
(محاولة فهم جديدة في الصراع الوجودي بين مشروع التوحيد ومشروع الهيمنة العالمية)
الكاتب والباحث: حيدر الشبلاوي
الجهة: أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات / قسم تاريخ النهضة الحسينية
موقع الدراسة: معركة الطف – كربلاء المقدسة
التاريخ: ١٠ محرم الحرام ١٤٤٨ هـ
المقدمة: محاولة فهم جديدة.. كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء
إن هذه الدراسة الأكاديمية هي محاولة فهم جديدة، تنطلق من رؤية أن واقعة الطف ليست حدثاً تاريخياً منقضياً، بل هي حالة وجودية متجددة في كل يوم عاشوراء، وعلى كل أرض كربلاء. نحن نقرأ النهضة الحسينية اليوم بعيون تبحث عن خلاص الأمة من وهن التبعية، ومن أكذوبة أن القوى المادية هي وحدها التي تنتصر.
إن السؤال الذي نضعه بين يدي القارئ هو: كيف يمكن لروح الإيمان المجردة أن تهزم جيوش المال والسلاح والإعلام؟ هذا ما سنحلله عبر مقاربة الأنطولوجيا الإيمانية، التي تجعل من الصراع مع الطغاة صراعاً وجودياً بين الحق والعدم، لا بين جيش وآخر.
المحور الأول: الأنطولوجيا الإيمانية والثبات الوجودي في مواجهة الطاغوت
إن تحليل موقف الإمام الحسين (عليه السلام) لا يندرج تحت علم النفس المعرفي المجرد (الإبستمولوجيا) فحسب، بل هو من صميم "الأنطولوجيا الإيمانية"؛ أي أن وجود المؤمن الحقيقي لا يتحقق إلا بالله، وقوته بعزته، وثباته بقدرته. حين قال الإمام: "إني لا أرى الموت إلا سعادة"، أعلن أن حياته الحقيقية ليست في هذا الجسد الفاني، بل في روحه المرتبطة بالخالق.
وقد تجسد هذا المعنى في موقف أخيه أبي الفضل العباس (عليه السلام) حين قال: "والله لو قطعتموا يميني، إني أُحامي أبداً عن ديني، وعن إمام صادق يقيني". هذا المشهد يوضح أن المؤمن في مسؤولياته لمواجهة الظالمين ليس أمامه سوى خيارين لا ثالث لهما: إما الانتصار للإسلام الصحيح والدين والمقدسات، وإما الخضوع. وقد أمر الله تعالى في محكم كتابه: {وَلَا تَتَّخِذُوا الظَّالِمِينَ عَضُدًا} (سورة هود: ١١٣).
أما الطغاة (يزيد، عمر بن سعد، ابن زياد)، فرغم إمكاناتهم المادية الهائلة، كانوا في حالة "عدم وجودي"؛ لأنهم انقطعوا عن الله، فتحولت قوتهم إلى وهن، وسلاحهم إلى سيفٍ ذبحهم من الوريد إلى الوريد. وفي هذه المساحة المحدودة، وقف الإمام الحسين بكل عياله وأصحابه وأهل بيته، مظهراً روحاً فولاذية أمام الطغاة، وجعل شعاره: "هيهات منا الذلة"، رافعاً راية التوحيد.
المحور الثاني: انحسام المعركة وانهيار المنطق المادي (انتصار الوجود على العدم)
لقد انحسمت المعركة بالنصر الإيماني والروحي، بينما اعتمد الأعداء على قواهم المادية وإمكاناتهم المجهزة من قبل عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد، الذين كانوا ينتظرون الهدايا الثمينة ويملؤون ركابهم فضة وذهباً. وهكذا دار أمرهم؛ فانتهت المادة وتحولت عليهم كالسيف الذي ذبحهم من الوريد إلى الوريد، فلا دنيا نالوها ولا آخرة أدركوها.
إن دور المختار الثقفي والتوابين شاهد على أن الأمة الكوفية قد انتبهت من غفلتها، وأدركت أن من يتبع الشيطان لا يأتيه إلا سواد الوجه ومزبلة التاريخ، ومصيرهم إلى جهنم وبئس المصير. لقد قالها الإمام (عليه السلام) سابقاً، واستمرت القضية الحسينية دافعاً لمعارك جديدة، وصولاً إلى ثورة في الشام بقيادة بطلة كربلاء السيدة زينب (عليها السلام).
المحور الثالث: الحرب الوجودية في الشام ودور السيدة زينب (عليها السلام)
لم تكتف السيدة زينب (عليها السلام) بالصبر، بل شنّت حرباً وجوديةً وإيمانيةً حادة حين قالت في خطبتها الطويلة: "أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا؟!".
استمرت النهضة داخل الشام، في قصر الطاغية يزيد، حتى تحول الحزن إلى وعي لدى المجتمع، ولا سيما بعد تأثير كلامها على زوجة يزيد (هند) وبعض نساء القصر. تلك الروح الحسينية التي حملتها السيدة زينب رغم المعاناة والمآسي، جعلتها قائدة ميدانية في كل المواقف، تواجه الطغاة بأقوى سلاح: الإيمان والعقيدة. هذه النفس الأبية هي الحرب الأنطولوجية الحقيقية التي تنهي هيمنة الطغاة على الشعوب، فقد أفشلت بطلة كربلاء كل مشاريع الكفر والاستبداد والاحتكار الأموي.
المحور الرابع: التناقضات الكوفية ودروس العبرة في ضوء الأنطولوجيا الإيمانية
إن هذه الدراسة الأكاديمية تهدف إلى قراءة واضحة ومحاولة فهم جديد للقضية الحسينية، التي منبعها وجذورها القرآن الكريم والدستور العادل. لقد حاكم القرآن أعداء الدين بحركة التوابين ودور المختار الذي أكمل الواجب الشرعي، وحكم لفترة قصيرة بحكم الإمام علي (عليه السلام). ورغم التناقضات التي حصلت في المجتمع الكوفي، وتضحيات التوابين، وضعف توجهات بعض القبائل التي تخاذلت أو جلست متقاعسة بسبب دور الزبيريين (مصعب بن الزبير) الذي احتل كرسي يزيد باسم القرآن والدين، وباسم الحياة والعيش المريح وتقديم المال وشراء الذمم.
لقد حصد أهل الكوفة نتائج تخاذلهم مع مسلم بن عقيل حتى معركة الطف والشام، واستشهاد الرجال المؤمنين من التوابين. وما جناه الدجل والشعوذة من الزبيريين من تقديم المال والهدايا لم ينتصر على المختار، ولم يتأخر إبراهيم بن مالك الأشتر لولا تلك التناقضات المجتمعية. ولو كانت القيادة موحدة لدى التوابين بعد استشهادهم، لاستقامت البوابة التي يريدها الإسلام.
المحور الخامس: المبادئ الإسلامية مقابل الأساطير الغربية (الوجود الزائف)
لا يمكننا الحفاظ على المبادىء دون الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والأخلاق الفاضلة، وليس بالثقل الفكري الذي يطرحه أصحاب الليبرالية والعلمانية، بقياس ازدواجية المعايير، وبما يحملونه من شعارات باسم الإنسانية والحرية والديمقراطية. إن هذه الأساطير لا وجود لها مقابل الإسلام الصحيح، وهي تمثل "وجوداً زائفاً" لا يستند إلى ثابت رباني. ولا وطن بلا عقيدة راسخة تحتكم إلى الدين الإسلامي وثوابته. فما قيمة الوطن أمام الفاسدين والناقضين للعهود، والتابعين للصهيونية العالمية ومغامرات أمريكا وإسرائيل؟!
إن المقاومة الإسلامية هي مشروع تغيير وعطاء، وإيمان، وثقافة، ووعي مجتمعي، وإصلاح للفساد الإداري والاجتماعي والاقتصادي، والدفاع عن الإسلام والمبادئ الإسلامية أولاً، واتباع أولياء الأمور.
المحور السادس: بناء المجتمع الرصين على أسس الأنطولوجيا الحسينية (مقاومة العدم الفكري)
إن المقاومة الفكرية التي ندعو إليها هي بناء مجتمعنا في جامعاتنا، ومعاهدنا، ومدارسنا، ومناهجنا الصحيحة، لا الملوثة، ولا الفكر المنحل، ولا الأخلاق المعدومة. وينبغي أن تكون مؤسسات الدولة والمجتمع رصينة، تستلهم قواها من النهضة الحسينية؛ لأنها دروس وعبر، بدلاً من الكفر والفساد والانحطاط.
ليس من السعادة أن نبني دولة يغلب على أكثر مسؤوليها التبعية لأجندة خارجية لا تحترم القيم الأخلاقية والإنسانية، فتكون هشة أو جبانة؛ لأنها لم تُبنَ على قاعدة راسخة كما بناها الإمام الحسين (عليه السلام)؛ فالأساس في الوجود بهذه الحياة هو الإيمان بالله واليوم الآخر، والرقابة الذاتية (الضمير الرقابي الداخلي)، إلى جانب الرقابة الظاهرية.
لا يمكن بناء دولة قوية صالحة مثالية ما لم نُدرك أن دورها ومسؤوليتها مشتركة بين من يتولى المسؤولية وعنده دين وقيمة إسلامية وأخلاقية، وبين من لا يملك حتى ضميراً حياً لكونه جباناً. وهذا ما رفضه الإمام الحسين (عليه السلام)؛ إذ رفض أن يتغلب عليهم طغيان المستكبرين والمتجبرين، وأتباع الطاغية يزيد ومن معه، وإعلامه القذر الملعون الذي فكك المجتمع وضلل الرأي العام. وهذا من أخطر أنواع الثقافة الممنهجة التي تُمارس ضد الدين والإنسانية.
المحور السابع: الغزو الفكري المعاصر وإسقاطات النموذج الأموي – محاولة فهم جديدة للصراع الحضاري
ليشهد العالم، وليتعلم الجهلاء، بأن الغزو الفكري الذي يُروَّج له اليوم تحت مسميات الحرية والديمقراطية المفرطة ليس إلا مشروعاً شيطانياً بامتياز، تقوده أمريكا – الشيطان الأكبر والغدة السرطانية لفساد العالم والمجتمع العربي والإسلامي. إن هذا المشروع يحاكي تماماً الفهم الأموي الجبري؛ فكما استخدم الأمويون المال والإعلام القذر لتفكيك المجتمع الكوفي وتضليل الرأي العام، تستخدم اليوم القوى الاستكبارية شعاراتها الزائفة من أجل الهيمنة والسيطرة على المقدرات، وتروج للأكذوبة الكبرى بأن القوى المادية هي وحدها التي تنتصر.
هذا التضليل هو سبب عدم استقرار العالم، وإبقائه مهدداً تحت قواها المادية؛ لأنهم يريدون تحويل المنطقة العربية إلى دمار شامل، واحتلال البلدان، وتدمير مقدراتها باسم الحرية المزيفة، مروّجين لفكرة أن الإسلام الصحيح هو من يهدد العالم. لكن الحقيقة التي انكشفت هي أن أعداء الدين الصحيح هم أعداء الإنسانية؛ فهم جنود الشيطان، وندٌّ للإسلام الصحيح، يسعون إلى تشويه صورته، ويعتبرون وجودهم هو المشروع الأمريكي - الإسرائيلي للتكفير والإجرام.
وما فعلته بعض الأنظمة التابعة (كالوهابية، والإمارات، وقطر، وحركات الإخوان التكفيريين) من تطبيع وتبعية مأجورة، ليس سوى امتداد لهذا المشروع؛ إذ يروجون للنصر بالقوة والولوج والبقاء على الحكم، والتلاعب بمقدرات الشعوب، ونشر ثقافة الفساد المالي والإداري والاستبداد، كما فعل آل سعود الوهابية وحركاتهم التكفيرية التي تدّعي الإسلام، بينما هم لا يملكون قيماً ولا مبادئ.
إن الإسلام الحقيقي، دين محمد (صلى الله عليه وآله)، له قراءة روحية ثابتة قوية بإرادة الله ورسالة نبيه نبي الرحمة والإنسانية، نبي الأخلاق في كل شيء، نبي الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا تعرف تكفير المسلمين بعضهم البعض. أما المشروع الصهيوني الإسرائيلي - الأمريكي في المنطقة، فقد فشل فشلاً ذريعاً أمام هذه النهضة الحسينية التي هي إحياء للإسلام وامتداد لرسالة محمد وآله الطاهرين، وستستمر حتى ظهور الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه الشريف).
وفي ختام هذا المحور، نستحضر وعد الله الصادق لمن ينصره: قال تعالى في محكم كتابه: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (سورة محمد: ٧). فأي نصرٍ بغير نصرة الله هو وهمٌ زائل، وأي قوةٍ لا تستند إلى الإيمان هي عدمٌ وفناء.
الخاتمة: التعزية والتجديد للعهد، والنصر الأنطولوجي الأبدي
وهكذا، تبقى قضية الحسين (عليه السلام) هي الأنموذج الأسمى للانتصار الأنطولوجي الإيماني، حيث يتحقق النصر بانتصار الروح المرتبطة بالخالق على عبودية المادة والطاغوت. هذه المدرسة المفتوحة تقدم لكل مجتمع منهاجاً في المقاومة والبناء، قوامه الإيمان، وعدته اليقين، وغايته رضا الله، فلا يبالي بكثرة العدو ولا بفقر العدة، لأن الله مع المؤمنين، والنصر من عنده.
نختم هذه الدراسة بتعزية مولانا صاحب العصر والزمان، الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه الشريف)، وإلى المراجع والعلماء، وعلى رأسهم المرجع الكبير الإمام السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله العالي). كما نعزي أمناء العتبات المقدسة (الحسينية، والعباسية، والعلوية، والكاظمية، والعسكرية في سامراء)، ووكلاء المرجعية الأمناء، والمثقفين، وأصحاب الخدمة الحسينية، والمسؤولين الوطنيين، والمعلمين، والمحامين، والحقوقيين، والإعلاميين، وأبناء الحوزات العلمية، والمهندسين، وكل من شارك في خدمة مواكب الإمام الحسين (عليه السلام)، وتأسيس مجالس العزاء، وتعظيم شعائر الله، فإنها من تقوى القلوب.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، ولعن الله أعداءهم إلى قيام يوم الدين.
قائمة المصادر التاريخية المعتمدة (من أمهات الكتب والمقاتل):
1. تاريخ الطبري - محمد بن جرير الطبري (أحداث سنة ٦١ هـ).
2. مقتل الحسين (عليه السلام) - أبو مخنف الأزدي (رواية لوط بن يحيى).
3. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد - الشيخ المفيد (باب مقتل الحسين).
4. اللهوف على قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس الحسني.
5. نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم - الشيخ عباس القمي.
6. البداية والنهاية - ابن كثير الدمشقي (أحداث الفتنة).
7. أنساب الأشراف - البلاذري (أخبار أهل البيت ومقتل الحسين).
(محاولة فهم جديدة في الصراع الوجودي بين مشروع التوحيد ومشروع الهيمنة العالمية)
الكاتب والباحث: حيدر الشبلاويالجهة: أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات / قسم تاريخ النهضة الحسينيةموقع الدراسة: معركة الطف – كربلاء المقدسةالتاريخ: ١٠ محرم الحرام ١٤٤٨ هـ
المقدمة: محاولة فهم جديدة.. كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء
إن هذه الدراسة الأكاديمية هي محاولة فهم جديدة، تنطلق من رؤية أن واقعة الطف ليست حدثاً تاريخياً منقضياً، بل هي حالة وجودية متجددة في كل يوم عاشوراء، وعلى كل أرض كربلاء. نحن نقرأ النهضة الحسينية اليوم بعيون تبحث عن خلاص الأمة من وهن التبعية، ومن أكذوبة أن القوى المادية هي وحدها التي تنتصر.إن السؤال الذي نضعه بين يدي القارئ هو: كيف يمكن لروح الإيمان المجردة أن تهزم جيوش المال والسلاح والإعلام؟ هذا ما سنحلله عبر مقاربة الأنطولوجيا الإيمانية، التي تجعل من الصراع مع الطغاة صراعاً وجودياً بين الحق والعدم، لا بين جيش وآخر.
المحور الأول: الأنطولوجيا الإيمانية والثبات الوجودي في مواجهة الطاغوت
إن تحليل موقف الإمام الحسين (عليه السلام) لا يندرج تحت علم النفس المعرفي المجرد (الإبستمولوجيا) فحسب، بل هو من صميم "الأنطولوجيا الإيمانية"؛ أي أن وجود المؤمن الحقيقي لا يتحقق إلا بالله، وقوته بعزته، وثباته بقدرته. حين قال الإمام: "إني لا أرى الموت إلا سعادة"، أعلن أن حياته الحقيقية ليست في هذا الجسد الفاني، بل في روحه المرتبطة بالخالق.وقد تجسد هذا المعنى في موقف أخيه أبي الفضل العباس (عليه السلام) حين قال: "والله لو قطعتموا يميني، إني أُحامي أبداً عن ديني، وعن إمام صادق يقيني". هذا المشهد يوضح أن المؤمن في مسؤولياته لمواجهة الظالمين ليس أمامه سوى خيارين لا ثالث لهما: إما الانتصار للإسلام الصحيح والدين والمقدسات، وإما الخضوع. وقد أمر الله تعالى في محكم كتابه: {وَلَا تَتَّخِذُوا الظَّالِمِينَ عَضُدًا} (سورة هود: ١١٣).أما الطغاة (يزيد، عمر بن سعد، ابن زياد)، فرغم إمكاناتهم المادية الهائلة، كانوا في حالة "عدم وجودي"؛ لأنهم انقطعوا عن الله، فتحولت قوتهم إلى وهن، وسلاحهم إلى سيفٍ ذبحهم من الوريد إلى الوريد. وفي هذه المساحة المحدودة، وقف الإمام الحسين بكل عياله وأصحابه وأهل بيته، مظهراً روحاً فولاذية أمام الطغاة، وجعل شعاره: "هيهات منا الذلة"، رافعاً راية التوحيد.
المحور الثاني: انحسام المعركة وانهيار المنطق المادي (انتصار الوجود على العدم)
لقد انحسمت المعركة بالنصر الإيماني والروحي، بينما اعتمد الأعداء على قواهم المادية وإمكاناتهم المجهزة من قبل عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد، الذين كانوا ينتظرون الهدايا الثمينة ويملؤون ركابهم فضة وذهباً. وهكذا دار أمرهم؛ فانتهت المادة وتحولت عليهم كالسيف الذي ذبحهم من الوريد إلى الوريد، فلا دنيا نالوها ولا آخرة أدركوها.إن دور المختار الثقفي والتوابين شاهد على أن الأمة الكوفية قد انتبهت من غفلتها، وأدركت أن من يتبع الشيطان لا يأتيه إلا سواد الوجه ومزبلة التاريخ، ومصيرهم إلى جهنم وبئس المصير. لقد قالها الإمام (عليه السلام) سابقاً، واستمرت القضية الحسينية دافعاً لمعارك جديدة، وصولاً إلى ثورة في الشام بقيادة بطلة كربلاء السيدة زينب (عليها السلام).
المحور الثالث: الحرب الوجودية في الشام ودور السيدة زينب (عليها السلام)
لم تكتف السيدة زينب (عليها السلام) بالصبر، بل شنّت حرباً وجوديةً وإيمانيةً حادة حين قالت في خطبتها الطويلة: "أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا؟!".استمرت النهضة داخل الشام، في قصر الطاغية يزيد، حتى تحول الحزن إلى وعي لدى المجتمع، ولا سيما بعد تأثير كلامها على زوجة يزيد (هند) وبعض نساء القصر. تلك الروح الحسينية التي حملتها السيدة زينب رغم المعاناة والمآسي، جعلتها قائدة ميدانية في كل المواقف، تواجه الطغاة بأقوى سلاح: الإيمان والعقيدة. هذه النفس الأبية هي الحرب الأنطولوجية الحقيقية التي تنهي هيمنة الطغاة على الشعوب، فقد أفشلت بطلة كربلاء كل مشاريع الكفر والاستبداد والاحتكار الأموي.
المحور الرابع: التناقضات الكوفية ودروس العبرة في ضوء الأنطولوجيا الإيمانية
إن هذه الدراسة الأكاديمية تهدف إلى قراءة واضحة ومحاولة فهم جديد للقضية الحسينية، التي منبعها وجذورها القرآن الكريم والدستور العادل. لقد حاكم القرآن أعداء الدين بحركة التوابين ودور المختار الذي أكمل الواجب الشرعي، وحكم لفترة قصيرة بحكم الإمام علي (عليه السلام). ورغم التناقضات التي حصلت في المجتمع الكوفي، وتضحيات التوابين، وضعف توجهات بعض القبائل التي تخاذلت أو جلست متقاعسة بسبب دور الزبيريين (مصعب بن الزبير) الذي احتل كرسي يزيد باسم القرآن والدين، وباسم الحياة والعيش المريح وتقديم المال وشراء الذمم.لقد حصد أهل الكوفة نتائج تخاذلهم مع مسلم بن عقيل حتى معركة الطف والشام، واستشهاد الرجال المؤمنين من التوابين. وما جناه الدجل والشعوذة من الزبيريين من تقديم المال والهدايا لم ينتصر على المختار، ولم يتأخر إبراهيم بن مالك الأشتر لولا تلك التناقضات المجتمعية. ولو كانت القيادة موحدة لدى التوابين بعد استشهادهم، لاستقامت البوابة التي يريدها الإسلام.
المحور الخامس: المبادئ الإسلامية مقابل الأساطير الغربية (الوجود الزائف)
لا يمكننا الحفاظ على المبادىء دون الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والأخلاق الفاضلة، وليس بالثقل الفكري الذي يطرحه أصحاب الليبرالية والعلمانية، بقياس ازدواجية المعايير، وبما يحملونه من شعارات باسم الإنسانية والحرية والديمقراطية. إن هذه الأساطير لا وجود لها مقابل الإسلام الصحيح، وهي تمثل "وجوداً زائفاً" لا يستند إلى ثابت رباني. ولا وطن بلا عقيدة راسخة تحتكم إلى الدين الإسلامي وثوابته. فما قيمة الوطن أمام الفاسدين والناقضين للعهود، والتابعين للصهيونية العالمية ومغامرات أمريكا وإسرائيل؟!إن المقاومة الإسلامية هي مشروع تغيير وعطاء، وإيمان، وثقافة، ووعي مجتمعي، وإصلاح للفساد الإداري والاجتماعي والاقتصادي، والدفاع عن الإسلام والمبادئ الإسلامية أولاً، واتباع أولياء الأمور.
المحور السادس: بناء المجتمع الرصين على أسس الأنطولوجيا الحسينية (مقاومة العدم الفكري)
إن المقاومة الفكرية التي ندعو إليها هي بناء مجتمعنا في جامعاتنا، ومعاهدنا، ومدارسنا، ومناهجنا الصحيحة، لا الملوثة، ولا الفكر المنحل، ولا الأخلاق المعدومة. وينبغي أن تكون مؤسسات الدولة والمجتمع رصينة، تستلهم قواها من النهضة الحسينية؛ لأنها دروس وعبر، بدلاً من الكفر والفساد والانحطاط.ليس من السعادة أن نبني دولة يغلب على أكثر مسؤوليها التبعية لأجندة خارجية لا تحترم القيم الأخلاقية والإنسانية، فتكون هشة أو جبانة؛ لأنها لم تُبنَ على قاعدة راسخة كما بناها الإمام الحسين (عليه السلام)؛ فالأساس في الوجود بهذه الحياة هو الإيمان بالله واليوم الآخر، والرقابة الذاتية (الضمير الرقابي الداخلي)، إلى جانب الرقابة الظاهرية.لا يمكن بناء دولة قوية صالحة مثالية ما لم نُدرك أن دورها ومسؤوليتها مشتركة بين من يتولى المسؤولية وعنده دين وقيمة إسلامية وأخلاقية، وبين من لا يملك حتى ضميراً حياً لكونه جباناً. وهذا ما رفضه الإمام الحسين (عليه السلام)؛ إذ رفض أن يتغلب عليهم طغيان المستكبرين والمتجبرين، وأتباع الطاغية يزيد ومن معه، وإعلامه القذر الملعون الذي فكك المجتمع وضلل الرأي العام. وهذا من أخطر أنواع الثقافة الممنهجة التي تُمارس ضد الدين والإنسانية.
المحور السابع: الغزو الفكري المعاصر وإسقاطات النموذج الأموي – محاولة فهم جديدة للصراع الحضاري
ليشهد العالم، وليتعلم الجهلاء، بأن الغزو الفكري الذي يُروَّج له اليوم تحت مسميات الحرية والديمقراطية المفرطة ليس إلا مشروعاً شيطانياً بامتياز، تقوده أمريكا – الشيطان الأكبر والغدة السرطانية لفساد العالم والمجتمع العربي والإسلامي. إن هذا المشروع يحاكي تماماً الفهم الأموي الجبري؛ فكما استخدم الأمويون المال والإعلام القذر لتفكيك المجتمع الكوفي وتضليل الرأي العام، تستخدم اليوم القوى الاستكبارية شعاراتها الزائفة من أجل الهيمنة والسيطرة على المقدرات، وتروج للأكذوبة الكبرى بأن القوى المادية هي وحدها التي تنتصر.
هذا التضليل هو سبب عدم استقرار العالم، وإبقائه مهدداً تحت قواها المادية؛ لأنهم يريدون تحويل المنطقة العربية إلى دمار شامل، واحتلال البلدان، وتدمير مقدراتها باسم الحرية المزيفة، مروّجين لفكرة أن الإسلام الصحيح هو من يهدد العالم. لكن الحقيقة التي انكشفت هي أن أعداء الدين الصحيح هم أعداء الإنسانية؛ فهم جنود الشيطان، وندٌّ للإسلام الصحيح، يسعون إلى تشويه صورته، ويعتبرون وجودهم هو المشروع الأمريكي - الإسرائيلي للتكفير والإجرام.
وما فعلته بعض الأنظمة التابعة (كالوهابية، والإمارات، وقطر، وحركات الإخوان التكفيريين) من تطبيع وتبعية مأجورة، ليس سوى امتداد لهذا المشروع؛ إذ يروجون للنصر بالقوة والولوج والبقاء على الحكم، والتلاعب بمقدرات الشعوب، ونشر ثقافة الفساد المالي والإداري والاستبداد، كما فعل آل سعود الوهابية وحركاتهم التكفيرية التي تدّعي الإسلام، بينما هم لا يملكون قيماً ولا مبادئ.
إن الإسلام الحقيقي، دين محمد (صلى الله عليه وآله)، له قراءة روحية ثابتة قوية بإرادة الله ورسالة نبيه نبي الرحمة والإنسانية، نبي الأخلاق في كل شيء، نبي الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا تعرف تكفير المسلمين بعضهم البعض. أما المشروع الصهيوني الإسرائيلي - الأمريكي في المنطقة، فقد فشل فشلاً ذريعاً أمام هذه النهضة الحسينية التي هي إحياء للإسلام وامتداد لرسالة محمد وآله الطاهرين، وستستمر حتى ظهور الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه الشريف).
وفي ختام هذا المحور، نستحضر وعد الله الصادق لمن ينصره: قال تعالى في محكم كتابه: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (سورة محمد: ٧). فأي نصرٍ بغير نصرة الله هو وهمٌ زائل، وأي قوةٍ لا تستند إلى الإيمان هي عدمٌ وفناء.
الخاتمة: التعزية والتجديد للعهد، والنصر الأنطولوجي الأبدي
وهكذا، تبقى قضية الحسين (عليه السلام) هي الأنموذج الأسمى للانتصار الأنطولوجي الإيماني، حيث يتحقق النصر بانتصار الروح المرتبطة بالخالق على عبودية المادة والطاغوت. هذه المدرسة المفتوحة تقدم لكل مجتمع منهاجاً في المقاومة والبناء، قوامه الإيمان، وعدته اليقين، وغايته رضا الله، فلا يبالي بكثرة العدو ولا بفقر العدة، لأن الله مع المؤمنين، والنصر من عنده.نختم هذه الدراسة بتعزية مولانا صاحب العصر والزمان، الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه الشريف)، وإلى المراجع والعلماء، وعلى رأسهم المرجع الكبير الإمام السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله العالي). كما نعزي أمناء العتبات المقدسة (الحسينية، والعباسية، والعلوية، والكاظمية، والعسكرية في سامراء)، ووكلاء المرجعية الأمناء، والمثقفين، وأصحاب الخدمة الحسينية، والمسؤولين الوطنيين، والمعلمين، والمحامين، والحقوقيين، والإعلاميين، وأبناء الحوزات العلمية، والمهندسين، وكل من شارك في خدمة مواكب الإمام الحسين (عليه السلام)، وتأسيس مجالس العزاء، وتعظيم شعائر الله، فإنها من تقوى القلوب.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، ولعن الله أعداءهم إلى قيام يوم الدين.
قائمة المصادر التاريخية المعتمدة (من أمهات الكتب والمقاتل):
1. تاريخ الطبري - محمد بن جرير الطبري (أحداث سنة ٦١ هـ).2. مقتل الحسين (عليه السلام) - أبو مخنف الأزدي (رواية لوط بن يحيى).3. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد - الشيخ المفيد (باب مقتل الحسين).4. اللهوف على قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس الحسني.5. نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم - الشيخ عباس القمي.6. البداية والنهاية - ابن كثير الدمشقي (أحداث الفتنة).7. أنساب الأشراف - البلاذري (أخبار أهل البيت ومقتل الحسين).