
الكاتب والباحث: حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام
دراسات وأبحاث في الفقه الاجتماعي وحقوق الإنسان في الإسلام
مقدمة
يشكل اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار مناسبة احتفائية عالمية، إلا أن جذوره التاريخية ترتبط بسياق غربي خاص يعود إلى حادثة مأساوية في نيويورك عام 1908، حيث لقي العشرات من العاملات حتفهن إثر حريق في مصنع للنسيج أثناء إضرابهن للمطالبة بتحسين الأجور. ورغم اعتماد الأمم المتحدة لهذه المناسبة رسمياً عام 1975، فإن هذه النشأة تدفع الباحث في الدراسات الإسلامية إلى التساؤل: هل نحن مطالبون باستيراد مناسبات بمرجعياتها التاريخية الخاصة، أم أن في تراثنا الديني والحضاري ما يؤسس لخطاب تكريمي أصيل للمرأة؟
التكريم في المنظور الإسلامي: من النص التأسيسي إلى القدوة الحية
لقد أسس الإسلام لتكريم المرأة منذ أربعة عشر قرناً، ليس كمناسبة عابرة، بل كمنهج وجودي يتجلى في مستويات متعددة من التشريف والتكريم.
في القرآن الكريم: سورة النساء نموذجاً
يكفي المرأة المسلمة فخراً أن الله سبحانه وتعالى خصص سورة كاملة من كتابه الكريم باسم "النساء"، تتناول قضاياهن وأحكامهن وحقوقهن وواجباتهن بتفصيل دقيق يلفت النظر. وهذا التخصيص يؤكد المكانة المحورية للمرأة في الخطاب القرآني، حيث لم يقتصر ذكر المرأة على آيات عابرة، بل جعل لها سورة مستقلة تحمل اسمها، مما يعطي قضاياها بعداً تشريعياً كونياً يتجاوز المناسبات والاحتفالات المؤقتة.
وفي آيات أخرى، نجد القرآن الكريم يقرر مبدأ المسؤولية المشتركة بين الرجل والمرأة في قوله تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ" [التوبة: ٧١]، فهذه الآية تسوي بين المؤمنين والمؤمنات في الولاية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يؤكد الشراكة الحقيقية بين الجنسين في بناء المجتمع الصالح.
في تفسير البيان: منهج في فهم النص القرآني
يمثل كتاب "البيان في تفسير القرآن" أحد المناهج التفسيرية التي عنيت ببيان معاني القرآن الكريم بأسلوب واضح، مع التركيز على الجوانب اللغوية والبلاغية والشرعية. وقد سار هذا التفسير على منهج يجمع بين أصالة التفسير بالمأثور والدقة في التحليل اللغوي، مما يجعله مرجعاً مهماً لفهم آيات الأحكام المتعلقة بالمرأة وأسرتها.
في التفسير الكاشف للشيخ محمد جواد مغنية: ربط النص بالواقع
يمثل "التفسير الكاشف" للعلامة الشيخ محمد جواد مغنية مدرسة تفسيرية متميزة، حيث عمد المفسر إلى تبسيط المفاهيم القرآنية ومخاطبة الجيل الشاب بلغة عصرية واضحة، محاولاً ربط النصوص القرآنية بالواقع المعاش. ومن أبرز خصائص هذا التفسير:
المزاوجة بين النص والواقع، حيث سعى المفسر إلى ربط الآيات القرآنية بواقع الحياة المعاصر، وتقديم فهم متجدد للنصوص يواكب تطورات العصر دون تفريط في الثوابت. كما ابتعد عن مخاطبة النخبة فقط، واستخدم لغة مبسطة شفافة تركز على العنصر الإقناعي، بهدف إقناع القارئ بأن تعاليم الدين الإسلامي تستهدف خير الإنسان وسعادته.
وقد اعتمد الشيخ مغنية في تفسيره على الأحاديث الواردة في السنة النبوية باعتبارها ترجمان القرآن والسبيل إلى معرفة معانيه، وإذا لم يرد حديث في ذلك اعتمد ظاهر الآية وسياقها. هذا المنهج المتوازن جعل تفسيره مرجعاً مهماً لفهم قضايا المرأة في ضوء القرآن الكريم.
في نهج البلاغة: رؤية الإمام علي وتوازن الخطاب
عند دراسة نصوص نهج البلاغة المتعلقة بالمرأة، تقع على عاتق الباحث مسؤولية علمية دقيقة تميز بين ما نسب للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وبين الرؤية الإسلامية الحقيقية للمرأة. فقد وردت في نهج البلاغة أقوال تحتاج إلى فهم في سياقاتها الصحيحة.
فمن النصوص الواردة قوله عليه السلام: "معاشر الناس، إن النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول. فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد، وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال".
هذا النص وغيره من النصوص يحتاج إلى فهم متكامل، فقد أوضح الباحثون أن الإمام عليه السلام كان يتحدث عن واقع نساء عصر معين، أو عن فئة معينة من النساء، ولا يمكن فهم هذه النصوص بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي قيلت فيه. والأهم أن نلحظ أن الإمام علي نفسه كان يفخر بالسيدة خديجة والسيدة فاطمة الزهراء عليهما السلام، ويقدمهما كنماذج للكمال الإنساني والقدوة للعالمين.
وفي المقابل، نجد في نهج البلاغة توجيهات راقية في معاملة النساء، كقوله عليه السلام في وصيته لابنه الحسن: "لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة". فهذه المقولة تقدم رؤية متوازنة تضع المرأة في مكانتها اللائقة ككائن يُعتد به ويُرفق به، لا كآمرة ولا مأمورة بشكل مطلق.
في جامعة الأزهر الشريف: خطاب الوسطية والإنصاف
يمثل الأزهر الشريف منارة علمية عريقة في دراسة قضايا المرأة من منظور إسلامي وسطي. فقد عقد الجامع الأزهر ملتقيات علمية متخصصة تناقش قضايا المرأة بين إنصاف الوحي وانحراف العادات وضجيج الشبهات.
ويؤكد علماء الأزهر أن القرآن الكريم بين مكانة الأنثى قبل الإسلام وبعده، فقبل الإسلام كانت تغلب عليها المهانة والنكران، كما في قوله تعالى: "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ" [النحل: ٥٨]، بينما جاء الإسلام ليرفع مكانتها أماً وزوجة وابنة.
كما يوضح علماء الأزهر أن القوامة في المفهوم الشرعي ليست تسلطاً ولا استعلاء، وإنما هي مسؤولية ورعاية وتكليف يقتضي حسن المعاشرة وصيانة الحقوق. فالعلاقة الزوجية في الإسلام تقوم على المودة والرحمة والتكامل، لا على النزاع أو المغالبة.
وينتقد علماء الأزهر التيارات المتطرفة التي أساءت إلى المرأة، سواء تلك التي جعلتها سلعة، أو تلك التي جردتها من أنوثتها باسم المساواة، مؤكدين أن المنهج الوسطي وحده يحفظ كرامة المرأة ويصون حقوقها.
في الحوزة العلمية بقم المقدسة: المرأة العالمة والفاضلة
تمثل الحوزة العلمية في قم المقدسة امتداداً لمدرسة أهل البيت عليهم السلام في طلب العلم والتفقه في الدين. والمتأمل في صفحات التاريخ يرى للمرأة المؤمنة دوراً فعالاً ومشهوداً في هذا المجال، حيث درست وكتبت وألفت وناظرت، بل واجتهدت في استنباط الأحكام الشرعية.
ومن النماذج المشرفة في هذا المجال السيدة آمنة المجلسي، بنت المولى محمد تقي المجلسي وأخت المولى محمد باقر المجلسي، التي كانت عالمة فاضلة مجتهدة. وتروي المصادر أنها تزوجت من المولى محمد صالح المازندراني، وفي ليلة زفافها واجه زوجها مسألة علمية مستعصية عجز عن حلها، فقامت هذه الفاضلة بحل المسألة وشرحها وأجابت على إشكالاتها، ووضعت أوراق الحل في مكان بحثه. فلما وجدها سجد لله شكراً على هذه الزوجة العالمة.
هذه النماذج تؤكد أن المرأة المؤمنة قادرة على بلوغ أعلى مراتب العلم والمعرفة، وأن الحوزات العلمية كانت ولا تزال حاضنة لطالبات العلم وعشاق الهدى من النساء.
في مرجعية النجف الأشرف: رؤية السيد السيستاني لحقوق المرأة والطفل
تمثل المرجعية الدينية في النجف الأشرف، ممثلة بآية الله العظمى السيد علي السيستاني، نموذجاً للاجتهاد المستنير في قضايا المرأة والأسرة. ففي موقع المرجعية الرسمي، نجد استفتاءات وأجوبة تعالج واقع المرأة المعاصر بمنظور شرعي متوازن.
حقوق المرأة الزوجية
تؤكد المرجعية على حقوق المرأة الأساسية في العلاقة الزوجية، فتوضح أن واجبات الزوجة تنحصر في أمرين محددين فقط: الاستمتاع الجنسي وعدم الخروج من البيت دون إذن الزوج. وأما سائر الأمور الحياتية فليست واجبة عليها، وهي مجال للتفاهم والاحترام المتبادل بين الزوجين.
كما أن إيذاء الزوج لزوجته أو هجره لها أو منعها من صلة رحمها لا يجوز شرعاً، وللمرأة حق المطالبة بحقوقها الزوجية كاملة. وفي حال امتناع الزوج عن أداء حقوقها، يحق لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي. ويؤكد سماحة المرجع أن ضرب الزوجة غير جائز، وإذا أدى الضرب إلى احمرار البدن فهو آثم ويجب عليه دفع الدية.
وللمرأة أن تشترط في عقد الزواج ما يحفظ حقوقها العملية والاجتماعية، فإن اشترطت الاستمرار في عملها خارج البيت ضمن عقد النكاح، فلها إلزام الزوج بالوفاء بهذا الشرط.
حقوق الطفل
وفي مجال حقوق الطفل، تضع المرجعية مصلحة الولد وحفظه من الانحراف كأولوية قصوى. فحقوق الأبناء على الآباء تشمل حسن تربيتهم والإنفاق عليهم مع الحاجة. ويجب على الأب تعليم ابنه الأحكام الشرعية بمقدار ما تتوقف عليه تنشئته نشأة دينية صالحة.
كما يجب على الأب صون الولد عما يفسد أخلاقه ويؤدي إلى انحرافه، فإذا خيف على الولد من الفساد في المدرسة لانتشار المخدرات أو الانحراف الأخلاقي، فلا يجوز إدخاله فيها، وليست الرغبة في الحصول على الشهادة والوظيفة مما يرخّص في تعريضه للخطر.
وتشدد المرجعية على ضرورة تنشئة الأطفال تنشئة دينية صالحة، ويمنع تركهم لمشاهدة البرامج والأفلام التي تتضمن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ونشر الأفكار الهدامة والصور الخلاعية.
النموذج الفاطمي الزينبي: أيقونة الصبر والعطاء والرسالة
إن الدعوة إلى الاحتفاء بـ"اليوم الفاطمي الزينبي" هي دعوة لتقديم النموذج الإسلامي الأصيل كبديل عن المناسبات المستوردة. ففي السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام نرى النموذج الأرقى الذي بلغ مرتبة "حجة الله على الحجج" كما وصفها الإمام الحسن العسكري عليه السلام، أي أنها المرأة التي جعلها الله قدوة حتى للأئمة المعصومين أنفسهم.
فاطمة الزهراء عليها السلام هي الابنة المكافحة، والزوجة الصابرة، والأم المربية، والمدافعة عن العقيدة، والمدافعة عن حقها وحق زوجها حتى آخر رمق من حياتها. إنها المرأة التي جمعت بين العبادة والعلم والسياسة والجهاد في أرقى صورها.
وفي السيدة زينب عليها السلام نرى المرأة الرسالية التي حملت راية الحق في كربلاء، وواجهت الطغيان بصبر وعظمة، وحفظت الذاكرة المظلومة للتاريخ. إن خطبتها في مجلس يزيد لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت بياناً سياسياً ورسالة خالدة في مواجهة الظلم والطغيان.
هاتان القمتان الشامختان تقدميان للمرأة المسلمة نموذجاً يجمع بين العبادة والعلم والصبر والموقف والرسالة. إنهما ليستا مجرد شخصيتين تاريخيتين، بل هما مدرسة في الكرامة والعطاء تحت ظلال دين أنصف المرأة ورفع قدرها.
خلاصة: نحو هوية ثقافية مستقلة لتكريم المرأة
يبقى الهدف الأسمى هو رؤية المرأة تنعم بالكرامة والعدالة، سواء تحت مظلة يوم عالمي أو تحت ظلال تشريع إلهي أنصفها ورفع قدرها قبل أربعة عشر قرناً. إن الدعوة إلى الاحتفاء باليوم الفاطمي الزينبي هي دعوة إلى تحرير صورة المرأة من الإطار الاستهلاكي أو الاحتجاجي الغربي، إلى إطار القدوة والرسالة الإسلامية.
إن استلهام النماذج النسائية الملهمة من التراث الإسلامي كفاطمة وزينب وخولة ورقية، وتقديمها كأيقونات عالمية للعطاء والصبر والتضحية، هو السبيل إلى تأصيل مفهوم التكريم انطلاقاً من النص الإلهي والهدي النبوي. وتبقى فاطمة الزهراء عليها السلام خير نموذج يُحتذى لكل امرأة تطمح إلى الكمال والعطاء والصبر والكرامة، تحت ظلال دين أنصفها وأعلى مكانتها وجعلها حجة على حججه.
الكاتب والباحث
حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام
٩ آذار ٢٠٢٦
الكاتب والباحث: حيدر الشبلاويأكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلامدراسات وأبحاث في الفقه الاجتماعي وحقوق الإنسان في الإسلام
مقدمة
يشكل اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار مناسبة احتفائية عالمية، إلا أن جذوره التاريخية ترتبط بسياق غربي خاص يعود إلى حادثة مأساوية في نيويورك عام 1908، حيث لقي العشرات من العاملات حتفهن إثر حريق في مصنع للنسيج أثناء إضرابهن للمطالبة بتحسين الأجور. ورغم اعتماد الأمم المتحدة لهذه المناسبة رسمياً عام 1975، فإن هذه النشأة تدفع الباحث في الدراسات الإسلامية إلى التساؤل: هل نحن مطالبون باستيراد مناسبات بمرجعياتها التاريخية الخاصة، أم أن في تراثنا الديني والحضاري ما يؤسس لخطاب تكريمي أصيل للمرأة؟
التكريم في المنظور الإسلامي: من النص التأسيسي إلى القدوة الحية
لقد أسس الإسلام لتكريم المرأة منذ أربعة عشر قرناً، ليس كمناسبة عابرة، بل كمنهج وجودي يتجلى في مستويات متعددة من التشريف والتكريم.
في القرآن الكريم: سورة النساء نموذجاً
يكفي المرأة المسلمة فخراً أن الله سبحانه وتعالى خصص سورة كاملة من كتابه الكريم باسم "النساء"، تتناول قضاياهن وأحكامهن وحقوقهن وواجباتهن بتفصيل دقيق يلفت النظر. وهذا التخصيص يؤكد المكانة المحورية للمرأة في الخطاب القرآني، حيث لم يقتصر ذكر المرأة على آيات عابرة، بل جعل لها سورة مستقلة تحمل اسمها، مما يعطي قضاياها بعداً تشريعياً كونياً يتجاوز المناسبات والاحتفالات المؤقتة.
وفي آيات أخرى، نجد القرآن الكريم يقرر مبدأ المسؤولية المشتركة بين الرجل والمرأة في قوله تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ" [التوبة: ٧١]، فهذه الآية تسوي بين المؤمنين والمؤمنات في الولاية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يؤكد الشراكة الحقيقية بين الجنسين في بناء المجتمع الصالح.
في تفسير البيان: منهج في فهم النص القرآني
يمثل كتاب "البيان في تفسير القرآن" أحد المناهج التفسيرية التي عنيت ببيان معاني القرآن الكريم بأسلوب واضح، مع التركيز على الجوانب اللغوية والبلاغية والشرعية. وقد سار هذا التفسير على منهج يجمع بين أصالة التفسير بالمأثور والدقة في التحليل اللغوي، مما يجعله مرجعاً مهماً لفهم آيات الأحكام المتعلقة بالمرأة وأسرتها.
في التفسير الكاشف للشيخ محمد جواد مغنية: ربط النص بالواقع
يمثل "التفسير الكاشف" للعلامة الشيخ محمد جواد مغنية مدرسة تفسيرية متميزة، حيث عمد المفسر إلى تبسيط المفاهيم القرآنية ومخاطبة الجيل الشاب بلغة عصرية واضحة، محاولاً ربط النصوص القرآنية بالواقع المعاش. ومن أبرز خصائص هذا التفسير:
المزاوجة بين النص والواقع، حيث سعى المفسر إلى ربط الآيات القرآنية بواقع الحياة المعاصر، وتقديم فهم متجدد للنصوص يواكب تطورات العصر دون تفريط في الثوابت. كما ابتعد عن مخاطبة النخبة فقط، واستخدم لغة مبسطة شفافة تركز على العنصر الإقناعي، بهدف إقناع القارئ بأن تعاليم الدين الإسلامي تستهدف خير الإنسان وسعادته.
وقد اعتمد الشيخ مغنية في تفسيره على الأحاديث الواردة في السنة النبوية باعتبارها ترجمان القرآن والسبيل إلى معرفة معانيه، وإذا لم يرد حديث في ذلك اعتمد ظاهر الآية وسياقها. هذا المنهج المتوازن جعل تفسيره مرجعاً مهماً لفهم قضايا المرأة في ضوء القرآن الكريم.
في نهج البلاغة: رؤية الإمام علي وتوازن الخطاب
عند دراسة نصوص نهج البلاغة المتعلقة بالمرأة، تقع على عاتق الباحث مسؤولية علمية دقيقة تميز بين ما نسب للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وبين الرؤية الإسلامية الحقيقية للمرأة. فقد وردت في نهج البلاغة أقوال تحتاج إلى فهم في سياقاتها الصحيحة.
فمن النصوص الواردة قوله عليه السلام: "معاشر الناس، إن النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول. فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد، وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال".
هذا النص وغيره من النصوص يحتاج إلى فهم متكامل، فقد أوضح الباحثون أن الإمام عليه السلام كان يتحدث عن واقع نساء عصر معين، أو عن فئة معينة من النساء، ولا يمكن فهم هذه النصوص بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي قيلت فيه. والأهم أن نلحظ أن الإمام علي نفسه كان يفخر بالسيدة خديجة والسيدة فاطمة الزهراء عليهما السلام، ويقدمهما كنماذج للكمال الإنساني والقدوة للعالمين.
وفي المقابل، نجد في نهج البلاغة توجيهات راقية في معاملة النساء، كقوله عليه السلام في وصيته لابنه الحسن: "لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة". فهذه المقولة تقدم رؤية متوازنة تضع المرأة في مكانتها اللائقة ككائن يُعتد به ويُرفق به، لا كآمرة ولا مأمورة بشكل مطلق.
في جامعة الأزهر الشريف: خطاب الوسطية والإنصاف
يمثل الأزهر الشريف منارة علمية عريقة في دراسة قضايا المرأة من منظور إسلامي وسطي. فقد عقد الجامع الأزهر ملتقيات علمية متخصصة تناقش قضايا المرأة بين إنصاف الوحي وانحراف العادات وضجيج الشبهات.
ويؤكد علماء الأزهر أن القرآن الكريم بين مكانة الأنثى قبل الإسلام وبعده، فقبل الإسلام كانت تغلب عليها المهانة والنكران، كما في قوله تعالى: "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ" [النحل: ٥٨]، بينما جاء الإسلام ليرفع مكانتها أماً وزوجة وابنة.
كما يوضح علماء الأزهر أن القوامة في المفهوم الشرعي ليست تسلطاً ولا استعلاء، وإنما هي مسؤولية ورعاية وتكليف يقتضي حسن المعاشرة وصيانة الحقوق. فالعلاقة الزوجية في الإسلام تقوم على المودة والرحمة والتكامل، لا على النزاع أو المغالبة.
وينتقد علماء الأزهر التيارات المتطرفة التي أساءت إلى المرأة، سواء تلك التي جعلتها سلعة، أو تلك التي جردتها من أنوثتها باسم المساواة، مؤكدين أن المنهج الوسطي وحده يحفظ كرامة المرأة ويصون حقوقها.
في الحوزة العلمية بقم المقدسة: المرأة العالمة والفاضلة
تمثل الحوزة العلمية في قم المقدسة امتداداً لمدرسة أهل البيت عليهم السلام في طلب العلم والتفقه في الدين. والمتأمل في صفحات التاريخ يرى للمرأة المؤمنة دوراً فعالاً ومشهوداً في هذا المجال، حيث درست وكتبت وألفت وناظرت، بل واجتهدت في استنباط الأحكام الشرعية.
ومن النماذج المشرفة في هذا المجال السيدة آمنة المجلسي، بنت المولى محمد تقي المجلسي وأخت المولى محمد باقر المجلسي، التي كانت عالمة فاضلة مجتهدة. وتروي المصادر أنها تزوجت من المولى محمد صالح المازندراني، وفي ليلة زفافها واجه زوجها مسألة علمية مستعصية عجز عن حلها، فقامت هذه الفاضلة بحل المسألة وشرحها وأجابت على إشكالاتها، ووضعت أوراق الحل في مكان بحثه. فلما وجدها سجد لله شكراً على هذه الزوجة العالمة.
هذه النماذج تؤكد أن المرأة المؤمنة قادرة على بلوغ أعلى مراتب العلم والمعرفة، وأن الحوزات العلمية كانت ولا تزال حاضنة لطالبات العلم وعشاق الهدى من النساء.
في مرجعية النجف الأشرف: رؤية السيد السيستاني لحقوق المرأة والطفل
تمثل المرجعية الدينية في النجف الأشرف، ممثلة بآية الله العظمى السيد علي السيستاني، نموذجاً للاجتهاد المستنير في قضايا المرأة والأسرة. ففي موقع المرجعية الرسمي، نجد استفتاءات وأجوبة تعالج واقع المرأة المعاصر بمنظور شرعي متوازن.
حقوق المرأة الزوجية
تؤكد المرجعية على حقوق المرأة الأساسية في العلاقة الزوجية، فتوضح أن واجبات الزوجة تنحصر في أمرين محددين فقط: الاستمتاع الجنسي وعدم الخروج من البيت دون إذن الزوج. وأما سائر الأمور الحياتية فليست واجبة عليها، وهي مجال للتفاهم والاحترام المتبادل بين الزوجين.
كما أن إيذاء الزوج لزوجته أو هجره لها أو منعها من صلة رحمها لا يجوز شرعاً، وللمرأة حق المطالبة بحقوقها الزوجية كاملة. وفي حال امتناع الزوج عن أداء حقوقها، يحق لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي. ويؤكد سماحة المرجع أن ضرب الزوجة غير جائز، وإذا أدى الضرب إلى احمرار البدن فهو آثم ويجب عليه دفع الدية.
وللمرأة أن تشترط في عقد الزواج ما يحفظ حقوقها العملية والاجتماعية، فإن اشترطت الاستمرار في عملها خارج البيت ضمن عقد النكاح، فلها إلزام الزوج بالوفاء بهذا الشرط.
حقوق الطفل
وفي مجال حقوق الطفل، تضع المرجعية مصلحة الولد وحفظه من الانحراف كأولوية قصوى. فحقوق الأبناء على الآباء تشمل حسن تربيتهم والإنفاق عليهم مع الحاجة. ويجب على الأب تعليم ابنه الأحكام الشرعية بمقدار ما تتوقف عليه تنشئته نشأة دينية صالحة.
كما يجب على الأب صون الولد عما يفسد أخلاقه ويؤدي إلى انحرافه، فإذا خيف على الولد من الفساد في المدرسة لانتشار المخدرات أو الانحراف الأخلاقي، فلا يجوز إدخاله فيها، وليست الرغبة في الحصول على الشهادة والوظيفة مما يرخّص في تعريضه للخطر.
وتشدد المرجعية على ضرورة تنشئة الأطفال تنشئة دينية صالحة، ويمنع تركهم لمشاهدة البرامج والأفلام التي تتضمن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ونشر الأفكار الهدامة والصور الخلاعية.
النموذج الفاطمي الزينبي: أيقونة الصبر والعطاء والرسالة
إن الدعوة إلى الاحتفاء بـ"اليوم الفاطمي الزينبي" هي دعوة لتقديم النموذج الإسلامي الأصيل كبديل عن المناسبات المستوردة. ففي السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام نرى النموذج الأرقى الذي بلغ مرتبة "حجة الله على الحجج" كما وصفها الإمام الحسن العسكري عليه السلام، أي أنها المرأة التي جعلها الله قدوة حتى للأئمة المعصومين أنفسهم.
فاطمة الزهراء عليها السلام هي الابنة المكافحة، والزوجة الصابرة، والأم المربية، والمدافعة عن العقيدة، والمدافعة عن حقها وحق زوجها حتى آخر رمق من حياتها. إنها المرأة التي جمعت بين العبادة والعلم والسياسة والجهاد في أرقى صورها.
وفي السيدة زينب عليها السلام نرى المرأة الرسالية التي حملت راية الحق في كربلاء، وواجهت الطغيان بصبر وعظمة، وحفظت الذاكرة المظلومة للتاريخ. إن خطبتها في مجلس يزيد لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت بياناً سياسياً ورسالة خالدة في مواجهة الظلم والطغيان.
هاتان القمتان الشامختان تقدميان للمرأة المسلمة نموذجاً يجمع بين العبادة والعلم والصبر والموقف والرسالة. إنهما ليستا مجرد شخصيتين تاريخيتين، بل هما مدرسة في الكرامة والعطاء تحت ظلال دين أنصف المرأة ورفع قدرها.
خلاصة: نحو هوية ثقافية مستقلة لتكريم المرأة
يبقى الهدف الأسمى هو رؤية المرأة تنعم بالكرامة والعدالة، سواء تحت مظلة يوم عالمي أو تحت ظلال تشريع إلهي أنصفها ورفع قدرها قبل أربعة عشر قرناً. إن الدعوة إلى الاحتفاء باليوم الفاطمي الزينبي هي دعوة إلى تحرير صورة المرأة من الإطار الاستهلاكي أو الاحتجاجي الغربي، إلى إطار القدوة والرسالة الإسلامية.
إن استلهام النماذج النسائية الملهمة من التراث الإسلامي كفاطمة وزينب وخولة ورقية، وتقديمها كأيقونات عالمية للعطاء والصبر والتضحية، هو السبيل إلى تأصيل مفهوم التكريم انطلاقاً من النص الإلهي والهدي النبوي. وتبقى فاطمة الزهراء عليها السلام خير نموذج يُحتذى لكل امرأة تطمح إلى الكمال والعطاء والصبر والكرامة، تحت ظلال دين أنصفها وأعلى مكانتها وجعلها حجة على حججه.
الكاتب والباحثحيدر الشبلاويأكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام٩ آذار ٢٠٢٦