
الأسباب – المخاطر – سبل الحد منها
أولاً: تمهيد
تشهد الشوارع العراقية في السنوات الأخيرة ظاهرة خطيرة ومتنامية، تتمثل في قيام فئة من الشباب بأداء حركات بهلوانية واستعراضية خطيرة بالدراجات النارية على الطرقات السريعة وفي الشوارع الرئيسية، متجاهلين القوانين المرورية، ومعرّضين حياتهم وحياة الآخرين للخطر. لم تعد هذه الظاهرة سلوكاً فردياً عابراً، بل تحولت إلى مشهد متكرر يحصد أرواح الشباب، ويخلّف إصابات بليغة وإعاقات دائمة، فضلاً عن إرباك الحركة المرورية، وإزعاج المواطنين، وإثارة الذعر في نفوسهم. إن ما يمارسه هؤلاء الشباب من حركات بهلوانية كرفع العجلة الأمامية المعروفة بـ"الونيل"، والقيادة بسرعة جنونية، والتعرجات الخطيرة بين المركبات، ليس مجرد تحدٍ أو مغامرة بريئة، بل هو انتهاك صريح لقوانين المرور وجريمة بحق السلامة العامة، تستوجب وقفة جادة من جميع الجهات المعنية.
ثانياً: حجم الظاهرة وإحصائياتها المقلقة
تكشف المؤشرات والإحصائيات المتاحة عن حجم الكارثة الصامتة التي تسببها هذه الظاهرة، إذ سجل مشفى الجولان الوطني وحده اثنين وستمئة حادث خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، شكلت حوادث الدراجات النارية النسبة الأكبر منها. وتشير الإحصاءات إلى ازدياد ملحوظ في عدد الحوادث خلال أشهر الصيف، وهي الفترة التي تشهد نشاطاً متزايداً لاستخدام الدراجات النارية. وبالنظر إلى المشهد العام، نجد أن حوادث المرور في العراق تجاوزت ستة آلاف حادث خلال عام 2025، نتج عنها أكثر من ألفين وسبعمئة إصابة وما يزيد على ثلاثمئة وفاة، وتشكل الدراجات النارية نسبة كبيرة من هذه الحوادث. ولا تقتصر خطورة هذه الحوادث على العراق فحسب، بل كشفت إحصاءات عالمية أن أربعة عشر بالمئة من إجمالي الوفيات المرورية تُنسب إلى راكبي الدراجات النارية، كما تمثل حوادثهم سبعة عشر بالمئة من إجمالي الوفيات بين الركاب، وذلك لأن الدراجات النارية تُعد من أكثر وسائل النقل عرضة للمخاطر مقارنة بالمركبات الأخرى، نظراً لافتقارها إلى أنظمة الأمان والحماية التي توفرها السيارات. وتشير التقارير الميدانية إلى أن الاستخدام الخاطئ للدراجات النارية، وعدم ارتداء الخوذة الواقية، وركوب أكثر من شخصين على دراجة واحدة، هي أبرز الأسباب المباشرة المؤدية إلى هذه الإصابات والوفيات.
ثالثاً: الأسباب والعوامل المساهمة في انتشار الظاهرة
تتعدد العوامل الكامنة وراء انتشار هذه الظاهرة الخطيرة، ويأتي في مقدمتها ضعف الرقابة المرورية الناتج عن غياب التواجد الفعلي للشرطة المرورية في بعض المناطق، خاصة في الأوقات المتأخرة من الليل وخلال عطل نهاية الأسبوع، مما يتيح الفرصة لهؤلاء الشباب لممارسة استعراضاتهم دون رادع. كما يسهم في تفاقم المشكلة قلة الوعي المروري، حيث تفتقر شريحة كبيرة من الشباب إلى الثقافة المرورية الكافية، ولا يدركون العواقب الوخيمة لسلوكياتهم الخطيرة سواء على أنفسهم أو على الآخرين. من ناحية أخرى، يبرز تأثير وسائل التواصل الاجتماعي كعامل محفز قوي، إذ يسعى كثير من الشباب إلى تصوير حركاتهم الاستعراضية ونشرها على منصات مثل تيك توك وإنستغرام بهدف جذب المتابعين وتحقيق "الشهرة" السريعة، مما يشكل حافزاً لاستمرار هذه الممارسات وتقليدها من قبل آخرين. ولا يمكن إغفال سهولة اقتناء الدراجات النارية، فقد أصبحت في متناول الشباب بأسعار معقولة، ومع غياب الرقابة على جهات البيع، يمكن لأي شاب حتى دون السن القانونية شراء دراجة نارية بسهولة. في المقابل، نجد أن ضعف العقوبات الرادعة يجعل من هذه المخالفات أمراً هيناً، إذ إن العقوبات المقررة إما غير كافية بحد ذاتها، أو لا يتم تطبيقها بصرامة على أرض الواقع. كما يلعب الفراغ وغياب البدائل الترفيهية دوراً مهماً، حيث يلجأ بعض الشباب إلى هذه الممارسات كوسيلة للتسلية وقضاء الوقت، في ظل غياب الفعاليات والأنشطة الآمنة والمناسبة التي تستوعب طاقاتهم.
رابعاً: الإطار القانوني العراقي
نص قانون المرور العراقي رقم (8) لسنة 2019 على عدد من الأحكام التي تجرّم هذه الممارسات، فقد أوجبت المادة الرابعة والثلاثون منه معاقبة كل من يرتكب مخالفات مرورية جسيمة تعرّض السلامة العامة للخطر، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنة واحدة، أو بغرامة لا تقل عن مئتي ألف دينار. كما تنص المادة الخامسة والعشرون من القانون على حظر قيادة الدراجة النارية في أوقات محددة تمتد من الساعة السادسة مساءً حتى الساعة السادسة صباحاً في بعض المناطق، ويعاقب المخالف بحجز الدراجة وغرامة مقدارها مئة ألف دينار. وبخصوص السن القانونية، يحدد القانون أن قيادة الدراجة النارية لا تجوز إلا لمن بلغ السادسة عشرة من عمره، بينما لا يُسمح بقيادة المركبات الأخرى إلا لمن بلغ الثامنة عشرة. كذلك، يمنع القانون الدراجات النارية غير المرقمة أو غير المسجلة من السير على الطرق الرئيسية وداخل مراكز المدن، وفي حال ضبطها يتم حجزها فوراً. كما تُعد قيادة الأطفال للمركبات مخالفة صريحة للقانون، ويُحال الحدث المخالف وولي أمره إلى المحكمة وفق أحكام قانون العقوبات العراقي. ورغم وجود هذا الإطار القانوني المتكامل نظرياً، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في تطبيقه بشكل فعلي ورادع على أرض الواقع.
خامساً: تجارب دولية في الحد من الظاهرة
تتعدد التجارب الدولية الناجحة في الحد من هذه الظاهرة، ويمكن الاستفادة منها في السياق العراقي. ففي الإمارات العربية المتحدة، يصل تغريم المخالف إلى ثلاثة آلاف درهم، مع إضافة ثلاث وعشرين نقطة مرورية، وحجز المركبة لمدة تسعين يوماً، وتصل الغرامات بموجب المرسوم رقم (30) لسنة 2023 إلى خمسين ألف درهم في بعض الحالات، كما تقوم شرطة دبي باعتقال السائقين الذين يظهرون في فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي وهم يؤدون حركات خطيرة. على صعيد أقرب، كثفت مديرية مرور أربيل في إقليم كردستان حملاتها ضد الدراجات النارية غير المرخصة والمتهورة، وصادرت الدراجات المستخدمة في الاستعراض وإزعاج الجمهور، مع تأكيد المسؤولين على أن الدراجين الذين يؤدون حركات بهلوانية أو يقودون بتهور سيواجهون إجراءات صارمة. أما في باكستان وتحديداً في مدينة كويتا، فقد أطلقت شرطة المرور حملة واسعة ضد ظاهرة القيادة على عجلة واحدة، وصادرت أكثر من مئة وسبع دراجات نارية، إلى جانب حملة توعية عبر إذاعة المرور. وفي تجربة مبتكرة، أطلقت شرطة غواهاتي في الهند حملة توعية فريدة باستخدام أسلوب مستوحى من ألعاب الفيديو ممزوج بعناصر الثقافة الشعبية المحلية، مستهدفة الفئة العمرية بين الثامنة عشرة والرابعة والثلاثين، واعتمدت على الفكاهة والسخرية لزيادة التفاعل والوعي، مما أثبت فعالية كبيرة في الوصول إلى هذه الشريحة العمرية المستهدفة.
سادساً: التوصيات والحلول المقترحة
في المحور التشريعي والقانوني، يوصي الفريق بتعديل قانون المرور رقم (8) لسنة 2019، وذلك بإضافة نصوص قانونية خاصة تجرّم صراحة أداء الحركات البهلوانية والاستعراضية بالدراجات النارية، وتعتبر تصوير هذه الحركات ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي فعلاً محرضاً على الجريمة، كما تشدد العقوبة على أولياء الأمور في حال قيادة أبنائهم للدراجات النارية وهم دون السن القانونية. كما ينبغي تشديد العقوبات لتكون رادعة حقاً، من خلال فرض الحبس الإلزامي لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامات مالية مرتفعة لا تقل عن مليون دينار، مع مصادرة الدراجة النارية نهائياً، وإضافة نقاط سوداء في سجل السائق تؤدي إلى سحب الإجازة نهائياً بعد تكرار المخالفة. فضلاً عن ذلك، يجب إلزام محال بيع الدراجات النارية بالتحقق من السن القانونية للمشتري وطلب إجازة السوق، وإلا يتحمّل البائع المسؤولية القانونية كاملة.
في المحور الرقابي والأمني، يوصى بتكثيف التواجد المروري في الأماكن التي تشهد هذه الممارسات، خاصة في أوقات الذروة وعطل نهاية الأسبوع، مع استخدام التقنيات الحديثة كتركيب كاميرات مراقبة ذكية في الطرقات السريعة قادرة على رصد الحركات الاستعراضية، واستخدام الطائرات بدون طيار للمراقبة في المناطق المفتوحة، وتفعيل نظام الرادار الذكي لضبط السرعات الجنونية. ومن المقترح أيضاً إنشاء فرق خاصة في مديرية المرور مهمتها متابعة ورصد هذه الظاهرة، وملاحقة المخالفين وتوثيق مخالفاتهم، بالإضافة إلى التنسيق مع منصات التواصل الاجتماعي لحذف المحتويات التي تروّج للاستعراضات الخطيرة ومحاسبة ناشريها قانونياً.
في المحور التوعوي والإعلامي، تعتبر حملات التوعية الوطنية المستمرة ركيزة أساسية في مواجهة هذه الظاهرة، ويجب أن تستهدف فئة الشباب باستخدام منصات التواصل الاجتماعي بأسلوب عصري وجذاب، مع تقديم شهادات حية من ضحايا هذه الحوادث وعائلاتهم، وعرض مقاطع فيديو توضح العواقب الوخيمة لهذه الممارسات. كما يقترح إدراج مادة التوعية المرورية في المناهج الدراسية، مع التركيز على مخاطر الدراجات النارية والاستخدام الآمن لها، وإشراك المؤثرين وصنّاع المحتوى في الحملات التوعوية ليكونوا قدوة إيجابية للشباب، بالإضافة إلى إنتاج أفلام وثائقية تسلط الضوء على معاناة ضحايا حوادث الدراجات النارية وعائلاتهم.
في المحور الاجتماعي والمجتمعي، من الضروري إشراك العائلات والأولياء في جهود التوعية، من خلال تنظيم ندوات توعوية في المدارس والجامعات والمساجد، وتوزيع منشورات توعوية حول مخاطر السماح للأبناء بقيادة الدراجات النارية دون السن القانونية أو دون إجازة. كذلك، يدعو الفريق إلى توفير بدائل ترفيهية آمنة للشباب، كإنشاء حلبات مخصصة للدراجات النارية حيث يمكن ممارسة هذه الهوايات بشكل آمن وتحت إشراف، على غرار ما هو معمول به في الدول المتقدمة، مع تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في رصد الظاهرة والإبلاغ عنها، وإنشاء خط ساخن للإبلاغ عن ممارسي الاستعراضات مع ضمان سرية المبلغين.
في محور البنية التحتية، يقترح الفريق تحسين تصميم الطرقات في المناطق التي تشهد هذه الظاهرة، بإضافة مطبات صناعية وحواجز تحد من السرعة، بالإضافة إلى إنشاء ممرات مخصصة للدراجات النارية في الطرقات السريعة تفصلها عن مسارات المركبات الأخرى، للحد من الاختلاط الخطير الذي يؤدي غالباً إلى وقوع الكوارث.
إن ظاهرة الاستعراض بالدراجات النارية والحركات البهلوانية في الطرقات السريعة ليست مجرد ممارسات فردية يمكن التغاضي عنها، بل هي كارثة إنسانية وأمنية واجتماعية تهدد أرواح الشباب، وتكلّف المجتمع خسائر بشرية ومادية جسيمة. لقد حصدت هذه الظاهرة وما زالت تحصد أرواح عشرات الشباب، وتتسبب بإصابات خطيرة لآخرين، فضلاً عن إرهابها للمواطنين وإرباكها للحركة المرورية. إن الحد من هذه الظاهرة يتطلب نهجاً متكاملاً يجمع بين التشريع الرادع، والرقابة الفاعلة، والتوعية المستمرة، والمشاركة المجتمعية الواسعة. ولا يمكن لأي جهة بمفردها أن تنجح في مواجهة هذا التحدي، بل يحتاج الأمر إلى تضافر جهود الحكومة ممثلة بوزارة الداخلية ومديرية المرور العامة ووزارتي التربية والتعليم العالي، إلى جانب المجتمع المدني والأسر والإعلام ومؤسسات المجتمع بأكمله. إن كل شاب يفقد حياته أو يصاب بإعاقة دائمة بسبب هذه الممارسات هو خسارة للوطن بأسره، وكل خطوة نتخذها اليوم للحد من هذه الظاهرة هي استثمار حقيقي في مستقبل شبابنا وسلامة مجتمعنا.
للاطلاع أو الاستشهاد:
يُرجى العودة إلى رقم النشر أعلاه، والمراسلة عبر الموقع الرسمي لأكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني.
رقم النشر: خ/دراسات/001/2026
تاريخ الإصدار: 26 حزيران 2026
جهة الإصدار: أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني .
( دراسات قوانين المرور العامة والسلامة العامة )
إعداد: د. حيدر الشبلاوي .
الأسباب – المخاطر – سبل الحد منها
أولاً: تمهيد
تشهد الشوارع العراقية في السنوات الأخيرة ظاهرة خطيرة ومتنامية، تتمثل في قيام فئة من الشباب بأداء حركات بهلوانية واستعراضية خطيرة بالدراجات النارية على الطرقات السريعة وفي الشوارع الرئيسية، متجاهلين القوانين المرورية، ومعرّضين حياتهم وحياة الآخرين للخطر. لم تعد هذه الظاهرة سلوكاً فردياً عابراً، بل تحولت إلى مشهد متكرر يحصد أرواح الشباب، ويخلّف إصابات بليغة وإعاقات دائمة، فضلاً عن إرباك الحركة المرورية، وإزعاج المواطنين، وإثارة الذعر في نفوسهم. إن ما يمارسه هؤلاء الشباب من حركات بهلوانية كرفع العجلة الأمامية المعروفة بـ"الونيل"، والقيادة بسرعة جنونية، والتعرجات الخطيرة بين المركبات، ليس مجرد تحدٍ أو مغامرة بريئة، بل هو انتهاك صريح لقوانين المرور وجريمة بحق السلامة العامة، تستوجب وقفة جادة من جميع الجهات المعنية.
ثانياً: حجم الظاهرة وإحصائياتها المقلقة
تكشف المؤشرات والإحصائيات المتاحة عن حجم الكارثة الصامتة التي تسببها هذه الظاهرة، إذ سجل مشفى الجولان الوطني وحده اثنين وستمئة حادث خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، شكلت حوادث الدراجات النارية النسبة الأكبر منها. وتشير الإحصاءات إلى ازدياد ملحوظ في عدد الحوادث خلال أشهر الصيف، وهي الفترة التي تشهد نشاطاً متزايداً لاستخدام الدراجات النارية. وبالنظر إلى المشهد العام، نجد أن حوادث المرور في العراق تجاوزت ستة آلاف حادث خلال عام 2025، نتج عنها أكثر من ألفين وسبعمئة إصابة وما يزيد على ثلاثمئة وفاة، وتشكل الدراجات النارية نسبة كبيرة من هذه الحوادث. ولا تقتصر خطورة هذه الحوادث على العراق فحسب، بل كشفت إحصاءات عالمية أن أربعة عشر بالمئة من إجمالي الوفيات المرورية تُنسب إلى راكبي الدراجات النارية، كما تمثل حوادثهم سبعة عشر بالمئة من إجمالي الوفيات بين الركاب، وذلك لأن الدراجات النارية تُعد من أكثر وسائل النقل عرضة للمخاطر مقارنة بالمركبات الأخرى، نظراً لافتقارها إلى أنظمة الأمان والحماية التي توفرها السيارات. وتشير التقارير الميدانية إلى أن الاستخدام الخاطئ للدراجات النارية، وعدم ارتداء الخوذة الواقية، وركوب أكثر من شخصين على دراجة واحدة، هي أبرز الأسباب المباشرة المؤدية إلى هذه الإصابات والوفيات.
ثالثاً: الأسباب والعوامل المساهمة في انتشار الظاهرة
تتعدد العوامل الكامنة وراء انتشار هذه الظاهرة الخطيرة، ويأتي في مقدمتها ضعف الرقابة المرورية الناتج عن غياب التواجد الفعلي للشرطة المرورية في بعض المناطق، خاصة في الأوقات المتأخرة من الليل وخلال عطل نهاية الأسبوع، مما يتيح الفرصة لهؤلاء الشباب لممارسة استعراضاتهم دون رادع. كما يسهم في تفاقم المشكلة قلة الوعي المروري، حيث تفتقر شريحة كبيرة من الشباب إلى الثقافة المرورية الكافية، ولا يدركون العواقب الوخيمة لسلوكياتهم الخطيرة سواء على أنفسهم أو على الآخرين. من ناحية أخرى، يبرز تأثير وسائل التواصل الاجتماعي كعامل محفز قوي، إذ يسعى كثير من الشباب إلى تصوير حركاتهم الاستعراضية ونشرها على منصات مثل تيك توك وإنستغرام بهدف جذب المتابعين وتحقيق "الشهرة" السريعة، مما يشكل حافزاً لاستمرار هذه الممارسات وتقليدها من قبل آخرين. ولا يمكن إغفال سهولة اقتناء الدراجات النارية، فقد أصبحت في متناول الشباب بأسعار معقولة، ومع غياب الرقابة على جهات البيع، يمكن لأي شاب حتى دون السن القانونية شراء دراجة نارية بسهولة. في المقابل، نجد أن ضعف العقوبات الرادعة يجعل من هذه المخالفات أمراً هيناً، إذ إن العقوبات المقررة إما غير كافية بحد ذاتها، أو لا يتم تطبيقها بصرامة على أرض الواقع. كما يلعب الفراغ وغياب البدائل الترفيهية دوراً مهماً، حيث يلجأ بعض الشباب إلى هذه الممارسات كوسيلة للتسلية وقضاء الوقت، في ظل غياب الفعاليات والأنشطة الآمنة والمناسبة التي تستوعب طاقاتهم.
رابعاً: الإطار القانوني العراقي
نص قانون المرور العراقي رقم (8) لسنة 2019 على عدد من الأحكام التي تجرّم هذه الممارسات، فقد أوجبت المادة الرابعة والثلاثون منه معاقبة كل من يرتكب مخالفات مرورية جسيمة تعرّض السلامة العامة للخطر، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنة واحدة، أو بغرامة لا تقل عن مئتي ألف دينار. كما تنص المادة الخامسة والعشرون من القانون على حظر قيادة الدراجة النارية في أوقات محددة تمتد من الساعة السادسة مساءً حتى الساعة السادسة صباحاً في بعض المناطق، ويعاقب المخالف بحجز الدراجة وغرامة مقدارها مئة ألف دينار. وبخصوص السن القانونية، يحدد القانون أن قيادة الدراجة النارية لا تجوز إلا لمن بلغ السادسة عشرة من عمره، بينما لا يُسمح بقيادة المركبات الأخرى إلا لمن بلغ الثامنة عشرة. كذلك، يمنع القانون الدراجات النارية غير المرقمة أو غير المسجلة من السير على الطرق الرئيسية وداخل مراكز المدن، وفي حال ضبطها يتم حجزها فوراً. كما تُعد قيادة الأطفال للمركبات مخالفة صريحة للقانون، ويُحال الحدث المخالف وولي أمره إلى المحكمة وفق أحكام قانون العقوبات العراقي. ورغم وجود هذا الإطار القانوني المتكامل نظرياً، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في تطبيقه بشكل فعلي ورادع على أرض الواقع.
خامساً: تجارب دولية في الحد من الظاهرة
تتعدد التجارب الدولية الناجحة في الحد من هذه الظاهرة، ويمكن الاستفادة منها في السياق العراقي. ففي الإمارات العربية المتحدة، يصل تغريم المخالف إلى ثلاثة آلاف درهم، مع إضافة ثلاث وعشرين نقطة مرورية، وحجز المركبة لمدة تسعين يوماً، وتصل الغرامات بموجب المرسوم رقم (30) لسنة 2023 إلى خمسين ألف درهم في بعض الحالات، كما تقوم شرطة دبي باعتقال السائقين الذين يظهرون في فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي وهم يؤدون حركات خطيرة. على صعيد أقرب، كثفت مديرية مرور أربيل في إقليم كردستان حملاتها ضد الدراجات النارية غير المرخصة والمتهورة، وصادرت الدراجات المستخدمة في الاستعراض وإزعاج الجمهور، مع تأكيد المسؤولين على أن الدراجين الذين يؤدون حركات بهلوانية أو يقودون بتهور سيواجهون إجراءات صارمة. أما في باكستان وتحديداً في مدينة كويتا، فقد أطلقت شرطة المرور حملة واسعة ضد ظاهرة القيادة على عجلة واحدة، وصادرت أكثر من مئة وسبع دراجات نارية، إلى جانب حملة توعية عبر إذاعة المرور. وفي تجربة مبتكرة، أطلقت شرطة غواهاتي في الهند حملة توعية فريدة باستخدام أسلوب مستوحى من ألعاب الفيديو ممزوج بعناصر الثقافة الشعبية المحلية، مستهدفة الفئة العمرية بين الثامنة عشرة والرابعة والثلاثين، واعتمدت على الفكاهة والسخرية لزيادة التفاعل والوعي، مما أثبت فعالية كبيرة في الوصول إلى هذه الشريحة العمرية المستهدفة.
سادساً: التوصيات والحلول المقترحة
في المحور التشريعي والقانوني، يوصي الفريق بتعديل قانون المرور رقم (8) لسنة 2019، وذلك بإضافة نصوص قانونية خاصة تجرّم صراحة أداء الحركات البهلوانية والاستعراضية بالدراجات النارية، وتعتبر تصوير هذه الحركات ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي فعلاً محرضاً على الجريمة، كما تشدد العقوبة على أولياء الأمور في حال قيادة أبنائهم للدراجات النارية وهم دون السن القانونية. كما ينبغي تشديد العقوبات لتكون رادعة حقاً، من خلال فرض الحبس الإلزامي لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامات مالية مرتفعة لا تقل عن مليون دينار، مع مصادرة الدراجة النارية نهائياً، وإضافة نقاط سوداء في سجل السائق تؤدي إلى سحب الإجازة نهائياً بعد تكرار المخالفة. فضلاً عن ذلك، يجب إلزام محال بيع الدراجات النارية بالتحقق من السن القانونية للمشتري وطلب إجازة السوق، وإلا يتحمّل البائع المسؤولية القانونية كاملة.
في المحور الرقابي والأمني، يوصى بتكثيف التواجد المروري في الأماكن التي تشهد هذه الممارسات، خاصة في أوقات الذروة وعطل نهاية الأسبوع، مع استخدام التقنيات الحديثة كتركيب كاميرات مراقبة ذكية في الطرقات السريعة قادرة على رصد الحركات الاستعراضية، واستخدام الطائرات بدون طيار للمراقبة في المناطق المفتوحة، وتفعيل نظام الرادار الذكي لضبط السرعات الجنونية. ومن المقترح أيضاً إنشاء فرق خاصة في مديرية المرور مهمتها متابعة ورصد هذه الظاهرة، وملاحقة المخالفين وتوثيق مخالفاتهم، بالإضافة إلى التنسيق مع منصات التواصل الاجتماعي لحذف المحتويات التي تروّج للاستعراضات الخطيرة ومحاسبة ناشريها قانونياً.
في المحور التوعوي والإعلامي، تعتبر حملات التوعية الوطنية المستمرة ركيزة أساسية في مواجهة هذه الظاهرة، ويجب أن تستهدف فئة الشباب باستخدام منصات التواصل الاجتماعي بأسلوب عصري وجذاب، مع تقديم شهادات حية من ضحايا هذه الحوادث وعائلاتهم، وعرض مقاطع فيديو توضح العواقب الوخيمة لهذه الممارسات. كما يقترح إدراج مادة التوعية المرورية في المناهج الدراسية، مع التركيز على مخاطر الدراجات النارية والاستخدام الآمن لها، وإشراك المؤثرين وصنّاع المحتوى في الحملات التوعوية ليكونوا قدوة إيجابية للشباب، بالإضافة إلى إنتاج أفلام وثائقية تسلط الضوء على معاناة ضحايا حوادث الدراجات النارية وعائلاتهم.
في المحور الاجتماعي والمجتمعي، من الضروري إشراك العائلات والأولياء في جهود التوعية، من خلال تنظيم ندوات توعوية في المدارس والجامعات والمساجد، وتوزيع منشورات توعوية حول مخاطر السماح للأبناء بقيادة الدراجات النارية دون السن القانونية أو دون إجازة. كذلك، يدعو الفريق إلى توفير بدائل ترفيهية آمنة للشباب، كإنشاء حلبات مخصصة للدراجات النارية حيث يمكن ممارسة هذه الهوايات بشكل آمن وتحت إشراف، على غرار ما هو معمول به في الدول المتقدمة، مع تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في رصد الظاهرة والإبلاغ عنها، وإنشاء خط ساخن للإبلاغ عن ممارسي الاستعراضات مع ضمان سرية المبلغين.
في محور البنية التحتية، يقترح الفريق تحسين تصميم الطرقات في المناطق التي تشهد هذه الظاهرة، بإضافة مطبات صناعية وحواجز تحد من السرعة، بالإضافة إلى إنشاء ممرات مخصصة للدراجات النارية في الطرقات السريعة تفصلها عن مسارات المركبات الأخرى، للحد من الاختلاط الخطير الذي يؤدي غالباً إلى وقوع الكوارث.
إن ظاهرة الاستعراض بالدراجات النارية والحركات البهلوانية في الطرقات السريعة ليست مجرد ممارسات فردية يمكن التغاضي عنها، بل هي كارثة إنسانية وأمنية واجتماعية تهدد أرواح الشباب، وتكلّف المجتمع خسائر بشرية ومادية جسيمة. لقد حصدت هذه الظاهرة وما زالت تحصد أرواح عشرات الشباب، وتتسبب بإصابات خطيرة لآخرين، فضلاً عن إرهابها للمواطنين وإرباكها للحركة المرورية. إن الحد من هذه الظاهرة يتطلب نهجاً متكاملاً يجمع بين التشريع الرادع، والرقابة الفاعلة، والتوعية المستمرة، والمشاركة المجتمعية الواسعة. ولا يمكن لأي جهة بمفردها أن تنجح في مواجهة هذا التحدي، بل يحتاج الأمر إلى تضافر جهود الحكومة ممثلة بوزارة الداخلية ومديرية المرور العامة ووزارتي التربية والتعليم العالي، إلى جانب المجتمع المدني والأسر والإعلام ومؤسسات المجتمع بأكمله. إن كل شاب يفقد حياته أو يصاب بإعاقة دائمة بسبب هذه الممارسات هو خسارة للوطن بأسره، وكل خطوة نتخذها اليوم للحد من هذه الظاهرة هي استثمار حقيقي في مستقبل شبابنا وسلامة مجتمعنا.
للاطلاع أو الاستشهاد:يُرجى العودة إلى رقم النشر أعلاه، والمراسلة عبر الموقع الرسمي لأكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني.
رقم النشر: خ/دراسات/001/2026تاريخ الإصدار: 26 حزيران 2026جهة الإصدار: أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني .( دراسات قوانين المرور العامة والسلامة العامة )إعداد: د. حيدر الشبلاوي .