|
إدعاء الحرية كذبة اخترعها العقل الجمعي وأسست لها السياسة المراوغة .
اصل الحرية هي الحرية النفسية .
وعليها تأسست ثقافات ملتوية حتى غسل الأدمغة وكي الوعي .
كيف يستطيع الانسان أن يتنازل عن حريته النفسية دون أن يشعر أنه فقدها؟
وهل يبدأ التلاعب حين يسيطر الاخر على سلوكنا، أم حين ينجح في جعلنا نشك في ادراكنا لأنفسنا وواقعنا؟
ليست أخطر أشكال السيطرة تلك التي تأتي في صورة أمر مباشر أو قوةٍ ظاهرة، وانما تلك التي تتسلل الى النفس بهدوء حتى يظن الانسان أنه يتصرف بارادته الحرة،
بينما تكون اختياراته قد تشكلت تحت تأثير الخوف أو الذنب أو الحاجة الى القبول .
عناوين تربوية :
١- ما يتزوج أمنا تناديه يا عمنا .
٢- كل الامهات تبكي وأمي لا تبكي .
٣- اليد التي لا تستطيع عضها فلوسها وادعي لها بالكسر .
قواعد تربوية رسخت فينا كل العوامل الدونية .
من هنا يمكن فهم التلاعب النفسي بوصفه محاولة للتأثير في إدراك الانسان لذاته وللواقع وللاخر. فالمتلاعب لا يحتاج دائما الى أن يمنعك من الكلام؛ يكفي أحيانا أن يجعلك تشك في كلامك.
ولا يحتاج الى اجبارك على الاعتذار؛ يكفي أن يجعلك تشعر بأنك مذنب حتى تطلب أنت الصفح عن شيء لم تفعله.
وهنا تظهر أهمية سيغموند فرويد. فقد كشف التحليل النفسي أن الانسان ليس شفافا تماما أمام نفسه، وأن جزءا من دوافعه ورغباته يعمل في منطقة اللاوعي. فالانسان قد يعتقد أنه يعرف سبب اختياره، بينما تكون وراء هذا الاختيار حاجات ودوافع أعمق لا يعيها بصورة كاملة.
ومن هذه النقطة يمكن فهم قوة التلاعب :
انه لا يخترع نقاط ضعف الانسان من العدم، بل يبحث عن الأبواب الموجودة أصلا في داخله.
الخوف من الهجر، الحاجة الى الحب، الشعور بالذنب، الرغبة في ارضاء الاخرين أو الخوف من فقدانهم؛ كلها يمكن أن تتحول الى مداخل للسيطرة عندما تستغل بصورة واعية.
أما كارل غوستاف يونغ، فقد منحنا مفهوما أكثر عمقا لفهم العلاقة بين الانسان وظلاله النفسية.
فالـظل عند يونغ يمثل جوانب من الشخصية لا يريد الانسان الاعتراف بها أو يفضل ابعادها عن وعيه .
وكلما كان الانسان عاجزا عن مواجهة جوانبه الداخلية، أصبح أكثر عرضة لأن يسقطها على الاخرين أو لأن يستغل الاخرون نقاطه غير الواعية.
ولهذا قد يكون الانسان شديد الحساسية تجاه الاتهام لأنه يحمل داخله شعورا عميقا بالذنب، وقد يخاف من الرفض لأنه لم يتصالح مع حاجته الى القبول .
وهنا لا يصبح المتلاعب هو الذي خلق نقطة الضعف ، بل هو الذي اكتشفها واستثمر فيها .
ومن أخطر الأساليب التي تكشف طبيعة التلاعب التشكيك المستمر في ادراك الانسان .
حين يقال له باستمرار : أنت تتوهم
أنت حساس جدا
، هذا لم يحدث
أنت تفهم الأمور خطأ
قد يبدأ تدريجيا في فقدان ثقته بحكمه الخاص.
وهنا لا تعود السيطرة خارجية فقط؛ اذ ينتقل المتلاعب من السيطرة على الشخص الى السيطرة على علاقته بنفسه .
####وهذه هي النقطة الأكثر خطورة :
أن يصبح الانسان بحاجة الى الاخر كي يخبره بما رأى، وما شعر به، وما اذا كان محقا أم مخطئا . ####
أما الابتزاز العاطفي، فيعمل بطريقة مختلفة .
فهو لا يقول دائما :
افعل ما أريد والا عاقبتك ،
بل قد يقول بصورة غير مباشرة:
إذا كنت تحبني لفعلت ذلك
أو بعد كل ما فعلته من أجلك تفعل بي هذا ؟ .
وهنا يتحول الحب من علاقة حرة الى أداة ضغط، ويتحول الضمير من قوة أخلاقية الى وسيلة لاجبار الانسان .
والصمت العقابي مثال اخر على تحويل العلاقة الى مساحة للسيطرة .
فالصمت في ذاته ليس تلاعبا ؛
قد يكون أحيانا حاجة الى الهدوء أو الانسحاب من الصراع .
لكنه يصبح أداة تلاعب عندما يستخدم عمدا لاثارة القلق واجبار الطرف الاخر على الاعتذار أو الخضوع أو مطاردة الشخص الصامت .
وكذلك الأمر في الاغراق العاطفي ثم الانسحاب.
فحين يمنح الانسان اهتماما استثنائيا ثم يسحب منه فجأة، قد يبدأ في مطاردة الاهتمام الذي فقده. وهنا تتحول العلاقة الى دائرة من التوتر والمكافأة والحرمان، بدل أن تكون علاقة مستقرة قائمة على الحرية والاحترام .
لكن السؤال الفلسفي الأهم ليس : كيف يتلاعب الاخرون بنا؟ بل : لماذا نسمح أحيانا لهذا التلاعب بأن يستمر؟ .
لا يعني ذلك تحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له، وانما يعني البحث في المنطقة التي تجعل الانسان أكثر قابلية للتأثر .
فالانسان الذي لم يتعلم وضع الحدود، أو الذي يربط قيمته برضا الاخرين، أو الذي يخاف فقدان العلاقات مهما كانت مؤذية، قد يجد صعوبة في مقاومة الضغط النفسي .
وهنا تصبح معرفة الذات شكلا من أشكال الحرية .
فكلما عرف الانسان مخاوفه وحاجاته وحدوده، أصبح من الصعب على الاخر أن يستخدمها ضده .
وكلما استطاع أن يقول لا دون أن يغرق في الشعور بالذنب، استعاد جزءا من استقلاله النفسي .
ان الحرية، بهذا المعنى، ليست مجرد أن تفعل ما تريد؛ انها أيضا أن تعرف لماذا تريد ما تريد .
وهذه الفكرة تلتقي بصورة عميقة مع التحليل النفسي عند فرويد ويونغ : فالإنسان الذي لا يعرف دوافعه الخفية قد يصبح أسيرا لها، بينما تساعده معرفة ذاته على تحويل ما كان يعمل في الظلام الى شيء يمكن رؤيته وفهمه ومواجهته .
لذلك فان مواجهة التلاعب لا تبدأ بمحاولة كشف نوايا الاخرين، لأننا لن نستطيع دائما معرفة ما يدور داخل عقولهم، وانما تبدأ من استعادة العلاقة مع الذات :
أن نثق بادراكنا دون أن نرفض المراجعة، وأن نضع حدودا دون عدوان، وأن نفرق بين الحب والخضوع، وبين التسامح والتنازل عن الكرامة، وبين الشعور بالذنب والمسؤولية الحقيقية.
ان أخطر ما يمكن أن يفعله المتلاعب ليس أن يجبرك على فعل شيء لا تريده، بل أن يجعلك تريد الشيء الذي يريده هو، ثم تقنع نفسك بأن القرار كان قرارك أنت .
وهنا يصبح السؤال عن التلاعب سؤالا عن الحرية نفسها :
هل نحن أحرار حقا عندما تكون قراراتنا صادرة عن مخاوف لم نكتشفها، وحاجات لم نفهمها، وصورة عن أنفسنا صنعها الاخرون داخلنا ؟ .
الشيخ: محمد علي درويش
إدعاء الحرية كذبة اخترعها العقل الجمعي وأسست لها السياسة المراوغة .اصل الحرية هي الحرية النفسية . وعليها تأسست ثقافات ملتوية حتى غسل الأدمغة وكي الوعي .كيف يستطيع الانسان أن يتنازل عن حريته النفسية دون أن يشعر أنه فقدها؟ وهل يبدأ التلاعب حين يسيطر الاخر على سلوكنا، أم حين ينجح في جعلنا نشك في ادراكنا لأنفسنا وواقعنا؟ليست أخطر أشكال السيطرة تلك التي تأتي في صورة أمر مباشر أو قوةٍ ظاهرة، وانما تلك التي تتسلل الى النفس بهدوء حتى يظن الانسان أنه يتصرف بارادته الحرة، بينما تكون اختياراته قد تشكلت تحت تأثير الخوف أو الذنب أو الحاجة الى القبول .عناوين تربوية : ١- ما يتزوج أمنا تناديه يا عمنا .٢- كل الامهات تبكي وأمي لا تبكي .٣- اليد التي لا تستطيع عضها فلوسها وادعي لها بالكسر . قواعد تربوية رسخت فينا كل العوامل الدونية .من هنا يمكن فهم التلاعب النفسي بوصفه محاولة للتأثير في إدراك الانسان لذاته وللواقع وللاخر. فالمتلاعب لا يحتاج دائما الى أن يمنعك من الكلام؛ يكفي أحيانا أن يجعلك تشك في كلامك. ولا يحتاج الى اجبارك على الاعتذار؛ يكفي أن يجعلك تشعر بأنك مذنب حتى تطلب أنت الصفح عن شيء لم تفعله.وهنا تظهر أهمية سيغموند فرويد. فقد كشف التحليل النفسي أن الانسان ليس شفافا تماما أمام نفسه، وأن جزءا من دوافعه ورغباته يعمل في منطقة اللاوعي. فالانسان قد يعتقد أنه يعرف سبب اختياره، بينما تكون وراء هذا الاختيار حاجات ودوافع أعمق لا يعيها بصورة كاملة.ومن هذه النقطة يمكن فهم قوة التلاعب : انه لا يخترع نقاط ضعف الانسان من العدم، بل يبحث عن الأبواب الموجودة أصلا في داخله. الخوف من الهجر، الحاجة الى الحب، الشعور بالذنب، الرغبة في ارضاء الاخرين أو الخوف من فقدانهم؛ كلها يمكن أن تتحول الى مداخل للسيطرة عندما تستغل بصورة واعية.أما كارل غوستاف يونغ، فقد منحنا مفهوما أكثر عمقا لفهم العلاقة بين الانسان وظلاله النفسية. فالـظل عند يونغ يمثل جوانب من الشخصية لا يريد الانسان الاعتراف بها أو يفضل ابعادها عن وعيه . وكلما كان الانسان عاجزا عن مواجهة جوانبه الداخلية، أصبح أكثر عرضة لأن يسقطها على الاخرين أو لأن يستغل الاخرون نقاطه غير الواعية.ولهذا قد يكون الانسان شديد الحساسية تجاه الاتهام لأنه يحمل داخله شعورا عميقا بالذنب، وقد يخاف من الرفض لأنه لم يتصالح مع حاجته الى القبول . وهنا لا يصبح المتلاعب هو الذي خلق نقطة الضعف ، بل هو الذي اكتشفها واستثمر فيها .ومن أخطر الأساليب التي تكشف طبيعة التلاعب التشكيك المستمر في ادراك الانسان . حين يقال له باستمرار : أنت تتوهم أنت حساس جدا، هذا لم يحدثأنت تفهم الأمور خطأ قد يبدأ تدريجيا في فقدان ثقته بحكمه الخاص.وهنا لا تعود السيطرة خارجية فقط؛ اذ ينتقل المتلاعب من السيطرة على الشخص الى السيطرة على علاقته بنفسه . ####وهذه هي النقطة الأكثر خطورة : أن يصبح الانسان بحاجة الى الاخر كي يخبره بما رأى، وما شعر به، وما اذا كان محقا أم مخطئا . ####أما الابتزاز العاطفي، فيعمل بطريقة مختلفة . فهو لا يقول دائما : افعل ما أريد والا عاقبتك ، بل قد يقول بصورة غير مباشرة: إذا كنت تحبني لفعلت ذلك أو بعد كل ما فعلته من أجلك تفعل بي هذا ؟ . وهنا يتحول الحب من علاقة حرة الى أداة ضغط، ويتحول الضمير من قوة أخلاقية الى وسيلة لاجبار الانسان .والصمت العقابي مثال اخر على تحويل العلاقة الى مساحة للسيطرة . فالصمت في ذاته ليس تلاعبا ؛ قد يكون أحيانا حاجة الى الهدوء أو الانسحاب من الصراع . لكنه يصبح أداة تلاعب عندما يستخدم عمدا لاثارة القلق واجبار الطرف الاخر على الاعتذار أو الخضوع أو مطاردة الشخص الصامت .وكذلك الأمر في الاغراق العاطفي ثم الانسحاب. فحين يمنح الانسان اهتماما استثنائيا ثم يسحب منه فجأة، قد يبدأ في مطاردة الاهتمام الذي فقده. وهنا تتحول العلاقة الى دائرة من التوتر والمكافأة والحرمان، بدل أن تكون علاقة مستقرة قائمة على الحرية والاحترام .لكن السؤال الفلسفي الأهم ليس : كيف يتلاعب الاخرون بنا؟ بل : لماذا نسمح أحيانا لهذا التلاعب بأن يستمر؟ .لا يعني ذلك تحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له، وانما يعني البحث في المنطقة التي تجعل الانسان أكثر قابلية للتأثر . فالانسان الذي لم يتعلم وضع الحدود، أو الذي يربط قيمته برضا الاخرين، أو الذي يخاف فقدان العلاقات مهما كانت مؤذية، قد يجد صعوبة في مقاومة الضغط النفسي .وهنا تصبح معرفة الذات شكلا من أشكال الحرية .فكلما عرف الانسان مخاوفه وحاجاته وحدوده، أصبح من الصعب على الاخر أن يستخدمها ضده . وكلما استطاع أن يقول لا دون أن يغرق في الشعور بالذنب، استعاد جزءا من استقلاله النفسي .ان الحرية، بهذا المعنى، ليست مجرد أن تفعل ما تريد؛ انها أيضا أن تعرف لماذا تريد ما تريد .وهذه الفكرة تلتقي بصورة عميقة مع التحليل النفسي عند فرويد ويونغ : فالإنسان الذي لا يعرف دوافعه الخفية قد يصبح أسيرا لها، بينما تساعده معرفة ذاته على تحويل ما كان يعمل في الظلام الى شيء يمكن رؤيته وفهمه ومواجهته .لذلك فان مواجهة التلاعب لا تبدأ بمحاولة كشف نوايا الاخرين، لأننا لن نستطيع دائما معرفة ما يدور داخل عقولهم، وانما تبدأ من استعادة العلاقة مع الذات : أن نثق بادراكنا دون أن نرفض المراجعة، وأن نضع حدودا دون عدوان، وأن نفرق بين الحب والخضوع، وبين التسامح والتنازل عن الكرامة، وبين الشعور بالذنب والمسؤولية الحقيقية.ان أخطر ما يمكن أن يفعله المتلاعب ليس أن يجبرك على فعل شيء لا تريده، بل أن يجعلك تريد الشيء الذي يريده هو، ثم تقنع نفسك بأن القرار كان قرارك أنت .وهنا يصبح السؤال عن التلاعب سؤالا عن الحرية نفسها :هل نحن أحرار حقا عندما تكون قراراتنا صادرة عن مخاوف لم نكتشفها، وحاجات لم نفهمها، وصورة عن أنفسنا صنعها الاخرون داخلنا ؟ .الشيخ: محمد علي درويش
|