|
كتب رياض الفرطوسي
في بلدٍ اعتاد أن تُقرأ أحداثه بعيون متعبة، يظل هناك خيط رفيع من المعنى يقاوم الانقطاع. في حواراتي المستمرة مع الدكتور إياد السامرائي رئيس مجلس النواب الاسبق ، لا يظهر العراق كصورة مكتملة السواد، بل كمشهدٍ متداخل، فيه من العطب بقدر ما فيه من فرص النجاة. السؤال لم يعد لماذا ننقسم، بل كيف يمكن لهذا الانقسام نفسه أن يصبح نقطة بداية لفهمٍ أعمق، وربما لتماسكٍ مختلف.
العراق ليس مجرد جغرافيا متنازعة، بل حكاية وعي يتشكل تحت ضغطٍ هائل. كل حدث فيه يُحمَّل أكثر مما يحتمل، يُسحب سريعاً إلى دوائر التفسير الجاهز، حتى يكاد الواقع نفسه يضيع بين الروايات. غير أن الحقيقة، مهما جرى تأويلها، تبقى قادرة على الظهور مع الزمن، وهذه إحدى نقاط القوة التي لا ينتبه لها كثيرون.
ما نواجهه ليس فقط انقساماً اجتماعياً، بل نمط تفكير يميل إلى التبسيط الحاد، يرى العالم في صورتين متقابلتين دون مساحات وسيطة. هذا ما يجعل الخلاف يبدو صراعاً وجودياً، لا اختلافاً قابلاً للإدارة. ومع ذلك، فإن إدراك هذه المشكلة هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها، فالمجتمعات لا تتغير دفعة واحدة، بل تبدأ من مراجعات صغيرة تتراكم.
في هذا السياق، يمكن الاستفادة من أفكار يورغن هابرماس (فيلسوف وعالم اجتماع ألماني) حول أهمية الفضاء العام والحوار العقلاني، حيث لا تُحسم القضايا بالصوت الأعلى، بل بالحجة الأقوى. كما أن قراءة أمارتيا سن (اقتصادي وفيلسوف هندي، حائز على نوبل) لمسألة الهوية تفتح باباً مهماً، إذ يؤكد أن الإنسان لا يُختزل في انتماء واحد، بل يحمل داخله دوائر متعددة يمكن أن تتكامل بدل أن تتصادم.
العراق، بهذا المعنى، لا يعاني من تنوعه، بل من طريقة إدارة هذا التنوع. فحين تُختزل الهوية في بعد واحد، تضيق الرؤية، ويصبح الآخر تهديداً. أما حين يُعاد توسيعها، يظهر المشترك الإنساني الذي يمكن البناء عليه. هذه ليست فكرة نظرية، بل تجربة أثبتت نجاحها في مجتمعات متعددة حول العالم.
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن الخطابات الحادة تجد لها رواجاً أكبر، خاصة في فضاء رقمي مفتوح. لكن هذا لا يعني غياب البدائل، بل يشير إلى الحاجة لتعزيزها. فكلما وُجد خطاب متوازن، قادر على الجمع بين النقد والهدوء، كلما اتسعت مساحته تدريجياً، حتى وإن بدا تأثيره بطيئاً في البداية.
أما على مستوى الحياة اليومية، فهناك مؤشرات بسيطة لكنها مهمة، تعاون بين أفراد من خلفيات مختلفة، مبادرات شبابية، لحظات تضامن تتجاوز الانتماءات الضيقة. هذه التفاصيل، رغم تواضعها، تمثل نواة لوعي مختلف، ولبنة في بناء ثقة مفقودة.
الحديث عن استثمار الأزمات ليس جديداً، لكن الجديد هو إمكانية تحويل هذا الإدراك إلى وعي مضاد، يرفض الانجرار السريع، ويبحث عن الفهم قبل الحكم. هنا تحديداً، يظهر دور المثقف، والمعلم، والإعلامي، وكل من يملك كلمة، في ترسيخ هذا الاتجاه.
في النهاية، لا يبدو العراق محكوماً بمصير واحد. بين الانقسام وإمكانية التماسك، مساحة واسعة للعمل والتفكير. وما يحتاجه اليوم ليس حلولاً جاهزة، بل إرادة هادئة تعيد ترتيب الأولويات، وتمنح الإنسان فرصة لأن يرى نفسه خارج القوالب الضيقة. هناك، في تلك المساحة، يبدأ الوطن في التشكل من جديد.
كتب رياض الفرطوسي
في بلدٍ اعتاد أن تُقرأ أحداثه بعيون متعبة، يظل هناك خيط رفيع من المعنى يقاوم الانقطاع. في حواراتي المستمرة مع الدكتور إياد السامرائي رئيس مجلس النواب الاسبق ، لا يظهر العراق كصورة مكتملة السواد، بل كمشهدٍ متداخل، فيه من العطب بقدر ما فيه من فرص النجاة. السؤال لم يعد لماذا ننقسم، بل كيف يمكن لهذا الانقسام نفسه أن يصبح نقطة بداية لفهمٍ أعمق، وربما لتماسكٍ مختلف.
العراق ليس مجرد جغرافيا متنازعة، بل حكاية وعي يتشكل تحت ضغطٍ هائل. كل حدث فيه يُحمَّل أكثر مما يحتمل، يُسحب سريعاً إلى دوائر التفسير الجاهز، حتى يكاد الواقع نفسه يضيع بين الروايات. غير أن الحقيقة، مهما جرى تأويلها، تبقى قادرة على الظهور مع الزمن، وهذه إحدى نقاط القوة التي لا ينتبه لها كثيرون.ما نواجهه ليس فقط انقساماً اجتماعياً، بل نمط تفكير يميل إلى التبسيط الحاد، يرى العالم في صورتين متقابلتين دون مساحات وسيطة. هذا ما يجعل الخلاف يبدو صراعاً وجودياً، لا اختلافاً قابلاً للإدارة. ومع ذلك، فإن إدراك هذه المشكلة هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها، فالمجتمعات لا تتغير دفعة واحدة، بل تبدأ من مراجعات صغيرة تتراكم.في هذا السياق، يمكن الاستفادة من أفكار يورغن هابرماس (فيلسوف وعالم اجتماع ألماني) حول أهمية الفضاء العام والحوار العقلاني، حيث لا تُحسم القضايا بالصوت الأعلى، بل بالحجة الأقوى. كما أن قراءة أمارتيا سن (اقتصادي وفيلسوف هندي، حائز على نوبل) لمسألة الهوية تفتح باباً مهماً، إذ يؤكد أن الإنسان لا يُختزل في انتماء واحد، بل يحمل داخله دوائر متعددة يمكن أن تتكامل بدل أن تتصادم.العراق، بهذا المعنى، لا يعاني من تنوعه، بل من طريقة إدارة هذا التنوع. فحين تُختزل الهوية في بعد واحد، تضيق الرؤية، ويصبح الآخر تهديداً. أما حين يُعاد توسيعها، يظهر المشترك الإنساني الذي يمكن البناء عليه. هذه ليست فكرة نظرية، بل تجربة أثبتت نجاحها في مجتمعات متعددة حول العالم.من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن الخطابات الحادة تجد لها رواجاً أكبر، خاصة في فضاء رقمي مفتوح. لكن هذا لا يعني غياب البدائل، بل يشير إلى الحاجة لتعزيزها. فكلما وُجد خطاب متوازن، قادر على الجمع بين النقد والهدوء، كلما اتسعت مساحته تدريجياً، حتى وإن بدا تأثيره بطيئاً في البداية.أما على مستوى الحياة اليومية، فهناك مؤشرات بسيطة لكنها مهمة، تعاون بين أفراد من خلفيات مختلفة، مبادرات شبابية، لحظات تضامن تتجاوز الانتماءات الضيقة. هذه التفاصيل، رغم تواضعها، تمثل نواة لوعي مختلف، ولبنة في بناء ثقة مفقودة.الحديث عن استثمار الأزمات ليس جديداً، لكن الجديد هو إمكانية تحويل هذا الإدراك إلى وعي مضاد، يرفض الانجرار السريع، ويبحث عن الفهم قبل الحكم. هنا تحديداً، يظهر دور المثقف، والمعلم، والإعلامي، وكل من يملك كلمة، في ترسيخ هذا الاتجاه.في النهاية، لا يبدو العراق محكوماً بمصير واحد. بين الانقسام وإمكانية التماسك، مساحة واسعة للعمل والتفكير. وما يحتاجه اليوم ليس حلولاً جاهزة، بل إرادة هادئة تعيد ترتيب الأولويات، وتمنح الإنسان فرصة لأن يرى نفسه خارج القوالب الضيقة. هناك، في تلك المساحة، يبدأ الوطن في التشكل من جديد.
|