
قراءة في معوقات تشكيل الحكومة وهيمنة الوصاية الأمريكية
إعداد: حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني.
مقدمة: مشهدان متعارضان
إن المشهد المطروح يعكس التناقض الصارخ بين نموذجين للحكم في منطقتنا. ففي اللحظة التي كانت فيها إيران تتعرض لضربة قاسية باغتيال مرشدها الأعلى على خلفية حرب مفتوحة، انعقد مجلس الخبراء وفي غضون أيام أعلن اختيار قائد جديد للدولة. في المقابل، يعيش العراق منذ انتخابات تشرين الثاني من عام 2025 حالة من الجمود التام، حيث لم يُنتخب رئيس للجمهورية، ولم تتم تشكيل حكومة جديدة، رغم إنفاق مليارات الدولارات على العملية الانتخابية، واستمرار التعطيل لأشهر طويلة.
هذه المفارقة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج طبيعة مختلفة جذرياً للنظام السياسي في كل بلد، حيث يقف نظام مؤسسات مغلق وحاسم في إيران، مقابل نظام توافقي هش ومعطل في العراق، تتداخل فيه الإرادات الداخلية مع الضغوط الخارجية بشكل معقد، وتتربص به الوصايا الدولية التي تحول دون امتلاك قرار سيادي مستقل.
أولاً: إيران وكيفية إدارة الأزمة بسرعة وحسم
لفهم سرعة القرار الإيراني رغم الحرب والحصار، يجب النظر إلى طبيعة النظام السياسي هناك. يقوم النظام الإيراني على مبدأ ولاية الفقيه، حيث يمثل المرشد الأعلى رأس الهرم والقمة التي لا تتخذ القرارات الكبرى من دونها. عملية اختيار المرشد منوطة بمجلس خبراء القيادة، وهو مجلس لا يمثل الشعب بالمعنى البرلماني المتعارف عليه، بل هو نخبة دينية وسياسية متجانسة أيديولوجياً، يجري انتخاب أعضائها وفق معايير صارمة تمنع وصول الأصوات المعارضة أو المخالفة لخط الثورة.
إن ملف خلافة المرشد في إيران ليس ملفاً طارئاً أو عفوياً كما قد يظن البعض، بل هو ملف كانت تستعد له لجان سرية داخل مجلس الخبراء لسنوات طويلة، تدرس الأسماء المحتملة وترسم سيناريوهات انتقال السلطة. عندما اغتيل المرشد السابق آية الله علي خامنئي، كان المجلس قد أنهى نقاشاته المسبقة عملياً، فكان اجتماعه مجرد تفعيل لقرار جاهز ومُعد سلفاً.
الآلية الإيرانية تقوم على الحسم بدلاً من التوافق المطوّل، فتحت ضغط الحرب والحصار تذوب الخلافات الداخلية لصالح الحسم، لأن الفراغ في قمة الهرم يعني انهيار النظام بأكمله. السرعة الإيرانية إذن هي نتاج نظام مغلق ونخبوي ومستعد مسبقاً، لا يهتم كثيراً بالتمثيل الواسع أو التنوع السياسي بقدر ما يهتم باستمرارية النظام وبقائه.
ثانياً: العراق ولماذا يستمر التعطيل رغم وضوح النتائج؟
في العراق، المشهد مختلف تماماً، بل هو معكوس في كل التفاصيل، وهذا ما يفسر استمرار الأزمة لأكثر من ثلاثة أشهر على الانتخابات ولأيام عديدة بعد انقضاء المهلة الدستورية لتشكيل الحكومة.
الإشكالية الدستورية وتفسير الكتلة الأكثر عدداً
تسببت المادة السادسة والسبعون من الدستور العراقي في أزمة تفسير مزمنة، فالنص الدستوري يكلّف رئيس الجمهورية بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة، لكن السؤال الجوهري الذي ظل بلا إجابة حاسمة: هل المقصود هو الكتلة الفائزة في الانتخابات فعلياً، أم الكتلة التي تتشكل بعد الانتخابات عبر التحالفات والمساومات؟ رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان حذر مؤخراً من أن التفسير الحالي الذي يسمح بالتحالفات البعدية هو ما يطيل أمد الأزمات، لأنه يفتح باب المساومات ويجعل نتائج صناديق الاقتراع مجرد نقطة بداية للمزايدات السياسية، وليس حاسماً للفائز الشرعي.
الصراع الداخلي داخل المكون الشيعي
التحالف الشيعي الحاكم الذي يعرف بالإطار التنسيقي ليس كتلة واحدة متماسكة كالنخبة الإيرانية، بل هو ائتلاف فضفاض يضم أحزاباً وقوى متنافسة، بل ومتصارعة في كثير من الأحيان. ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء قوبل برفض واضح من قوى داخل الإطار نفسه، مثل تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم وحركة صادقون بزعامة قيس الخزعلي، ناهيك عن القوى السنية والكردية التي أبدت تحفظاتها على عودة المالكي.
هناك انقسام واضح داخل الإطار بين تيار يميل إلى نهج متوازن مع الغرب والعالم العربي، ويمثله رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني وحلفاؤه، وبين تيار آخر أكثر تشدداً يريد الإبقاء على التحالفات الإقليمية التقليدية. المفاوضات الحالية إذن لا تتعلق فقط بتشكيل حكومة، بل تعيد ترتيب التحالفات الداخلية برمتها.
التدخل الخارجي المباشر: الوصاية الأمريكية المفضوحة
هذا هو البند الأهم في التحليل، وهو ما يمكن وصفه بالوصاية الأمريكية العلنية على القرار العراقي، فالعراق اليوم تحول إلى ساحة مكشوفة للصراع الإقليمي والدولي، وتحديداً الصراع الأمريكي مع قوى إقليمية أخرى. وصل التدخل الأمريكي إلى مستويات غير مسبوقة، حيث لم يعد الأمر رسائل خلف الكواليس، بل تحذيرات علنية صدرت عن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وصف فيها ترشيح المالكي بأنه "خيار سيئ"، وتهديدات بقطع المساعدات وفرض عقوبات على الدولة العراقية نفسها.
الإنذار الأمريكي المباشر تمثل في ورقة شروط سلمها المبعوث الأميركي تتضمن نقاطاً واضحة وحاسمة، منها حل بعض الفصائل، نزع سلاحها، إخراجها من الحكومة، وإلغاء ترشيح نوري المالكي. هذا التدخل السافر يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة، ويضع العراق أمام اختبار حقيقي لسيادته واستقلال قراره.
من المهم التأكيد هنا على أن الادعاءات بوجود تدخل إيراني في العراق هي ادعاءات عارية عن الصحة، وتهدف إلى تغطية التدخلات الأخرى المفضوحة، خصوصاً التدخل الأمريكي المباشر. نعم، هناك تدخلات إقليمية من دول الجوار العربي، فهناك تركيا التي تتوغل في الأراضي العراقية شمالاً في سياق تحالفها مع المخطط الإسرائيلي في المنطقة، وهناك تدخلات خليجية من دول مثل السعودية والكويت وقطر، وهناك نفوذ أردني وسوري في ملفات متعددة. لكن الحديث عن مليشيات عراقية موالية لإيران هو مجرد ذريعة لتبرير التدخل الأمريكي والهيمنة على القرار العراقي.
النتيجة المباشرة لكل هذا أن العراق بات رهينة لهذه الصراعات، كلما حاول تشكيل حكومة، يتلقى صفعة من هنا أو إنذاراً من هناك، وتبقى السيادة العراقية معلقة في الهواء.
ثالثاً: الموقف الوطني الحازم... خيار السيادة وإنهاء الوصاية
في خضم هذا الصراع المحموم على مقاعد السلطة، يغيب السؤال الجوهري: أين السيادة العراقية؟ لقد آن الأوان لموقف وطني حازم ينتشل البلاد من دائرة الهيمنة والوصاية الخارجية، ويؤسس لمرحلة جديدة تستند إلى المصالح الوطنية العليا، لا إلى أجندات إقليمية أو دولية.
اللجوء إلى الشرعية الدولية لمواجهة الهيمنة الأمريكية
لا يمكن للعراق أن يحقق سيادته طالما بقي رهينة للإرادات الأمريكية المباشرة، فاستمرار الوصاية الأمريكية على القرار السياسي العراقي، والتهديدات العلنية بقطع المساعدات وفرض العقوبات، يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد على سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. لذلك فإن المخرج الأول يتمثل في أن تخوض الحكومة العراقية موقفاً حازماً باللجوء إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، وتطلب تدخلاً رسمياً بإشراف ومراقبة دولية حقيقية، يكفل احترام إرادة الشعب العراقي ويبعد البلاد عن دائرة الابتزاز الأمريكي. إن فضح الممارسات الأمريكية علناً في المحافل الدولية، وتقديم شكاوى رسمية ضد التهديدات والإنذارات الأمريكية، هو خطوة ضرورية لكسر جدار الصمت والخوف.
إعلان المسؤولية القانونية: أمريكا تتحمل العواقب
يجب أن يكون الموقف العراقي واضحاً وحاسماً: إما احترام السيادة العراقية وإنهاء الهيمنة، وإما أن تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية ومن يحالفها كافة العواقب القانونية والسياسية والاقتصادية المترتبة على استمرار هذا التدخل. الوقت لم يعد في صالح أحد، والشارع العراقي الذي خرج في تظاهرات متعددة يرفض الوصايات الخارجية لن يبقى صامتاً طويلاً.
وقفة وطنية للمجتمع المدني الحقيقي
على منظمات المجتمع المدني التي تتعامل بروح وطنية عراقية مهنية أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية، فالمطلوب منها اليوم موقف واضح برفض أي دعم أو تدخل خارجي، وكشف المنظمات التي تعمل بأجندات مشبوهة. لقد تحولت بعض منظمات المجتمع المدني المدعومة من الخارج إلى أدوات لخلق الفوضى ونشر الدسائس المغرضة ضد الشعب العراقي، بالتوازي مع إعلام متناقض ومحرض يكرر الأكاذيب ذاتها.
تطهير الساحة المدنية من العملاء
على الحكومة العراقية الحالية، ومن قبلها القوى السياسية الوطنية، أن تتحمل مسؤولية إلغاء وتجميد عمل أي منظمة مجتمع مدني تثبت تبعيتها لجهات خارجية، أو تمارس نشاطها لصالح أجندات معادية للعراق. هذه المنظمات لم تعد مجرد جهات داعمة، بل تحولت إلى خلايا ضغط واستهداف منظم ضد استقرار البلاد، تحت غطاء حقوق الإنسان والديمقراطية.
الوقت يداهمنا ولا مكان للتردد
الوقت يداهم العراق، وأي تردد في اتخاذ هذه المواقف سيكلف البلاد ثمناً باهظاً، فاستمرار حالة الجمود السياسي تحت الضغط الأمريكي، وقبول الشروط المهينة، يعني أن العراق سيبقى في دائرة الأزمات المفتوحة. الخيار اليوم هو خيار السيادة أو التبعية، ولا يمكن أن يجتمع الاثنان في وطن واحد.
رابعاً: ما هو الحل في رؤية موضوعية
الخروج من هذا المأزق يتطلب أكثر من مجرد اجتماعات ليلية لقادة الإطار، وأكثر من بيانات استنكار عابرة، بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية متكاملة.
حل الإشكال الدستوري يجب تبني دعوة رئيس مجلس القضاء الأعلى بإعادة تفسير المادة السادسة والسبعين أو تعديلها، بحيث تلزم الكتلة الأكثر عدداً بأنها الكتلة الفائزة في الانتخابات حصراً، فهذا يقلص مساحة الابتزاز السياسي ويحترم إرادة الناخب الحقيقية.
الذهاب إلى مرشح تسوية وطني استمرار التمسك بشخصية مثيرة للجدل في ظل فيتو أمريكي واعتراض داخلي يعني استمرار التعطيل، والتوجه نحو دعم شخصية توافقية وطنية، سواء كان رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني لولاية ثانية أو غيره، هو المخرج العملي شريطة أن تكون هذه الشخصية معبرة عن سيادة العراق أولاً.
إبعاد الحكومة عن صراعات المحاور يجب أن تتبنى الحكومة المقبلة برنامجاً واضحاً بعلاقات متوازنة مع الجميع، الولايات المتحدة وإيران والعالم العربي على السواء، وألا تكون حكومة محور ضد آخر، وهذا يتطلب ضمان احتكار الدولة للسلاح وعدم تدخل أي جهة غير حكومية في قرار الدولة.
مواجهة الابتزاز الخارجي بالسيادة على القوى السياسية أن تدرك أن الخضوع للشروط الأمريكية المذلة سيُبقي العراق في دائرة الأزمة، والمطلوب خطاب سيادي موحد يقول للجميع بوضوح: العراق ليس قاعدة لتصفية حساباتكم، ولا وصاية لأحد على قراره، ومن يريد علاقة معنا فليتعامل مع دولتنا الوطنية بندية واحترام.
الفرق بين طهران وبغداد اليوم هو الفرق بين الدولة العميقة والدولة الهشة، والفرق بين قرار سيادي ووصاية مفروضة. في إيران، يتحرك النظام كجسم واحد لملء الفراغ بسرعة لضمان البقاء. في العراق، تتصارع الإرادات الداخلية والخاضعة للخارج على مقاعد السلطة والمال، بينما يدفع المواطن ثمن ذلك، ويرتهن حاضر البلاد ومستقبلها.
ما لم تتوحد الرؤية الوطنية، وتُحل الإشكاليات الدستورية، ويُعاد النظر في مفهوم المحاصصة التوافقية الذي تحول إلى محاصصة تعطيلية، ويتخذ موقف حازم وجريء تجاه الوصاية الأمريكية، فإن كل انتخابات قادمة ستكون نسخة مكررة من هذه المأساة. وستبقى أمريكا تضع شروطها، وستبقى منظمات المجتمع المدني المأجورة تمارس دسائسها، بينما يدفع العراقيون الثمن، ويبقى السؤال معلقاً في الهواء: من يتحدث باسم العراق ومن يدافع عن سيادته؟
قراءة في معوقات تشكيل الحكومة وهيمنة الوصاية الأمريكية
إعداد: حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني.
مقدمة: مشهدان متعارضان
إن المشهد المطروح يعكس التناقض الصارخ بين نموذجين للحكم في منطقتنا. ففي اللحظة التي كانت فيها إيران تتعرض لضربة قاسية باغتيال مرشدها الأعلى على خلفية حرب مفتوحة، انعقد مجلس الخبراء وفي غضون أيام أعلن اختيار قائد جديد للدولة. في المقابل، يعيش العراق منذ انتخابات تشرين الثاني من عام 2025 حالة من الجمود التام، حيث لم يُنتخب رئيس للجمهورية، ولم تتم تشكيل حكومة جديدة، رغم إنفاق مليارات الدولارات على العملية الانتخابية، واستمرار التعطيل لأشهر طويلة.
هذه المفارقة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج طبيعة مختلفة جذرياً للنظام السياسي في كل بلد، حيث يقف نظام مؤسسات مغلق وحاسم في إيران، مقابل نظام توافقي هش ومعطل في العراق، تتداخل فيه الإرادات الداخلية مع الضغوط الخارجية بشكل معقد، وتتربص به الوصايا الدولية التي تحول دون امتلاك قرار سيادي مستقل.
أولاً: إيران وكيفية إدارة الأزمة بسرعة وحسم
لفهم سرعة القرار الإيراني رغم الحرب والحصار، يجب النظر إلى طبيعة النظام السياسي هناك. يقوم النظام الإيراني على مبدأ ولاية الفقيه، حيث يمثل المرشد الأعلى رأس الهرم والقمة التي لا تتخذ القرارات الكبرى من دونها. عملية اختيار المرشد منوطة بمجلس خبراء القيادة، وهو مجلس لا يمثل الشعب بالمعنى البرلماني المتعارف عليه، بل هو نخبة دينية وسياسية متجانسة أيديولوجياً، يجري انتخاب أعضائها وفق معايير صارمة تمنع وصول الأصوات المعارضة أو المخالفة لخط الثورة.
إن ملف خلافة المرشد في إيران ليس ملفاً طارئاً أو عفوياً كما قد يظن البعض، بل هو ملف كانت تستعد له لجان سرية داخل مجلس الخبراء لسنوات طويلة، تدرس الأسماء المحتملة وترسم سيناريوهات انتقال السلطة. عندما اغتيل المرشد السابق آية الله علي خامنئي، كان المجلس قد أنهى نقاشاته المسبقة عملياً، فكان اجتماعه مجرد تفعيل لقرار جاهز ومُعد سلفاً.
الآلية الإيرانية تقوم على الحسم بدلاً من التوافق المطوّل، فتحت ضغط الحرب والحصار تذوب الخلافات الداخلية لصالح الحسم، لأن الفراغ في قمة الهرم يعني انهيار النظام بأكمله. السرعة الإيرانية إذن هي نتاج نظام مغلق ونخبوي ومستعد مسبقاً، لا يهتم كثيراً بالتمثيل الواسع أو التنوع السياسي بقدر ما يهتم باستمرارية النظام وبقائه.
ثانياً: العراق ولماذا يستمر التعطيل رغم وضوح النتائج؟
في العراق، المشهد مختلف تماماً، بل هو معكوس في كل التفاصيل، وهذا ما يفسر استمرار الأزمة لأكثر من ثلاثة أشهر على الانتخابات ولأيام عديدة بعد انقضاء المهلة الدستورية لتشكيل الحكومة.
الإشكالية الدستورية وتفسير الكتلة الأكثر عدداً
تسببت المادة السادسة والسبعون من الدستور العراقي في أزمة تفسير مزمنة، فالنص الدستوري يكلّف رئيس الجمهورية بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة، لكن السؤال الجوهري الذي ظل بلا إجابة حاسمة: هل المقصود هو الكتلة الفائزة في الانتخابات فعلياً، أم الكتلة التي تتشكل بعد الانتخابات عبر التحالفات والمساومات؟ رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان حذر مؤخراً من أن التفسير الحالي الذي يسمح بالتحالفات البعدية هو ما يطيل أمد الأزمات، لأنه يفتح باب المساومات ويجعل نتائج صناديق الاقتراع مجرد نقطة بداية للمزايدات السياسية، وليس حاسماً للفائز الشرعي.
الصراع الداخلي داخل المكون الشيعي
التحالف الشيعي الحاكم الذي يعرف بالإطار التنسيقي ليس كتلة واحدة متماسكة كالنخبة الإيرانية، بل هو ائتلاف فضفاض يضم أحزاباً وقوى متنافسة، بل ومتصارعة في كثير من الأحيان. ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء قوبل برفض واضح من قوى داخل الإطار نفسه، مثل تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم وحركة صادقون بزعامة قيس الخزعلي، ناهيك عن القوى السنية والكردية التي أبدت تحفظاتها على عودة المالكي.
هناك انقسام واضح داخل الإطار بين تيار يميل إلى نهج متوازن مع الغرب والعالم العربي، ويمثله رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني وحلفاؤه، وبين تيار آخر أكثر تشدداً يريد الإبقاء على التحالفات الإقليمية التقليدية. المفاوضات الحالية إذن لا تتعلق فقط بتشكيل حكومة، بل تعيد ترتيب التحالفات الداخلية برمتها.
التدخل الخارجي المباشر: الوصاية الأمريكية المفضوحة
هذا هو البند الأهم في التحليل، وهو ما يمكن وصفه بالوصاية الأمريكية العلنية على القرار العراقي، فالعراق اليوم تحول إلى ساحة مكشوفة للصراع الإقليمي والدولي، وتحديداً الصراع الأمريكي مع قوى إقليمية أخرى. وصل التدخل الأمريكي إلى مستويات غير مسبوقة، حيث لم يعد الأمر رسائل خلف الكواليس، بل تحذيرات علنية صدرت عن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وصف فيها ترشيح المالكي بأنه "خيار سيئ"، وتهديدات بقطع المساعدات وفرض عقوبات على الدولة العراقية نفسها.
الإنذار الأمريكي المباشر تمثل في ورقة شروط سلمها المبعوث الأميركي تتضمن نقاطاً واضحة وحاسمة، منها حل بعض الفصائل، نزع سلاحها، إخراجها من الحكومة، وإلغاء ترشيح نوري المالكي. هذا التدخل السافر يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة، ويضع العراق أمام اختبار حقيقي لسيادته واستقلال قراره.
من المهم التأكيد هنا على أن الادعاءات بوجود تدخل إيراني في العراق هي ادعاءات عارية عن الصحة، وتهدف إلى تغطية التدخلات الأخرى المفضوحة، خصوصاً التدخل الأمريكي المباشر. نعم، هناك تدخلات إقليمية من دول الجوار العربي، فهناك تركيا التي تتوغل في الأراضي العراقية شمالاً في سياق تحالفها مع المخطط الإسرائيلي في المنطقة، وهناك تدخلات خليجية من دول مثل السعودية والكويت وقطر، وهناك نفوذ أردني وسوري في ملفات متعددة. لكن الحديث عن مليشيات عراقية موالية لإيران هو مجرد ذريعة لتبرير التدخل الأمريكي والهيمنة على القرار العراقي.
النتيجة المباشرة لكل هذا أن العراق بات رهينة لهذه الصراعات، كلما حاول تشكيل حكومة، يتلقى صفعة من هنا أو إنذاراً من هناك، وتبقى السيادة العراقية معلقة في الهواء.
ثالثاً: الموقف الوطني الحازم... خيار السيادة وإنهاء الوصاية
في خضم هذا الصراع المحموم على مقاعد السلطة، يغيب السؤال الجوهري: أين السيادة العراقية؟ لقد آن الأوان لموقف وطني حازم ينتشل البلاد من دائرة الهيمنة والوصاية الخارجية، ويؤسس لمرحلة جديدة تستند إلى المصالح الوطنية العليا، لا إلى أجندات إقليمية أو دولية.
اللجوء إلى الشرعية الدولية لمواجهة الهيمنة الأمريكية
لا يمكن للعراق أن يحقق سيادته طالما بقي رهينة للإرادات الأمريكية المباشرة، فاستمرار الوصاية الأمريكية على القرار السياسي العراقي، والتهديدات العلنية بقطع المساعدات وفرض العقوبات، يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد على سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. لذلك فإن المخرج الأول يتمثل في أن تخوض الحكومة العراقية موقفاً حازماً باللجوء إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، وتطلب تدخلاً رسمياً بإشراف ومراقبة دولية حقيقية، يكفل احترام إرادة الشعب العراقي ويبعد البلاد عن دائرة الابتزاز الأمريكي. إن فضح الممارسات الأمريكية علناً في المحافل الدولية، وتقديم شكاوى رسمية ضد التهديدات والإنذارات الأمريكية، هو خطوة ضرورية لكسر جدار الصمت والخوف.
إعلان المسؤولية القانونية: أمريكا تتحمل العواقب
يجب أن يكون الموقف العراقي واضحاً وحاسماً: إما احترام السيادة العراقية وإنهاء الهيمنة، وإما أن تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية ومن يحالفها كافة العواقب القانونية والسياسية والاقتصادية المترتبة على استمرار هذا التدخل. الوقت لم يعد في صالح أحد، والشارع العراقي الذي خرج في تظاهرات متعددة يرفض الوصايات الخارجية لن يبقى صامتاً طويلاً.
وقفة وطنية للمجتمع المدني الحقيقي
على منظمات المجتمع المدني التي تتعامل بروح وطنية عراقية مهنية أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية، فالمطلوب منها اليوم موقف واضح برفض أي دعم أو تدخل خارجي، وكشف المنظمات التي تعمل بأجندات مشبوهة. لقد تحولت بعض منظمات المجتمع المدني المدعومة من الخارج إلى أدوات لخلق الفوضى ونشر الدسائس المغرضة ضد الشعب العراقي، بالتوازي مع إعلام متناقض ومحرض يكرر الأكاذيب ذاتها.
تطهير الساحة المدنية من العملاء
على الحكومة العراقية الحالية، ومن قبلها القوى السياسية الوطنية، أن تتحمل مسؤولية إلغاء وتجميد عمل أي منظمة مجتمع مدني تثبت تبعيتها لجهات خارجية، أو تمارس نشاطها لصالح أجندات معادية للعراق. هذه المنظمات لم تعد مجرد جهات داعمة، بل تحولت إلى خلايا ضغط واستهداف منظم ضد استقرار البلاد، تحت غطاء حقوق الإنسان والديمقراطية.
الوقت يداهمنا ولا مكان للتردد
الوقت يداهم العراق، وأي تردد في اتخاذ هذه المواقف سيكلف البلاد ثمناً باهظاً، فاستمرار حالة الجمود السياسي تحت الضغط الأمريكي، وقبول الشروط المهينة، يعني أن العراق سيبقى في دائرة الأزمات المفتوحة. الخيار اليوم هو خيار السيادة أو التبعية، ولا يمكن أن يجتمع الاثنان في وطن واحد.
رابعاً: ما هو الحل في رؤية موضوعية
الخروج من هذا المأزق يتطلب أكثر من مجرد اجتماعات ليلية لقادة الإطار، وأكثر من بيانات استنكار عابرة، بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية متكاملة.
حل الإشكال الدستوري يجب تبني دعوة رئيس مجلس القضاء الأعلى بإعادة تفسير المادة السادسة والسبعين أو تعديلها، بحيث تلزم الكتلة الأكثر عدداً بأنها الكتلة الفائزة في الانتخابات حصراً، فهذا يقلص مساحة الابتزاز السياسي ويحترم إرادة الناخب الحقيقية.
الذهاب إلى مرشح تسوية وطني استمرار التمسك بشخصية مثيرة للجدل في ظل فيتو أمريكي واعتراض داخلي يعني استمرار التعطيل، والتوجه نحو دعم شخصية توافقية وطنية، سواء كان رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني لولاية ثانية أو غيره، هو المخرج العملي شريطة أن تكون هذه الشخصية معبرة عن سيادة العراق أولاً.
إبعاد الحكومة عن صراعات المحاور يجب أن تتبنى الحكومة المقبلة برنامجاً واضحاً بعلاقات متوازنة مع الجميع، الولايات المتحدة وإيران والعالم العربي على السواء، وألا تكون حكومة محور ضد آخر، وهذا يتطلب ضمان احتكار الدولة للسلاح وعدم تدخل أي جهة غير حكومية في قرار الدولة.
مواجهة الابتزاز الخارجي بالسيادة على القوى السياسية أن تدرك أن الخضوع للشروط الأمريكية المذلة سيُبقي العراق في دائرة الأزمة، والمطلوب خطاب سيادي موحد يقول للجميع بوضوح: العراق ليس قاعدة لتصفية حساباتكم، ولا وصاية لأحد على قراره، ومن يريد علاقة معنا فليتعامل مع دولتنا الوطنية بندية واحترام.
الفرق بين طهران وبغداد اليوم هو الفرق بين الدولة العميقة والدولة الهشة، والفرق بين قرار سيادي ووصاية مفروضة. في إيران، يتحرك النظام كجسم واحد لملء الفراغ بسرعة لضمان البقاء. في العراق، تتصارع الإرادات الداخلية والخاضعة للخارج على مقاعد السلطة والمال، بينما يدفع المواطن ثمن ذلك، ويرتهن حاضر البلاد ومستقبلها.
ما لم تتوحد الرؤية الوطنية، وتُحل الإشكاليات الدستورية، ويُعاد النظر في مفهوم المحاصصة التوافقية الذي تحول إلى محاصصة تعطيلية، ويتخذ موقف حازم وجريء تجاه الوصاية الأمريكية، فإن كل انتخابات قادمة ستكون نسخة مكررة من هذه المأساة. وستبقى أمريكا تضع شروطها، وستبقى منظمات المجتمع المدني المأجورة تمارس دسائسها، بينما يدفع العراقيون الثمن، ويبقى السؤال معلقاً في الهواء: من يتحدث باسم العراق ومن يدافع عن سيادته؟