والطائرات المسيرة. هذا الإغلاق، حتى لو كان مؤقتاً، سيرسل موجات صادمة عبر الأسواق العالمية، ويرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، ويضرب الاقتصادات المعتمدة على الطاقة في الصميم.
الدول الخليجية، التي تعتمد بشكل شبه كامل على مضيق هرمز لتصدير نفطها، ستكون الأكثر تضرراً من أي تصعيد في المنطقة. هذا الواقع يمنح إيران ورقة ضغط قوية ليس فقط ضد الغرب، بل أيضاً ضد جيرانها في الخليج، الذين يجدون أنفسهم في موقف صعب بين مطرقة الضغوط الأمريكية وسندان التهديدات الإيرانية. كما أن الصين والهند واليابان، أكبر مستوردي النفط من المنطقة، لديها مصالح حيوية في استقرار المضيق، مما قد يدفعها إلى ممارسة ضغوطها على واشنطن لضبط النفس.
ما يزيد الوضع خطورة هو أن أي حادث بحري بسيط في مضيق هرمز يمكن أن يتطور بسرعة إلى مواجهة كبرى، خاصة مع الوجود العسكري المكثف للقوات الأمريكية والبحرية الإيرانية في منطقة ضيقة. لقد شهدنا في السنوات الأخيرة سلسلة من الحوادث المتصاعدة بين الجانبين في الخليج، مما يشير إلى أن شرارة صغيرة قد تكون كافية لإشعال حريق كبير.
تحليل المشهد: من ينتصر في معركة الروايات والاستراتيجيات؟
المشهد الحالي المتأرجح بين الحرب والتهدئة يعكس صراعاً عميقاً بين رؤيتين استراتيجيتين متناقضتين تماماً، كل منهما تبني تقديراتها على قراءة مختلفة لطبيعة الصراع ومآلاته.
الرؤية الأمريكية الإسرائيلية تقوم على فرضية أساسية أن الضربة العسكرية الشاملة يمكن أن تؤدي إلى تغيير النظام في إيران، أو على الأقل تدمير القدرات العسكرية الإيرانية لدرجة تجعلها غير قادرة على تهديد إسرائيل والمصالح الأمريكية لعقود قادمة. لكن هذه الرؤية الطموحة تواجه تحديات استراتيجية كبيرة يصعب تجاهلها، وأبرزها غياب أي خطة واضحة لليوم التالي بعد الضربة، وصعوبة تحقيق تغيير النظام من الجو كما أثبتت التجارب السابقة، وقدرة إيران المؤكدة على فرض تكاليف باهظة عبر صواريخها الباليستية وشبكة وكلائها في المنطقة، وقدرتها على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وإحداث صدمة اقتصادية عالمية، وأخيراً الرفض الواضح من دول المنطقة نفسها للانجرار إلى هذه الحرب التي ستكون ضحيتها الأولى.
الرؤية الإيرانية في المقابل تقوم على فرضية أن الصمود هو الانتصار بعينه، وأن الضربات العسكرية مهما بلغت قوتها لن تكسر إرادة النظام أو الشعب، وأن استمرار المعركة لصالح الطرف الأكثر قدرة على تحمل التكاليف البشرية والمادية. لكن هذه الرؤية تواجه تحديات داخلية كبيرة أيضاً، وأبرزها التدهور المستمر في الوضع الاقتصادي وتأثيره المباشر على الداخل الإيراني ورضا الشعب عن أداء النظام، واستنزاف القدرات العسكرية والصاروخية في مواجهة التفوق التكنولوجي الأمريكي الإسرائيلي الساحق، وأخيراً غموض مصير المرشد الأعلى وتداعيات ذلك المحتملة على استقرار النظام في مرحلة انتقالية حساسة.
الخلاصة: الشرق الأوسط على مفترق طرق مصيري
ما نشهده اليوم في منطقة الشرق الأوسط ليس مجرد جولة جديدة من فصول الصراع الإيراني الإسرائيلي الممتد، بل لحظة مفصلية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يمكن أن تعيد رسم خريطة المنطقة سياسياً وجيوسياسياً لعقود قادمة. تصريحات لاريجاني النارية تعبر عن قناعة إيرانية راسخة بأن ما يجري هو محاولة مكشوفة لـ"تفكيك إيران وتقسيمها"، وهو ما يتوافق مع أدق التحليلات التي ترى أن الهدف الإسرائيلي النهائي يتجاوز البرنامج النووي إلى النظام نفسه وإلى مكانة إيران الإقليمية ودورها في معادلات المنطقة.
لقد أضحت الأفعال الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، تمثل انتهاكاً صارخاً لكل الأعراف والمواثيق الدولية، وتجاوزاً فاضحاً لمبادئ السيادة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. هذه الأفعال العدوانية، التي تأتي في سياقات غير قانونية تماماً، لم تهدد أمن إيران واستقرارها فحسب، بل هددت أمن واستقرار كل دول المنطقة وشعوبها، وعرضت الاقتصاد العالمي لأخطار جسيمة عبر تهديد مضيق هرمز وغيره من الممرات الحيوية.
إن ما فعله ترامب ونتنياهو، وما زالا يفعلانه، هو جريمة بحق الإنسانية جمعاء، ليس فقط بسبب ما يسفكانه من دماء أبرياء، بل بسبب سعيهما المحموم إلى زعزعة استقرار منطقة بأكملها وإشعال حرب شاملة عواقبها وخيمة على الجميع. إنهما يتحملان المسؤولية الجنائية الكاملة عن التصعيد الحالي وعن كل تداعياته الكارثية المحتملة. لقد جنى ترامب على نفسه وعلى بلاده بمغامراته العسكرية غير المحسوبة، وجنى نتنياهو على مستقبل الكيان الذي يقوده بدفع المنطقة نحو صراع لا يضمن أحد نتائجه.
لقد حان الوقت لكي تنتهي هذه الرؤوس العفنة التي تلهث وراء الهيمنة وتهديد سيادة الشعوب، وتكون عبرة لكل من تسول له نفسه تكرار هذه التجارب الفاشلة. إن الشعوب الحرة في العالم، وفي مقدمتها الشعوب العربية والإسلامية، تتابع بقلق وألم ما يجري، وتأمل في أن يسود منطق القانون والعدالة على منطق القوة والغطرسة. لا يمكن للمجتمع الدولي أن يظل متفرجاً صامتاً على هذه الانتهاكات الجسيمة، بل عليه أن يتحمل مسؤوليته في محاكمة المجرمين ووقف العدوان قبل فوات الأوان.
السؤال الجوهري الذي يطرحه المحللون والخبراء بإلحاح اليوم هو: هل يمكن تحقيق "الشرق الأوسط الجديد" الذي تحلم به إسرائيل بالقوة العسكرية وحدها؟ التجارب السابقة في المنطقة وخارجها تشير بوضوح إلى أن إعادة تشكيل الأقاليم والدول بالقوة العسكرية الغاشمة غالباً ما تنتج فوضى عارمة وصراعات ممتدة عبر الأجيال، وليس نظاماً إقليمياً مستقراً أو آمناً. يبقى الخيار الأصعب والأكثر تعقيداً هو العودة إلى طاولة الدبلوماسية والحوار، لكن التصعيد العسكري الحالي وتفاقم الاحتقان على الأرض يجعل هذا الخيار أكثر تعقيداً وإشكالية من أي وقت مضى، خاصة مع دخول أطراف إقليمية ودولية متعددة على خط المواجهة وتحولها إلى صراع مفتوح النتائج.
هذا التحليل الاستراتيجي يعبر عن رؤية الكاتب والباحث حيدر الشبلاوي من أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني، وينطلق من واقع الثورة الإسلامية ومبادئها في الدفاع عن المقدسات وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الهيمنة والوصاية الخارجية، مع الالتزام بالموضوعية والعمق التحليلي في قراءة المشهد الإقليمي المعقد.حيدر الشبلاوي اكاديمية الامام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والاعلام الاكتروني .٨/ ٣/ ٢٠٢٦