
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام
الدراسات السياسية والقانونية - العدد (٣٣)
رقم النشر القانوني: ١٦/٨/٢٠٢٦
إعداد وتحليل
الدكتور حيدر الشبلاوي
سياسي من أبناء الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١
مستشار سابق في هيئة التحكيم الدولية للعلاقات السياسية والدبلوماسية وفض المنازعات ذات الطابع الدولي لعام ٢٠١٥ القاهرة .
مقدمة قانونية في سيادة الدولة وضماناتها في القانون الدولي والدبلوماسي
تعد سيادة الدولة حجر الزاوية في بناء النظام الدولي الحديث، وهي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين الدول في إطار القانون الدولي والبروتوكولات الدبلوماسية. وقد كرست المواثيق والمعاهدات الدولية هذا المبدأ وجعلته محوراً للتعامل بين الأمم، حيث نصت المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة على أن الهيئة "تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها"، كما أوجبت على جميع الأعضاء "في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة"، وهو ما يشكل حجر الأساس في حماية السيادة الوطنية لأي دولة، ومنها العراق، من أي تدخل أو انتهاك.
وجاءت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 لتؤطر هذه الضمانات في إطار قانوني ملزم، حيث حددت أعمال البعثات الدبلوماسية ورسخت مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المضيفة. وقد أكدت وزارة الخارجية العراقية في أكثر من مناسبة على تمسك العراق بهذا المبدأ، معتبرة أن أي تدخل في الشؤون الداخلية للعراق "يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية للعراق، وانتهاكاً صريحاً للمادة (1) من اتفاقية فيينا لتنظيم العلاقات بين الدول".
فضلاً عن ذلك، أصدر مجلس الأمن الدولي العديد من القرارات التي تؤكد على سيادة العراق واستقلاله السياسي وسلامته الإقليمية، مما يعكس إجماعاً دولياً على حرمة السيادة العراقية ووجوب احترامها من قبل جميع الأطراف.
إن هذه المقررات القانونية - المتمثلة في ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وقرارات مجلس الأمن - تشكل معاً الإطار المرجعي الذي يحدد مشروعية أي تحرك دبلوماسي أو قضائي تقوم به أي دولة تجاه العراق. وأي خرق لهذه الضوابط يعتبر انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، ويتطلب موقفاً قانونياً وسياسياً حازماً للحفاظ على سيادة العراق ومصالح شعبها.
وانطلاقاً من هذا الإطار القانوني والدستوري، تأتي هذه الدراسة لتحليل زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى دمشق، وقراءة أبعادها في ضوء أحكام الدستور العراقي، وقانون مجلس القضاء الأعلى، والمواثيق الدولية المنظمة للعلاقات الدبلوماسية، وصولاً إلى تقييم موضوعي لمدى مشروعية هذه الزيارة وانسجامها مع سيادة الدولة ومصالح الشعب العراقي.
(( زيارة رئيس القضاء العراقي إلى دمشق: قراءة في الأصول الدستورية والقانون الدولي والدبلوماسية المقارنة )).
أولاً: الإطار الدستوري لتوزيع الاختصاصات في العلاقات الخارجية
١. الاختصاص الحصري للسلطة الاتحادية في السياسة الخارجية
يُقرر الدستور العراقي لعام 2005، في المادة (110/أولاً)، أن من اختصاصات السلطات الاتحادية الحصرية: "رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي، والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية وسياسات...". هذا النص الدستوري واضح في حصر هذه الصلاحيات بالسلطة الاتحادية ممثلة بالسلطة التنفيذية، ولا مجال للمشاركة فيها من قبل السلطة القضائية أو غيرها من السلطات.
٢. اختصاصات رئيس الوزراء ومجلس الوزراء
يتولى رئيس مجلس الوزراء، بصفته رئيس السلطة التنفيذية، مسؤولية تنفيذ السياسة الخارجية للدولة، وإدارة العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى. وتُعد وزارة الخارجية، وفقاً لقانونها رقم 36 لسنة 2013، الجهة المسؤولة عن "تنفيذ السياسة الخارجية لجمهورية العراق"، وتتولى "تعزيز وتطوير العلاقات مع الدول العربية والدول المجاورة ودول العالم"، و"التمثيل الدبلوماسي والقنصلي مع الدول العربية والأجنبية والمنظمات الدولية". كما تختص بـ"تنسيق الزيارات التي تقوم بها الوفود العراقية الرسمية للدول العربية والأجنبية".
٣. دور البرلمان في المصادقة على الاتفاقيات
تُعد المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية من اختصاص مجلس النواب، إذ تنص المادة (61/رابعاً) من الدستور على أن "تنظم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب". وهذا يؤكد أن أية اتفاقية دولية ملزمة للدولة لا يمكن أن تنفذ دون موافقة برلمانية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة ما تم الاتفاق عليه في دمشق، وهل هو اتفاق ملزم يستوجب المصادقة أم مجرد مباحثات تمهيدية.
ثانياً: حدود اختصاصات السلطة القضائية في العلاقات الدولية
١. استقلال القضاء وحدود تمثيل الدولة
يؤكد الدستور العراقي في المادة (87) على أن "السلطة القضائية مستقلة"، وأن مجلس القضاء الأعلى يتولى إدارة شؤون الهيئات القضائية. غير أن هذا الاستقلال الإداري والمالي لا يمنح السلطة القضائية صفة تمثيل الدولة في علاقاتها الخارجية ذات البعد السياسي، فهذه الصفة من صميم اختصاص السلطة التنفيذية وفقاً للنصوص الدستورية سالفة الذكر.
٢. قراءة قانون مجلس القضاء الأعلى
نصت المادة (3) من قانون مجلس القضاء الأعلى رقم 45 لسنة 2017 على جملة من المهام، منها "إدارة شؤون الهيئات القضائية" و"اقتراح مشاريع القوانين المتعلقة بالقضاء". وقد أشار بعض الباحثين إلى أن مجلس القضاء الأعلى "قد حل حلولاً قانونياً محل وزارة العدل بعد تشكيل مجلس القضاء الأعلى سنة 2003"، غير أن هذا الحلول لا يعني انتقال اختصاصات وزارة العدل بكاملها، وخصوصاً تلك المتعلقة بالتفاوض على الاتفاقيات الدولية التي تبقى من اختصاص السلطة التنفيذية.
٣. التعاون القضائي الدولي: مجال محدد وليس مطلقاً
أنشأ مجلس القضاء الأعلى "المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي" بهدف "بناء علاقات قضائية تسهم في تطوير التعاون القضائي الدولي وترسيخ سيادة القانون". وهذا يندرج ضمن الاختصاصات المهنية والفنية للسلطة القضائية، ولا يتعارض مع اختصاصات وزارة الخارجية في رسم السياسة الخارجية. وقد سبق لرئيس مجلس القضاء الأعلى أن وقع "مذكرة تفاهم مع وزارة الخارجية البريطانية للتعاون القضائي"، مما يؤكد أن التعاون القضائي الدولي يظل بحاجة إلى التنسيق مع السلطة التنفيذية ممثلة بوزارة الخارجية.
ثالثاً: الغموض الدستوري والقانوني في الزيارة
١. غموض صفة الممثل
يثار تساؤل جوهري حول الصفة التي مثل بها القاضي فائق زيدان في زيارته إلى دمشق. هل كان يمثل السلطة القضائية العراقية في إطار تعاون قضائي فني، أم كان يحمل رسائل سياسية ودبلوماسية باسم الدولة العراقية؟ اللقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع، والذي حمل طابعاً سياسياً واضحاً، يرجح الفرضية الثانية، مما يطرح إشكالية دستورية تتعلق بتجاوز الاختصاصات.
٢. غموض التنسيق مع وزارة الخارجية
لم ترد أي معلومات رسمية تؤكد أن هذه الزيارة تمت "بالتنسيق مع وزارة الخارجية" أو وزارة العدل، وهو ما كان مفترضاً لو كانت الزيارة ضمن الإطار القضائي المحض. هذا الغموض يثير تساؤلات حول مدى التزام الزيارة بالأصول الدستورية والإدارية.
٣. غموض طبيعة الاتفاقيات
إذا كانت الزيارة قد أسفرت عن اتفاقيات أو تفاهمات ملزمة للدولة، فإنها كانت بحاجة إلى مصادقة برلمانية وفقاً للمادة (61/رابعاً) من الدستور. عدم وضوح طبيعة ما تم الاتفاق عليه يضيف طبقة أخرى من الغموض الدستوري.
رابعاً: الدروس المستفادة من التجربة الإيرانية في إدارة الدبلوماسية في الظروف الاستثنائية
تقدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً متميزاً في إدارة السياسة الخارجية والدبلوماسية، يقوم على ثوابت واضحة:
١. مركزية القرار الدبلوماسي
تتميز السياسة الخارجية الإيرانية بالمركزية والوحدة، حيث يتولى المجلس الأعلى للأمن القومي، بإشراف ولي الفقيه، رسم السياسة الخارجية للدولة. ففي قضية مضيق هرمز، صدرت فتوى الإمام الخامنئي التي حظرت إغلاقه، وهو قرار سياسي - أمني استراتيجي صدر من أعلى سلطة في الدولة، وليس من سلطة قضائية أو جهة غير مختصة. وهذا يؤكد أن القرارات المصيرية في العلاقات الدولية تبقى بيد السلطة السياسية العليا.
٢. عدم التفريط بالمصالح الوطنية
تتمسك إيران في مفاوضاتها الدبلوماسية، سواء مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو القوى الدولية، بثوابت واضحة تتمثل في عدم التفريط بالمصالح الوطنية، وحماية السيادة، والرد الدفاعي المشروع على أي اعتداء. هذا النهج يعكس إدارة دبلوماسية محترفة تضع المصالح العليا للدولة فوق أي اعتبارات أخرى.
٣. الدبلوماسية الموحدة
تلتزم إيران بمبدأ الدبلوماسية الموحدة، حيث لا يوجد تعدد في التمثيل الدبلوماسي أو ازدواجية في القرار السياسي الخارجي. هذا المبدأ يحمي الدولة من الاختراق والتداخل في الصلاحيات، ويضمن وضوح الرسالة الدبلوماسية.
٤. الدروس المستفادة للعراق
يمكن للعراق أن يستلهم من التجربة الإيرانية في الحفاظ على مركزية القرار الدبلوماسي، وعدم ترك الملفات السيادية للجهات غير المختصة، مهما كانت الظروف استثنائية. فالسيادة الوطنية ليست مجالاً للتجارب أو الاجتهادات الفردية.
خامساً: المقارنة مع النظم الفيدرالية والدولية
في النظم الفيدرالية، تُعد السياسة الخارجية من اختصاص الحكومة المركزية حصراً، ولا يحق للأقاليم أو المحافظات إقامة علاقات دبلوماسية مستقلة. هذا المبدأ ينطبق على العراق كدولة فيدرالية، حيث لا يحق لإقليم كردستان أو أي محافظة أخرى إقامة علاقات خارجية منفردة. وبالتالي، فإن أي تحرك دبلوماسي أو سياسي خارجي يجب أن يكون بإشراف الحكومة الاتحادية ووزارة الخارجية.
في الدساتير المقارنة، تُعد السلطة القضائية سلطة وطنية، ولا تمارس أية اختصاصات في مجال العلاقات الدولية، باستثناء التعاون القضائي الفني الذي يتم ضمن الأطر الدبلوماسية الرسمية.
سادساً: قراءة في المصلحة العامة وسيادة الشعب العراقي
إن المصلحة العامة للشعب العراقي تقتضي:
١. احترام الدستور والقانون: فسيادة القانون هي الضمانة الأساسية لحقوق الشعب ومصالحه، وأي تجاوز للدستور يضعف هذه السيادة.
٢. وحدة القرار السياسي: تعدد الجهات التي تمثل الدولة في الخارج يضعف الموقف التفاوضي للعراق، ويخلط الأوراق على المستوى الدبلوماسي.
٣. الشفافية والمساءلة: يجب أن تكون الزيارات الرسمية والاتفاقيات الدولية شفافة، وتخضع لرقابة البرلمان والشعب، حفاظاً على المال العام وسيادة الدولة.
٤. مراعاة الثوابت الأخلاقية: التعامل مع شخصيات مثيرة للجدل يضعف رسالة العدالة، ويخلق ازدواجية في المعايير، وهو ما يتنافى مع مبادئ العدل والإنصاف.
واخيرا ....
زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى دمشق، رغم ما قد تحمله من أبعاد إيجابية في تعزيز التعاون القضائي، تظل مثيرة للجدل من الناحية الدستورية والقانونية. فالنصوص الدستورية واضحة في حصر السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي بالسلطة التنفيذية، ولا توجد نصوص صريحة تجيز للسلطة القضائية القيام بهذا الدور. إن الغموض الذي يكتنف هذه الزيارة، من حيث التنسيق مع وزارة الخارجية وطبيعة الاتفاقيات وصفة الممثل، يضعها في منطقة رمادية دستورياً.
إن سيادة الدولة العراقية ومصالح شعبها تقتضيان احترام الدستور، ووحدة القرار السياسي، ووضوح الاختصاصات بين السلطات. وأي خروج عن هذه الأصول، مهما كانت المبررات، يضعف مؤسسات الدولة ويخلق سوابق خطيرة قد تستغل في المستقبل. ولعل الحكمة تقتضي إعادة النظر في آليات التعامل مع الملفات العالقة، بحيث تبقى العدالة هي البوصلة، والدستور هو المرجع، ومصالح الشعب العراقي هي الهدف الأسمى.
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام
الدراسات السياسية والقانونية - العدد (٣٣) - آب ٢٠٢٦زيارة رئيس القضاء العراقي إلى دمشق: قراءة في الأصول الدستورية والقانون الدولي والدبلوماسية المقارنة
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام
الدراسات السياسية والقانونية - العدد (٣٣)
رقم النشر القانوني: ١٦/٨/٢٠٢٦
إعداد وتحليل
الدكتور حيدر الشبلاوي
سياسي من أبناء الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١
مستشار سابق في هيئة التحكيم الدولية للعلاقات السياسية والدبلوماسية وفض المنازعات ذات الطابع الدولي لعام ٢٠١٥ القاهرة .
مقدمة قانونية في سيادة الدولة وضماناتها في القانون الدولي والدبلوماسي
تعد سيادة الدولة حجر الزاوية في بناء النظام الدولي الحديث، وهي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين الدول في إطار القانون الدولي والبروتوكولات الدبلوماسية. وقد كرست المواثيق والمعاهدات الدولية هذا المبدأ وجعلته محوراً للتعامل بين الأمم، حيث نصت المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة على أن الهيئة "تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها"، كما أوجبت على جميع الأعضاء "في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة"، وهو ما يشكل حجر الأساس في حماية السيادة الوطنية لأي دولة، ومنها العراق، من أي تدخل أو انتهاك.
وجاءت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 لتؤطر هذه الضمانات في إطار قانوني ملزم، حيث حددت أعمال البعثات الدبلوماسية ورسخت مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المضيفة. وقد أكدت وزارة الخارجية العراقية في أكثر من مناسبة على تمسك العراق بهذا المبدأ، معتبرة أن أي تدخل في الشؤون الداخلية للعراق "يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية للعراق، وانتهاكاً صريحاً للمادة (1) من اتفاقية فيينا لتنظيم العلاقات بين الدول".
فضلاً عن ذلك، أصدر مجلس الأمن الدولي العديد من القرارات التي تؤكد على سيادة العراق واستقلاله السياسي وسلامته الإقليمية، مما يعكس إجماعاً دولياً على حرمة السيادة العراقية ووجوب احترامها من قبل جميع الأطراف.
إن هذه المقررات القانونية - المتمثلة في ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وقرارات مجلس الأمن - تشكل معاً الإطار المرجعي الذي يحدد مشروعية أي تحرك دبلوماسي أو قضائي تقوم به أي دولة تجاه العراق. وأي خرق لهذه الضوابط يعتبر انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، ويتطلب موقفاً قانونياً وسياسياً حازماً للحفاظ على سيادة العراق ومصالح شعبها.
وانطلاقاً من هذا الإطار القانوني والدستوري، تأتي هذه الدراسة لتحليل زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى دمشق، وقراءة أبعادها في ضوء أحكام الدستور العراقي، وقانون مجلس القضاء الأعلى، والمواثيق الدولية المنظمة للعلاقات الدبلوماسية، وصولاً إلى تقييم موضوعي لمدى مشروعية هذه الزيارة وانسجامها مع سيادة الدولة ومصالح الشعب العراقي.
(( زيارة رئيس القضاء العراقي إلى دمشق: قراءة في الأصول الدستورية والقانون الدولي والدبلوماسية المقارنة )).
أولاً: الإطار الدستوري لتوزيع الاختصاصات في العلاقات الخارجية
١. الاختصاص الحصري للسلطة الاتحادية في السياسة الخارجية
يُقرر الدستور العراقي لعام 2005، في المادة (110/أولاً)، أن من اختصاصات السلطات الاتحادية الحصرية: "رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي، والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية وسياسات...". هذا النص الدستوري واضح في حصر هذه الصلاحيات بالسلطة الاتحادية ممثلة بالسلطة التنفيذية، ولا مجال للمشاركة فيها من قبل السلطة القضائية أو غيرها من السلطات.
٢. اختصاصات رئيس الوزراء ومجلس الوزراء
يتولى رئيس مجلس الوزراء، بصفته رئيس السلطة التنفيذية، مسؤولية تنفيذ السياسة الخارجية للدولة، وإدارة العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى. وتُعد وزارة الخارجية، وفقاً لقانونها رقم 36 لسنة 2013، الجهة المسؤولة عن "تنفيذ السياسة الخارجية لجمهورية العراق"، وتتولى "تعزيز وتطوير العلاقات مع الدول العربية والدول المجاورة ودول العالم"، و"التمثيل الدبلوماسي والقنصلي مع الدول العربية والأجنبية والمنظمات الدولية". كما تختص بـ"تنسيق الزيارات التي تقوم بها الوفود العراقية الرسمية للدول العربية والأجنبية".
٣. دور البرلمان في المصادقة على الاتفاقيات
تُعد المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية من اختصاص مجلس النواب، إذ تنص المادة (61/رابعاً) من الدستور على أن "تنظم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب". وهذا يؤكد أن أية اتفاقية دولية ملزمة للدولة لا يمكن أن تنفذ دون موافقة برلمانية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة ما تم الاتفاق عليه في دمشق، وهل هو اتفاق ملزم يستوجب المصادقة أم مجرد مباحثات تمهيدية.
ثانياً: حدود اختصاصات السلطة القضائية في العلاقات الدولية
١. استقلال القضاء وحدود تمثيل الدولة
يؤكد الدستور العراقي في المادة (87) على أن "السلطة القضائية مستقلة"، وأن مجلس القضاء الأعلى يتولى إدارة شؤون الهيئات القضائية. غير أن هذا الاستقلال الإداري والمالي لا يمنح السلطة القضائية صفة تمثيل الدولة في علاقاتها الخارجية ذات البعد السياسي، فهذه الصفة من صميم اختصاص السلطة التنفيذية وفقاً للنصوص الدستورية سالفة الذكر.
٢. قراءة قانون مجلس القضاء الأعلى
نصت المادة (3) من قانون مجلس القضاء الأعلى رقم 45 لسنة 2017 على جملة من المهام، منها "إدارة شؤون الهيئات القضائية" و"اقتراح مشاريع القوانين المتعلقة بالقضاء". وقد أشار بعض الباحثين إلى أن مجلس القضاء الأعلى "قد حل حلولاً قانونياً محل وزارة العدل بعد تشكيل مجلس القضاء الأعلى سنة 2003"، غير أن هذا الحلول لا يعني انتقال اختصاصات وزارة العدل بكاملها، وخصوصاً تلك المتعلقة بالتفاوض على الاتفاقيات الدولية التي تبقى من اختصاص السلطة التنفيذية.
٣. التعاون القضائي الدولي: مجال محدد وليس مطلقاً
أنشأ مجلس القضاء الأعلى "المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي" بهدف "بناء علاقات قضائية تسهم في تطوير التعاون القضائي الدولي وترسيخ سيادة القانون". وهذا يندرج ضمن الاختصاصات المهنية والفنية للسلطة القضائية، ولا يتعارض مع اختصاصات وزارة الخارجية في رسم السياسة الخارجية. وقد سبق لرئيس مجلس القضاء الأعلى أن وقع "مذكرة تفاهم مع وزارة الخارجية البريطانية للتعاون القضائي"، مما يؤكد أن التعاون القضائي الدولي يظل بحاجة إلى التنسيق مع السلطة التنفيذية ممثلة بوزارة الخارجية.
ثالثاً: الغموض الدستوري والقانوني في الزيارة
١. غموض صفة الممثل
يثار تساؤل جوهري حول الصفة التي مثل بها القاضي فائق زيدان في زيارته إلى دمشق. هل كان يمثل السلطة القضائية العراقية في إطار تعاون قضائي فني، أم كان يحمل رسائل سياسية ودبلوماسية باسم الدولة العراقية؟ اللقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع، والذي حمل طابعاً سياسياً واضحاً، يرجح الفرضية الثانية، مما يطرح إشكالية دستورية تتعلق بتجاوز الاختصاصات.
٢. غموض التنسيق مع وزارة الخارجية
لم ترد أي معلومات رسمية تؤكد أن هذه الزيارة تمت "بالتنسيق مع وزارة الخارجية" أو وزارة العدل، وهو ما كان مفترضاً لو كانت الزيارة ضمن الإطار القضائي المحض. هذا الغموض يثير تساؤلات حول مدى التزام الزيارة بالأصول الدستورية والإدارية.
٣. غموض طبيعة الاتفاقيات
إذا كانت الزيارة قد أسفرت عن اتفاقيات أو تفاهمات ملزمة للدولة، فإنها كانت بحاجة إلى مصادقة برلمانية وفقاً للمادة (61/رابعاً) من الدستور. عدم وضوح طبيعة ما تم الاتفاق عليه يضيف طبقة أخرى من الغموض الدستوري.
رابعاً: الدروس المستفادة من التجربة الإيرانية في إدارة الدبلوماسية في الظروف الاستثنائية
تقدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً متميزاً في إدارة السياسة الخارجية والدبلوماسية، يقوم على ثوابت واضحة:
١. مركزية القرار الدبلوماسي
تتميز السياسة الخارجية الإيرانية بالمركزية والوحدة، حيث يتولى المجلس الأعلى للأمن القومي، بإشراف ولي الفقيه، رسم السياسة الخارجية للدولة. ففي قضية مضيق هرمز، صدرت فتوى الإمام الخامنئي التي حظرت إغلاقه، وهو قرار سياسي - أمني استراتيجي صدر من أعلى سلطة في الدولة، وليس من سلطة قضائية أو جهة غير مختصة. وهذا يؤكد أن القرارات المصيرية في العلاقات الدولية تبقى بيد السلطة السياسية العليا.
٢. عدم التفريط بالمصالح الوطنية
تتمسك إيران في مفاوضاتها الدبلوماسية، سواء مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو القوى الدولية، بثوابت واضحة تتمثل في عدم التفريط بالمصالح الوطنية، وحماية السيادة، والرد الدفاعي المشروع على أي اعتداء. هذا النهج يعكس إدارة دبلوماسية محترفة تضع المصالح العليا للدولة فوق أي اعتبارات أخرى.
٣. الدبلوماسية الموحدة
تلتزم إيران بمبدأ الدبلوماسية الموحدة، حيث لا يوجد تعدد في التمثيل الدبلوماسي أو ازدواجية في القرار السياسي الخارجي. هذا المبدأ يحمي الدولة من الاختراق والتداخل في الصلاحيات، ويضمن وضوح الرسالة الدبلوماسية.
٤. الدروس المستفادة للعراق
يمكن للعراق أن يستلهم من التجربة الإيرانية في الحفاظ على مركزية القرار الدبلوماسي، وعدم ترك الملفات السيادية للجهات غير المختصة، مهما كانت الظروف استثنائية. فالسيادة الوطنية ليست مجالاً للتجارب أو الاجتهادات الفردية.
خامساً: المقارنة مع النظم الفيدرالية والدولية
في النظم الفيدرالية، تُعد السياسة الخارجية من اختصاص الحكومة المركزية حصراً، ولا يحق للأقاليم أو المحافظات إقامة علاقات دبلوماسية مستقلة. هذا المبدأ ينطبق على العراق كدولة فيدرالية، حيث لا يحق لإقليم كردستان أو أي محافظة أخرى إقامة علاقات خارجية منفردة. وبالتالي، فإن أي تحرك دبلوماسي أو سياسي خارجي يجب أن يكون بإشراف الحكومة الاتحادية ووزارة الخارجية.
في الدساتير المقارنة، تُعد السلطة القضائية سلطة وطنية، ولا تمارس أية اختصاصات في مجال العلاقات الدولية، باستثناء التعاون القضائي الفني الذي يتم ضمن الأطر الدبلوماسية الرسمية.
سادساً: قراءة في المصلحة العامة وسيادة الشعب العراقي
إن المصلحة العامة للشعب العراقي تقتضي:
١. احترام الدستور والقانون: فسيادة القانون هي الضمانة الأساسية لحقوق الشعب ومصالحه، وأي تجاوز للدستور يضعف هذه السيادة.
٢. وحدة القرار السياسي: تعدد الجهات التي تمثل الدولة في الخارج يضعف الموقف التفاوضي للعراق، ويخلط الأوراق على المستوى الدبلوماسي.
٣. الشفافية والمساءلة: يجب أن تكون الزيارات الرسمية والاتفاقيات الدولية شفافة، وتخضع لرقابة البرلمان والشعب، حفاظاً على المال العام وسيادة الدولة.
٤. مراعاة الثوابت الأخلاقية: التعامل مع شخصيات مثيرة للجدل يضعف رسالة العدالة، ويخلق ازدواجية في المعايير، وهو ما يتنافى مع مبادئ العدل والإنصاف.
واخيرا ....
زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى دمشق، رغم ما قد تحمله من أبعاد إيجابية في تعزيز التعاون القضائي، تظل مثيرة للجدل من الناحية الدستورية والقانونية. فالنصوص الدستورية واضحة في حصر السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي بالسلطة التنفيذية، ولا توجد نصوص صريحة تجيز للسلطة القضائية القيام بهذا الدور. إن الغموض الذي يكتنف هذه الزيارة، من حيث التنسيق مع وزارة الخارجية وطبيعة الاتفاقيات وصفة الممثل، يضعها في منطقة رمادية دستورياً.
إن سيادة الدولة العراقية ومصالح شعبها تقتضيان احترام الدستور، ووحدة القرار السياسي، ووضوح الاختصاصات بين السلطات. وأي خروج عن هذه الأصول، مهما كانت المبررات، يضعف مؤسسات الدولة ويخلق سوابق خطيرة قد تستغل في المستقبل. ولعل الحكمة تقتضي إعادة النظر في آليات التعامل مع الملفات العالقة، بحيث تبقى العدالة هي البوصلة، والدستور هو المر جع، ومصالح الشعب العراقي هي الهدف الأسمى.
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام
الدراسات السياسية والقانونية - العدد (٣٣) - آب ٢٠٢٦
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلامالدراسات السياسية والقانونية - العدد (٣٣)رقم النشر القانوني: ١٦/٨/٢٠٢٦
إعداد وتحليلالدكتور حيدر الشبلاويسياسي من أبناء الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١مستشار سابق في هيئة التحكيم الدولية للعلاقات السياسية والدبلوماسية وفض المنازعات ذات الطابع الدولي لعام ٢٠١٥ القاهرة .
مقدمة قانونية في سيادة الدولة وضماناتها في القانون الدولي والدبلوماسي
تعد سيادة الدولة حجر الزاوية في بناء النظام الدولي الحديث، وهي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين الدول في إطار القانون الدولي والبروتوكولات الدبلوماسية. وقد كرست المواثيق والمعاهدات الدولية هذا المبدأ وجعلته محوراً للتعامل بين الأمم، حيث نصت المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة على أن الهيئة "تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها"، كما أوجبت على جميع الأعضاء "في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة"، وهو ما يشكل حجر الأساس في حماية السيادة الوطنية لأي دولة، ومنها العراق، من أي تدخل أو انتهاك.
وجاءت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 لتؤطر هذه الضمانات في إطار قانوني ملزم، حيث حددت أعمال البعثات الدبلوماسية ورسخت مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المضيفة. وقد أكدت وزارة الخارجية العراقية في أكثر من مناسبة على تمسك العراق بهذا المبدأ، معتبرة أن أي تدخل في الشؤون الداخلية للعراق "يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية للعراق، وانتهاكاً صريحاً للمادة (1) من اتفاقية فيينا لتنظيم العلاقات بين الدول".
فضلاً عن ذلك، أصدر مجلس الأمن الدولي العديد من القرارات التي تؤكد على سيادة العراق واستقلاله السياسي وسلامته الإقليمية، مما يعكس إجماعاً دولياً على حرمة السيادة العراقية ووجوب احترامها من قبل جميع الأطراف.
إن هذه المقررات القانونية - المتمثلة في ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وقرارات مجلس الأمن - تشكل معاً الإطار المرجعي الذي يحدد مشروعية أي تحرك دبلوماسي أو قضائي تقوم به أي دولة تجاه العراق. وأي خرق لهذه الضوابط يعتبر انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، ويتطلب موقفاً قانونياً وسياسياً حازماً للحفاظ على سيادة العراق ومصالح شعبها.
وانطلاقاً من هذا الإطار القانوني والدستوري، تأتي هذه الدراسة لتحليل زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى دمشق، وقراءة أبعادها في ضوء أحكام الدستور العراقي، وقانون مجلس القضاء الأعلى، والمواثيق الدولية المنظمة للعلاقات الدبلوماسية، وصولاً إلى تقييم موضوعي لمدى مشروعية هذه الزيارة وانسجامها مع سيادة الدولة ومصالح الشعب العراقي.
(( زيارة رئيس القضاء العراقي إلى دمشق: قراءة في الأصول الدستورية والقانون الدولي والدبلوماسية المقارنة )).
أولاً: الإطار الدستوري لتوزيع الاختصاصات في العلاقات الخارجية
١. الاختصاص الحصري للسلطة الاتحادية في السياسة الخارجيةيُقرر الدستور العراقي لعام 2005، في المادة (110/أولاً)، أن من اختصاصات السلطات الاتحادية الحصرية: "رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي، والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية وسياسات...". هذا النص الدستوري واضح في حصر هذه الصلاحيات بالسلطة الاتحادية ممثلة بالسلطة التنفيذية، ولا مجال للمشاركة فيها من قبل السلطة القضائية أو غيرها من السلطات.
٢. اختصاصات رئيس الوزراء ومجلس الوزراءيتولى رئيس مجلس الوزراء، بصفته رئيس السلطة التنفيذية، مسؤولية تنفيذ السياسة الخارجية للدولة، وإدارة العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى. وتُعد وزارة الخارجية، وفقاً لقانونها رقم 36 لسنة 2013، الجهة المسؤولة عن "تنفيذ السياسة الخارجية لجمهورية العراق"، وتتولى "تعزيز وتطوير العلاقات مع الدول العربية والدول المجاورة ودول العالم"، و"التمثيل الدبلوماسي والقنصلي مع الدول العربية والأجنبية والمنظمات الدولية". كما تختص بـ"تنسيق الزيارات التي تقوم بها الوفود العراقية الرسمية للدول العربية والأجنبية".
٣. دور البرلمان في المصادقة على الاتفاقياتتُعد المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية من اختصاص مجلس النواب، إذ تنص المادة (61/رابعاً) من الدستور على أن "تنظم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب". وهذا يؤكد أن أية اتفاقية دولية ملزمة للدولة لا يمكن أن تنفذ دون موافقة برلمانية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة ما تم الاتفاق عليه في دمشق، وهل هو اتفاق ملزم يستوجب المصادقة أم مجرد مباحثات تمهيدية.
ثانياً: حدود اختصاصات السلطة القضائية في العلاقات الدولية
١. استقلال القضاء وحدود تمثيل الدولةيؤكد الدستور العراقي في المادة (87) على أن "السلطة القضائية مستقلة"، وأن مجلس القضاء الأعلى يتولى إدارة شؤون الهيئات القضائية. غير أن هذا الاستقلال الإداري والمالي لا يمنح السلطة القضائية صفة تمثيل الدولة في علاقاتها الخارجية ذات البعد السياسي، فهذه الصفة من صميم اختصاص السلطة التنفيذية وفقاً للنصوص الدستورية سالفة الذكر.
٢. قراءة قانون مجلس القضاء الأعلىنصت المادة (3) من قانون مجلس القضاء الأعلى رقم 45 لسنة 2017 على جملة من المهام، منها "إدارة شؤون الهيئات القضائية" و"اقتراح مشاريع القوانين المتعلقة بالقضاء". وقد أشار بعض الباحثين إلى أن مجلس القضاء الأعلى "قد حل حلولاً قانونياً محل وزارة العدل بعد تشكيل مجلس القضاء الأعلى سنة 2003"، غير أن هذا الحلول لا يعني انتقال اختصاصات وزارة العدل بكاملها، وخصوصاً تلك المتعلقة بالتفاوض على الاتفاقيات الدولية التي تبقى من اختصاص السلطة التنفيذية.
٣. التعاون القضائي الدولي: مجال محدد وليس مطلقاًأنشأ مجلس القضاء الأعلى "المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي" بهدف "بناء علاقات قضائية تسهم في تطوير التعاون القضائي الدولي وترسيخ سيادة القانون". وهذا يندرج ضمن الاختصاصات المهنية والفنية للسلطة القضائية، ولا يتعارض مع اختصاصات وزارة الخارجية في رسم السياسة الخارجية. وقد سبق لرئيس مجلس القضاء الأعلى أن وقع "مذكرة تفاهم مع وزارة الخارجية البريطانية للتعاون القضائي"، مما يؤكد أن التعاون القضائي الدولي يظل بحاجة إلى التنسيق مع السلطة التنفيذية ممثلة بوزارة الخارجية.
ثالثاً: الغموض الدستوري والقانوني في الزيارة
١. غموض صفة الممثليثار تساؤل جوهري حول الصفة التي مثل بها القاضي فائق زيدان في زيارته إلى دمشق. هل كان يمثل السلطة القضائية العراقية في إطار تعاون قضائي فني، أم كان يحمل رسائل سياسية ودبلوماسية باسم الدولة العراقية؟ اللقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع، والذي حمل طابعاً سياسياً واضحاً، يرجح الفرضية الثانية، مما يطرح إشكالية دستورية تتعلق بتجاوز الاختصاصات.
٢. غموض التنسيق مع وزارة الخارجيةلم ترد أي معلومات رسمية تؤكد أن هذه الزيارة تمت "بالتنسيق مع وزارة الخارجية" أو وزارة العدل، وهو ما كان مفترضاً لو كانت الزيارة ضمن الإطار القضائي المحض. هذا الغموض يثير تساؤلات حول مدى التزام الزيارة بالأصول الدستورية والإدارية.
٣. غموض طبيعة الاتفاقياتإذا كانت الزيارة قد أسفرت عن اتفاقيات أو تفاهمات ملزمة للدولة، فإنها كانت بحاجة إلى مصادقة برلمانية وفقاً للمادة (61/رابعاً) من الدستور. عدم وضوح طبيعة ما تم الاتفاق عليه يضيف طبقة أخرى من الغموض الدستوري.
رابعاً: الدروس المستفادة من التجربة الإيرانية في إدارة الدبلوماسية في الظروف الاستثنائية
تقدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً متميزاً في إدارة السياسة الخارجية والدبلوماسية، يقوم على ثوابت واضحة:
١. مركزية القرار الدبلوماسيتتميز السياسة الخارجية الإيرانية بالمركزية والوحدة، حيث يتولى المجلس الأعلى للأمن القومي، بإشراف ولي الفقيه، رسم السياسة الخارجية للدولة. ففي قضية مضيق هرمز، صدرت فتوى الإمام الخامنئي التي حظرت إغلاقه، وهو قرار سياسي - أمني استراتيجي صدر من أعلى سلطة في الدولة، وليس من سلطة قضائية أو جهة غير مختصة. وهذا يؤكد أن القرارات المصيرية في العلاقات الدولية تبقى بيد السلطة السياسية العليا.
٢. عدم التفريط بالمصالح الوطنيةتتمسك إيران في مفاوضاتها الدبلوماسية، سواء مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو القوى الدولية، بثوابت واضحة تتمثل في عدم التفريط بالمصالح الوطنية، وحماية السيادة، والرد الدفاعي المشروع على أي اعتداء. هذا النهج يعكس إدارة دبلوماسية محترفة تضع المصالح العليا للدولة فوق أي اعتبارات أخرى.
٣. الدبلوماسية الموحدةتلتزم إيران بمبدأ الدبلوماسية الموحدة، حيث لا يوجد تعدد في التمثيل الدبلوماسي أو ازدواجية في القرار السياسي الخارجي. هذا المبدأ يحمي الدولة من الاختراق والتداخل في الصلاحيات، ويضمن وضوح الرسالة الدبلوماسية.
٤. الدروس المستفادة للعراقيمكن للعراق أن يستلهم من التجربة الإيرانية في الحفاظ على مركزية القرار الدبلوماسي، وعدم ترك الملفات السيادية للجهات غير المختصة، مهما كانت الظروف استثنائية. فالسيادة الوطنية ليست مجالاً للتجارب أو الاجتهادات الفردية.
خامساً: المقارنة مع النظم الفيدرالية والدولية
في النظم الفيدرالية، تُعد السياسة الخارجية من اختصاص الحكومة المركزية حصراً، ولا يحق للأقاليم أو المحافظات إقامة علاقات دبلوماسية مستقلة. هذا المبدأ ينطبق على العراق كدولة فيدرالية، حيث لا يحق لإقليم كردستان أو أي محافظة أخرى إقامة علاقات خارجية منفردة. وبالتالي، فإن أي تحرك دبلوماسي أو سياسي خارجي يجب أن يكون بإشراف الحكومة الاتحادية ووزارة الخارجية.
في الدساتير المقارنة، تُعد السلطة القضائية سلطة وطنية، ولا تمارس أية اختصاصات في مجال العلاقات الدولية، باستثناء التعاون القضائي الفني الذي يتم ضمن الأطر الدبلوماسية الرسمية.
سادساً: قراءة في المصلحة العامة وسيادة الشعب العراقي
إن المصلحة العامة للشعب العراقي تقتضي:
١. احترام الدستور والقانون: فسيادة القانون هي الضمانة الأساسية لحقوق الشعب ومصالحه، وأي تجاوز للدستور يضعف هذه السيادة.
٢. وحدة القرار السياسي: تعدد الجهات التي تمثل الدولة في الخارج يضعف الموقف التفاوضي للعراق، ويخلط الأوراق على المستوى الدبلوماسي.
٣. الشفافية والمساءلة: يجب أن تكون الزيارات الرسمية والاتفاقيات الدولية شفافة، وتخضع لرقابة البرلمان والشعب، حفاظاً على المال العام وسيادة الدولة.
٤. مراعاة الثوابت الأخلاقية: التعامل مع شخصيات مثيرة للجدل يضعف رسالة العدالة، ويخلق ازدواجية في المعايير، وهو ما يتنافى مع مبادئ العدل والإنصاف.
واخيرا ....زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى دمشق، رغم ما قد تحمله من أبعاد إيجابية في تعزيز التعاون القضائي، تظل مثيرة للجدل من الناحية الدستورية والقانونية. فالنصوص الدستورية واضحة في حصر السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي بالسلطة التنفيذية، ولا توجد نصوص صريحة تجيز للسلطة القضائية القيام بهذا الدور. إن الغموض الذي يكتنف هذه الزيارة، من حيث التنسيق مع وزارة الخارجية وطبيعة الاتفاقيات وصفة الممثل، يضعها في منطقة رمادية دستورياً.
إن سيادة الدولة العراقية ومصالح شعبها تقتضيان احترام الدستور، ووحدة القرار السياسي، ووضوح الاختصاصات بين السلطات. وأي خروج عن هذه الأصول، مهما كانت المبررات، يضعف مؤسسات الدولة ويخلق سوابق خطيرة قد تستغل في المستقبل. ولعل الحكمة تقتضي إعادة النظر في آليات التعامل مع الملفات العالقة، بحيث تبقى العدالة هي البوصلة، والدستور هو المرجع، ومصالح الشعب العراقي هي الهدف الأسمى.
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلامالدراسات السياسية والقانونية - العدد (٣٣) - آب ٢٠٢٦زيارة رئيس القضاء العراقي إلى دمشق: قراءة في الأصول الدستورية والقانون الدولي والدبلوماسية المقارنة
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلامالدراسات السياسية والقانونية - العدد (٣٣)رقم النشر القانوني: ١٦/٨/٢٠٢٦
إعداد وتحليلالدكتور حيدر الشبلاويسياسي من أبناء الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١مستشار سابق في هيئة التحكيم الدولية للعلاقات السياسية والدبلوماسية وفض المنازعات ذات الطابع الدولي لعام ٢٠١٥ القاهرة .
مقدمة قانونية في سيادة الدولة وضماناتها في القانون الدولي والدبلوماسي
تعد سيادة الدولة حجر الزاوية في بناء النظام الدولي الحديث، وهي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين الدول في إطار القانون الدولي والبروتوكولات الدبلوماسية. وقد كرست المواثيق والمعاهدات الدولية هذا المبدأ وجعلته محوراً للتعامل بين الأمم، حيث نصت المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة على أن الهيئة "تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها"، كما أوجبت على جميع الأعضاء "في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة"، وهو ما يشكل حجر الأساس في حماية السيادة الوطنية لأي دولة، ومنها العراق، من أي تدخل أو انتهاك.
وجاءت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 لتؤطر هذه الضمانات في إطار قانوني ملزم، حيث حددت أعمال البعثات الدبلوماسية ورسخت مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المضيفة. وقد أكدت وزارة الخارجية العراقية في أكثر من مناسبة على تمسك العراق بهذا المبدأ، معتبرة أن أي تدخل في الشؤون الداخلية للعراق "يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية للعراق، وانتهاكاً صريحاً للمادة (1) من اتفاقية فيينا لتنظيم العلاقات بين الدول".
فضلاً عن ذلك، أصدر مجلس الأمن الدولي العديد من القرارات التي تؤكد على سيادة العراق واستقلاله السياسي وسلامته الإقليمية، مما يعكس إجماعاً دولياً على حرمة السيادة العراقية ووجوب احترامها من قبل جميع الأطراف.
إن هذه المقررات القانونية - المتمثلة في ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وقرارات مجلس الأمن - تشكل معاً الإطار المرجعي الذي يحدد مشروعية أي تحرك دبلوماسي أو قضائي تقوم به أي دولة تجاه العراق. وأي خرق لهذه الضوابط يعتبر انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، ويتطلب موقفاً قانونياً وسياسياً حازماً للحفاظ على سيادة العراق ومصالح شعبها.
وانطلاقاً من هذا الإطار القانوني والدستوري، تأتي هذه الدراسة لتحليل زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى دمشق، وقراءة أبعادها في ضوء أحكام الدستور العراقي، وقانون مجلس القضاء الأعلى، والمواثيق الدولية المنظمة للعلاقات الدبلوماسية، وصولاً إلى تقييم موضوعي لمدى مشروعية هذه الزيارة وانسجامها مع سيادة الدولة ومصالح الشعب العراقي.
(( زيارة رئيس القضاء العراقي إلى دمشق: قراءة في الأصول الدستورية والقانون الدولي والدبلوماسية المقارنة )).
أولاً: الإطار الدستوري لتوزيع الاختصاصات في العلاقات الخارجية
١. الاختصاص الحصري للسلطة الاتحادية في السياسة الخارجيةيُقرر الدستور العراقي لعام 2005، في المادة (110/أولاً)، أن من اختصاصات السلطات الاتحادية الحصرية: "رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي، والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية وسياسات...". هذا النص الدستوري واضح في حصر هذه الصلاحيات بالسلطة الاتحادية ممثلة بالسلطة التنفيذية، ولا مجال للمشاركة فيها من قبل السلطة القضائية أو غيرها من السلطات.
٢. اختصاصات رئيس الوزراء ومجلس الوزراءيتولى رئيس مجلس الوزراء، بصفته رئيس السلطة التنفيذية، مسؤولية تنفيذ السياسة الخارجية للدولة، وإدارة العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى. وتُعد وزارة الخارجية، وفقاً لقانونها رقم 36 لسنة 2013، الجهة المسؤولة عن "تنفيذ السياسة الخارجية لجمهورية العراق"، وتتولى "تعزيز وتطوير العلاقات مع الدول العربية والدول المجاورة ودول العالم"، و"التمثيل الدبلوماسي والقنصلي مع الدول العربية والأجنبية والمنظمات الدولية". كما تختص بـ"تنسيق الزيارات التي تقوم بها الوفود العراقية الرسمية للدول العربية والأجنبية".
٣. دور البرلمان في المصادقة على الاتفاقياتتُعد المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية من اختصاص مجلس النواب، إذ تنص المادة (61/رابعاً) من الدستور على أن "تنظم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب". وهذا يؤكد أن أية اتفاقية دولية ملزمة للدولة لا يمكن أن تنفذ دون موافقة برلمانية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة ما تم الاتفاق عليه في دمشق، وهل هو اتفاق ملزم يستوجب المصادقة أم مجرد مباحثات تمهيدية.
ثانياً: حدود اختصاصات السلطة القضائية في العلاقات الدولية
١. استقلال القضاء وحدود تمثيل الدولةيؤكد الدستور العراقي في المادة (87) على أن "السلطة القضائية مستقلة"، وأن مجلس القضاء الأعلى يتولى إدارة شؤون الهيئات القضائية. غير أن هذا الاستقلال الإداري والمالي لا يمنح السلطة القضائية صفة تمثيل الدولة في علاقاتها الخارجية ذات البعد السياسي، فهذه الصفة من صميم اختصاص السلطة التنفيذية وفقاً للنصوص الدستورية سالفة الذكر.
٢. قراءة قانون مجلس القضاء الأعلىنصت المادة (3) من قانون مجلس القضاء الأعلى رقم 45 لسنة 2017 على جملة من المهام، منها "إدارة شؤون الهيئات القضائية" و"اقتراح مشاريع القوانين المتعلقة بالقضاء". وقد أشار بعض الباحثين إلى أن مجلس القضاء الأعلى "قد حل حلولاً قانونياً محل وزارة العدل بعد تشكيل مجلس القضاء الأعلى سنة 2003"، غير أن هذا الحلول لا يعني انتقال اختصاصات وزارة العدل بكاملها، وخصوصاً تلك المتعلقة بالتفاوض على الاتفاقيات الدولية التي تبقى من اختصاص السلطة التنفيذية.
٣. التعاون القضائي الدولي: مجال محدد وليس مطلقاًأنشأ مجلس القضاء الأعلى "المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي" بهدف "بناء علاقات قضائية تسهم في تطوير التعاون القضائي الدولي وترسيخ سيادة القانون". وهذا يندرج ضمن الاختصاصات المهنية والفنية للسلطة القضائية، ولا يتعارض مع اختصاصات وزارة الخارجية في رسم السياسة الخارجية. وقد سبق لرئيس مجلس القضاء الأعلى أن وقع "مذكرة تفاهم مع وزارة الخارجية البريطانية للتعاون القضائي"، مما يؤكد أن التعاون القضائي الدولي يظل بحاجة إلى التنسيق مع السلطة التنفيذية ممثلة بوزارة الخارجية.
ثالثاً: الغموض الدستوري والقانوني في الزيارة
١. غموض صفة الممثليثار تساؤل جوهري حول الصفة التي مثل بها القاضي فائق زيدان في زيارته إلى دمشق. هل كان يمثل السلطة القضائية العراقية في إطار تعاون قضائي فني، أم كان يحمل رسائل سياسية ودبلوماسية باسم الدولة العراقية؟ اللقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع، والذي حمل طابعاً سياسياً واضحاً، يرجح الفرضية الثانية، مما يطرح إشكالية دستورية تتعلق بتجاوز الاختصاصات.
٢. غموض التنسيق مع وزارة الخارجيةلم ترد أي معلومات رسمية تؤكد أن هذه الزيارة تمت "بالتنسيق مع وزارة الخارجية" أو وزارة العدل، وهو ما كان مفترضاً لو كانت الزيارة ضمن الإطار القضائي المحض. هذا الغموض يثير تساؤلات حول مدى التزام الزيارة بالأصول الدستورية والإدارية.
٣. غموض طبيعة الاتفاقياتإذا كانت الزيارة قد أسفرت عن اتفاقيات أو تفاهمات ملزمة للدولة، فإنها كانت بحاجة إلى مصادقة برلمانية وفقاً للمادة (61/رابعاً) من الدستور. عدم وضوح طبيعة ما تم الاتفاق عليه يضيف طبقة أخرى من الغموض الدستوري.
رابعاً: الدروس المستفادة من التجربة الإيرانية في إدارة الدبلوماسية في الظروف الاستثنائية
تقدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً متميزاً في إدارة السياسة الخارجية والدبلوماسية، يقوم على ثوابت واضحة:
١. مركزية القرار الدبلوماسيتتميز السياسة الخارجية الإيرانية بالمركزية والوحدة، حيث يتولى المجلس الأعلى للأمن القومي، بإشراف ولي الفقيه، رسم السياسة الخارجية للدولة. ففي قضية مضيق هرمز، صدرت فتوى الإمام الخامنئي التي حظرت إغلاقه، وهو قرار سياسي - أمني استراتيجي صدر من أعلى سلطة في الدولة، وليس من سلطة قضائية أو جهة غير مختصة. وهذا يؤكد أن القرارات المصيرية في العلاقات الدولية تبقى بيد السلطة السياسية العليا.
٢. عدم التفريط بالمصالح الوطنيةتتمسك إيران في مفاوضاتها الدبلوماسية، سواء مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو القوى الدولية، بثوابت واضحة تتمثل في عدم التفريط بالمصالح الوطنية، وحماية السيادة، والرد الدفاعي المشروع على أي اعتداء. هذا النهج يعكس إدارة دبلوماسية محترفة تضع المصالح العليا للدولة فوق أي اعتبارات أخرى.
٣. الدبلوماسية الموحدةتلتزم إيران بمبدأ الدبلوماسية الموحدة، حيث لا يوجد تعدد في التمثيل الدبلوماسي أو ازدواجية في القرار السياسي الخارجي. هذا المبدأ يحمي الدولة من الاختراق والتداخل في الصلاحيات، ويضمن وضوح الرسالة الدبلوماسية.
٤. الدروس المستفادة للعراقيمكن للعراق أن يستلهم من التجربة الإيرانية في الحفاظ على مركزية القرار الدبلوماسي، وعدم ترك الملفات السيادية للجهات غير المختصة، مهما كانت الظروف استثنائية. فالسيادة الوطنية ليست مجالاً للتجارب أو الاجتهادات الفردية.
خامساً: المقارنة مع النظم الفيدرالية والدولية
في النظم الفيدرالية، تُعد السياسة الخارجية من اختصاص الحكومة المركزية حصراً، ولا يحق للأقاليم أو المحافظات إقامة علاقات دبلوماسية مستقلة. هذا المبدأ ينطبق على العراق كدولة فيدرالية، حيث لا يحق لإقليم كردستان أو أي محافظة أخرى إقامة علاقات خارجية منفردة. وبالتالي، فإن أي تحرك دبلوماسي أو سياسي خارجي يجب أن يكون بإشراف الحكومة الاتحادية ووزارة الخارجية.
في الدساتير المقارنة، تُعد السلطة القضائية سلطة وطنية، ولا تمارس أية اختصاصات في مجال العلاقات الدولية، باستثناء التعاون القضائي الفني الذي يتم ضمن الأطر الدبلوماسية الرسمية.
سادساً: قراءة في المصلحة العامة وسيادة الشعب العراقي
إن المصلحة العامة للشعب العراقي تقتضي:
١. احترام الدستور والقانون: فسيادة القانون هي الضمانة الأساسية لحقوق الشعب ومصالحه، وأي تجاوز للدستور يضعف هذه السيادة.
٢. وحدة القرار السياسي: تعدد الجهات التي تمثل الدولة في الخارج يضعف الموقف التفاوضي للعراق، ويخلط الأوراق على المستوى الدبلوماسي.
٣. الشفافية والمساءلة: يجب أن تكون الزيارات الرسمية والاتفاقيات الدولية شفافة، وتخضع لرقابة البرلمان والشعب، حفاظاً على المال العام وسيادة الدولة.
٤. مراعاة الثوابت الأخلاقية: التعامل مع شخصيات مثيرة للجدل يضعف رسالة العدالة، ويخلق ازدواجية في المعايير، وهو ما يتنافى مع مبادئ العدل والإنصاف.
واخيرا ....زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى دمشق، رغم ما قد تحمله من أبعاد إيجابية في تعزيز التعاون القضائي، تظل مثيرة للجدل من الناحية الدستورية والقانونية. فالنصوص الدستورية واضحة في حصر السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي بالسلطة التنفيذية، ولا توجد نصوص صريحة تجيز للسلطة القضائية القيام بهذا الدور. إن الغموض الذي يكتنف هذه الزيارة، من حيث التنسيق مع وزارة الخارجية وطبيعة الاتفاقيات وصفة الممثل، يضعها في منطقة رمادية دستورياً.
إن سيادة الدولة العراقية ومصالح شعبها تقتضيان احترام الدستور، ووحدة القرار السياسي، ووضوح الاختصاصات بين السلطات. وأي خروج عن هذه الأصول، مهما كانت المبررات، يضعف مؤسسات الدولة ويخلق سوابق خطيرة قد تستغل في المستقبل. ولعل الحكمة تقتضي إعادة النظر في آليات التعامل مع الملفات العالقة، بحيث تبقى العدالة هي البوصلة، والدستور هو المر جع، ومصالح الشعب العراقي هي الهدف الأسمى.
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلامالدراسات السياسية والقانونية - العدد (٣٣) - آب ٢٠٢٦