|
كتب رياض الفرطوسي
أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس القيد، بل الاعتياد على القيد.
ليس الجدار، بل التصالح معه.
ليس الظلام، بل الإيمان بأنه الشكل الطبيعي للنور.
كثيرون يعيشون داخل غرفة ضيقة ويظنونها الكون. يعلقون على جدرانها شهاداتهم، مخاوفهم، أفكارهم الموروثة، ثم يسمّون ذلك “الواقع”. والحقيقة أن ما اعتادوه ليس أكثر من ترتيب مؤقت للأشياء، نسخة رديئة من الحياة، تم تكرارها حتى بدت أصلًا لا يقبل الشك.
في أسطورة أفلاطون عن الكهف، لم يكن السجناء مكبلين بالسلاسل فقط، بل بأوهامهم. كانوا يرون الظلال ويختلفون حول تفسيرها، بينما العالم الحقيقي خلفهم يفيض بالضوء. المأساة لم تكن في الظلال، بل في اقتناعهم بأنها كل ما يوجد.
وهكذا نفعل نحن: نختزل الحياة في ما تعوّدنا عليه، ونخاف من الفكرة التي تهز ترتيبنا الداخلي.
النسخة المقرفة من الحياة ليست دائماً قمعاً سياسياً أو فقراً مادياً فقط. أحياناً تكون فكرة صغيرة صدّقناها عن أنفسنا:
“أنا لا أستطيع.”
“هذا أقصى ما يمكن.”
“العالم هكذا ولن يتغير.”
جملة واحدة قد تتحول إلى سجن كامل.
الروائيون الكبار فهموا هذه اللعبة جيداً. دوستويفسكي لم يكن يكتب عن الجريمة والعقاب فقط، بل عن المساحات المعتمة في النفس التي يمكن أن تتحول إلى خلاص إذا امتلك الإنسان شجاعة النظر إليها. وكامو، وهو يتأمل عبث العالم، لم يدعُ إلى الاستسلام، بل إلى التمرد الداخلي، إلى أن يعيش الإنسان رغم العبث، لا تحته.
المشكلة أن الخطاب السائد — سواء كان سياسياً أو اجتماعياً — يحب التبسيط. يحب الأبيض والأسود، الصواب المطلق والخطأ المطلق. لأن المساحات الرمادية تتطلب تفكيراً، والخيال يتطلب شجاعة، والحرية تتطلب مسؤولية. أما النسخة المسطّحة من الحياة فهي مريحة: لا أسئلة كثيرة، لا قلق، لا قفز في المجهول.
لكن الحياة ليست بياناً رسمياً.
ليست شعاراً مرفوعاً في ساحة.
وليست صورة معلقة على جدار مؤسسة.
الحياة شبكة احتمالات.
كل قرار صغير يمكن أن يفتح مساراً جديداً.
كل فكرة صادقة يمكن أن تهدم يقيناً زائفاً.
وكما يقول نيتشه: “عليك أن تحمل فوضى داخلك لتلد نجمة راقصة.”
أي أن الاضطراب، الشك، القلق، ليست عيوبًا، بل بوابات نحو أفق أوسع.
آفاق الحرية لا تُمنح دفعة واحدة، ولا تُسلّم في احتفال رسمي. إنها تتكشف تدريجياً، حين يبدأ الإنسان في مساءلة ما ظنه بديهياً، حين يجرؤ على التفكير خارج النسخة الموروثة، حين يدرك أن الواقع ليس صخرة صماء، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل.
التاريخ مليء بمجتمعات صنعت أوهاماً ضخمة عن ديمومتها، عن صلابتها، عن أبدية أنظمتها. ثم سقطت فجأة، كما يسقط ديكور مسرحي عند انتهاء العرض. وما بقي بعد السقوط لم يكن الخراب فقط، بل فرصة لرؤية السماء بلا سقف.
الإنسان ليس رهينة ظرفه، بل شريك في صياغته.
ليس مجرد متلقٍ للعالم، بل مساهم في اختراعه كل يوم.
قد لا نستطيع تغيير كل شيء، لكننا نستطيع دائمًا تغيير زاوية النظر.
ومن زاوية جديدة، يتبدل المشهد كله.
آفاق الحرية تبدأ من الداخل:
من فكرة ترفض الانحناء،
من خيال لا يقبل الحدود النهائية،
من قلب يقرر أن الحياة أوسع مما قيل له.
والحقيقة البسيطة التي يخشاها كل وهم كبير هي هذه:
لا توجد نسخة واحدة للحياة.
هناك دائماً احتمال آخر ينتظر من يجرؤ على رؤيته.
كتب رياض الفرطوسي أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس القيد، بل الاعتياد على القيد.ليس الجدار، بل التصالح معه.ليس الظلام، بل الإيمان بأنه الشكل الطبيعي للنور. كثيرون يعيشون داخل غرفة ضيقة ويظنونها الكون. يعلقون على جدرانها شهاداتهم، مخاوفهم، أفكارهم الموروثة، ثم يسمّون ذلك “الواقع”. والحقيقة أن ما اعتادوه ليس أكثر من ترتيب مؤقت للأشياء، نسخة رديئة من الحياة، تم تكرارها حتى بدت أصلًا لا يقبل الشك. في أسطورة أفلاطون عن الكهف، لم يكن السجناء مكبلين بالسلاسل فقط، بل بأوهامهم. كانوا يرون الظلال ويختلفون حول تفسيرها، بينما العالم الحقيقي خلفهم يفيض بالضوء. المأساة لم تكن في الظلال، بل في اقتناعهم بأنها كل ما يوجد.وهكذا نفعل نحن: نختزل الحياة في ما تعوّدنا عليه، ونخاف من الفكرة التي تهز ترتيبنا الداخلي. النسخة المقرفة من الحياة ليست دائماً قمعاً سياسياً أو فقراً مادياً فقط. أحياناً تكون فكرة صغيرة صدّقناها عن أنفسنا:“أنا لا أستطيع.”“هذا أقصى ما يمكن.”“العالم هكذا ولن يتغير.” جملة واحدة قد تتحول إلى سجن كامل. الروائيون الكبار فهموا هذه اللعبة جيداً. دوستويفسكي لم يكن يكتب عن الجريمة والعقاب فقط، بل عن المساحات المعتمة في النفس التي يمكن أن تتحول إلى خلاص إذا امتلك الإنسان شجاعة النظر إليها. وكامو، وهو يتأمل عبث العالم، لم يدعُ إلى الاستسلام، بل إلى التمرد الداخلي، إلى أن يعيش الإنسان رغم العبث، لا تحته. المشكلة أن الخطاب السائد — سواء كان سياسياً أو اجتماعياً — يحب التبسيط. يحب الأبيض والأسود، الصواب المطلق والخطأ المطلق. لأن المساحات الرمادية تتطلب تفكيراً، والخيال يتطلب شجاعة، والحرية تتطلب مسؤولية. أما النسخة المسطّحة من الحياة فهي مريحة: لا أسئلة كثيرة، لا قلق، لا قفز في المجهول. لكن الحياة ليست بياناً رسمياً.ليست شعاراً مرفوعاً في ساحة.وليست صورة معلقة على جدار مؤسسة. الحياة شبكة احتمالات.كل قرار صغير يمكن أن يفتح مساراً جديداً.كل فكرة صادقة يمكن أن تهدم يقيناً زائفاً. وكما يقول نيتشه: “عليك أن تحمل فوضى داخلك لتلد نجمة راقصة.”أي أن الاضطراب، الشك، القلق، ليست عيوبًا، بل بوابات نحو أفق أوسع. آفاق الحرية لا تُمنح دفعة واحدة، ولا تُسلّم في احتفال رسمي. إنها تتكشف تدريجياً، حين يبدأ الإنسان في مساءلة ما ظنه بديهياً، حين يجرؤ على التفكير خارج النسخة الموروثة، حين يدرك أن الواقع ليس صخرة صماء، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل. التاريخ مليء بمجتمعات صنعت أوهاماً ضخمة عن ديمومتها، عن صلابتها، عن أبدية أنظمتها. ثم سقطت فجأة، كما يسقط ديكور مسرحي عند انتهاء العرض. وما بقي بعد السقوط لم يكن الخراب فقط، بل فرصة لرؤية السماء بلا سقف. الإنسان ليس رهينة ظرفه، بل شريك في صياغته.ليس مجرد متلقٍ للعالم، بل مساهم في اختراعه كل يوم. قد لا نستطيع تغيير كل شيء، لكننا نستطيع دائمًا تغيير زاوية النظر.ومن زاوية جديدة، يتبدل المشهد كله. آفاق الحرية تبدأ من الداخل:من فكرة ترفض الانحناء،من خيال لا يقبل الحدود النهائية،من قلب يقرر أن الحياة أوسع مما قيل له. والحقيقة البسيطة التي يخشاها كل وهم كبير هي هذه:لا توجد نسخة واحدة للحياة.هناك دائماً احتمال آخر ينتظر من يجرؤ على رؤيته.
|