
تمهيد في المنظور الإسلامي للسيادة والتحرر
إن الحديث عن صمود إيران وقوة إرادتها لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن دورها الرسالي المستمد من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فليست القضية مجرد صراع سياسي على النفوذ، بل هي استمرار لمعركة إيمانية كبرى بدأت منذ اليوم الأول الذي انحرف فيه بعض المسلمين عن مسار العدالة الإلهية، وحاولوا فيه استغلال الدين لصالح السلطة والثروة، بدلًا من جعله منهاجًا لتحرير الإنسان وكرامته. إن الإسلام لم ينزل ليكون أداة بيد الحكام يبررون بها هيمنتهم، بل جاء ليحرر الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأوضاع إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة والدنيا معًا.
مشروع الإمامة في مواجهة التحديات وبناء الأمة
لقد رسم أئمة الهدى عليهم السلام منذ البداية مشروعًا متكاملًا لمقارعة الظلم والاستبداد، ليس فقط بالكلمة والموعظة، بل بتقديم النموذج العملي في التضحية والفداء. فالإمام علي عليه السلام، في عهده الخالد لمالك الأشتر، رسم أُسس الحكم العادل حين قال: "اجعل نفسك ميزانًا فيما بينك وبين رعيتك، فأحبب لهم ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك". وهذه الوصية لم تكن مجرد نصيحة أخلاقية عابرة، بل كانت دستورًا متكاملًا للحاكم المسلم الذي يرى في نفسه خادمًا للشعب لا متسلطًا عليه. وقد حارب الإمام علي الانحراف في عهده، وواجه ببسالة من استغلوا مقدرات الأمة لصالحهم، سواء كانوا من القاعدين عن الجهاد أو المنهزمين أمام الباطل.
ثم جاء الإمام الحسين عليه السلام ليُمثل المفترق الأكبر في تاريخ الأمة، فنهضته لم تكن ثورة على سلطة يزيد فقط، بل كانت إعلانًا مدويًا أن البيعة للطاغوت سقوط أخلاقي، وأن المبادئ لا تباع ولا تشترى بثمن. في زمن خذل فيه الكثيرون الإمام، وانهارت فيه الولاءات تحت ضغط الإغراء والخوف، جاءت كربلاء لتعيد تعريف معنى الانتصار، فالنصر ليس كثرة جند أو مال، بل هو بقاء الرسالة رغم الجراح، وهو انتصار الدم على السيف، والمبدأ على المصالح الزائلة.
ومن بعده، تنوعت أساليب الأئمة في مواجهة التحديات وفق الظروف، لكن الهدف بقي واحدًا: الإمام السجاد عليه السلام حفظ الثورة بالدعاء والبكاء، ليؤسس مدرسة وعي لا تنطفئ ولا تموت، وعلم الأمة كيف تحول الهزيمة الظاهرية إلى انتصار روحي ومعنوي دائم. والإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام عملا على تأسيس الجامعة الإسلامية الكبرى لمواجهة الانحراف الفكري والثقافي الذي مارسته السلطات الأموية والعباسية بكل شراسة، ففتحا مجال الاجتهاد وأسسا المدرسة الفقهية والكلامية التي حافظت على جوهر الإسلام من التحريف. أما الأئمة اللاحقون فقد واجهوا أشكالًا مختلفة من القمع والاستضعاف، لكنهم ظلوا يشكلون الضمير الحي للأمة، ويربون جيلًا من الموالين لا يخافون في الله لومة لائم، ويحملون راية الحق في سراء الدهر وضرائه.
بناء الإنسان في وصايا الأئمة: الأمانة والعدل أساس الحكم
إن ما يميز منهج أهل البيت عليهم السلام هو تركيزهم على بناء الإنسان قبل بناء الدولة، فالإنسان الواعي القادر على تحمل المسؤولية هو أساس النهضة الحقيقية، واللبنة الأولى في صرح التمكين. لقد كان الأئمة يوصون عمالهم وولاتهم بأن يكونوا أمناء صالحين قادرين على إدارة شؤون الناس بإنصاف. فالإمام علي عليه السلام في وصاياه لعماله كان يبدأ بالتأكيد على بناء العقيدة الصحيحة لأن الإنسان بلا عقيدة راسخة يتذبذب مع الرياح، ثم التربية الأخلاقية فلا يصلح والٍ ظالم أو جبان أو فاسد، ثم العدل في الرعية لأن الحكم في الإسلام أمانة وليس وسيلة للسيطرة على مقدرات الناس. وقد ورد في وصاياه لمالك الأشتر: "أشعر قلبك الرحمة للرعية، والطاعة لهم، والتودد إليهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق". هذه النظرة للإنسان جعلت من مدرسة أهل البيت نقيضًا حقيقيًا لمشاريع الاستبداد والهيمنة، سواء في عصورهم أو في زماننا المعاصر، فهي تضع المسؤولية في أعلى درجاتها، وتجعل الحاكم خادمًا لا متسلطًا، وأمينًا لا مستأثرًا.
الموالون لأهل البيت عبر التاريخ: درع الإسلام في وجه الفساد والهيمنة
عبر التاريخ، كان الموالون لأهل البيت عليهم السلام هم خط الدفاع الأول عن الإسلام الحقيقي في وجه ثلاثية الشر: الكفر الخارجي المتمثل بالمحتلين والمعتدين الذين أرادوا إذلال الأمة وسلب مقدراتها، والظلم الداخلي المتمثل بالسلاطين والحكام المستبدين الذين استغلوا الدين لتبرير طغيانهم ونهبهم لثروات الأمة، والانحراف الفكري المتمثل بالتيارات التي شوهت صورة الإسلام وجعلته أداة لتبرير الهيمنة بدلًا من أن يكون منهاج تحرير. إن نهضة الموالين لأهل البيت عبر العصور كانت قائمة على ثقافة المقاومة المستمدة من واقعة الطف ومن مدرسة الجهاد التي أسسها الأئمة. وهذه الثقافة تجعل الإنسان قادرًا على مواجهة أعتى القوى بكل شجاعة، لأنه يؤمن أن النصر مع الصبر، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين. لقد حمل الموالون راية الدفاع عن المقدسات، وكانوا في طليعة المجاهدين ضد الاحتلال والاستبداد، مستلهمين من سير الأئمة معاني التضحية والصبر والثبات.
دور المراجع والعلماء العظام بعد الغيبة الكبرى
ومع غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، انتقلت مسؤولية القيادة الدينية والمرجعية إلى العلماء الربانيين الذين ورثوا الأنبياء والأئمة في حفظ الدين وقيادة الأمة. لقد كان للمرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام دور محوري في صيانة العقيدة، وتحصين المجتمع، ومواجهة التحديات الكبرى التي مرت بها الأمة عبر القرون. فالعلماء العظام، من الشيخ الطوسي إلى العلامة الحلي، ومن المقدس الأردبيلي إلى الوحيد البهبهاني، ومن الشيخ الأنصاري إلى الآخوند الخراساني، ومن السيد محمد سعيد الحبوبي إلى السيد محسن الحكيم، ومن الإمام الخميني إلى السيد علي السيستاني والسيد علي الخامنئي، كانوا جميعًا حلقة الاتصال بين الإمام الغائب والأمة، يحملون راية الفقه والاجتهاد، ويقودون الأمة في السلم والحرب، ويربون جيلًا من المؤمنين الواعين القادرين على مواجهة أعداء الدين.
لقد شكلت المرجعية الدينية في النجف الأشرف وقم المقدسة عمودًا فقريًا للأمة الشيعية، بل للأمة الإسلامية جمعاء، في أحلك الظروف. فعندما اجتاح الاستعمار العالم الإسلامي، كان العلماء هم الذين قادوا حركات المقاومة والتحرير. وعندما حاولت التيارات التغريبية والتكفيرية طمس الهوية الإسلامية، كان العلماء هم الذين تصدوا لها بالحجة والبيان. وعندما حلت ببلاد المسلمين نكبات تلو الأخرى، كانت المرجعية الدينية هي الحضن الدافئ الذي يضم الجرحى، والصوت العالي الذي يدافع عن المظلومين، والقبلة التي تلتف حولها الأمة في الشدائد.
وقد تجلى هذا الدور بأبهى صوره في الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني قدس سره، حيث تحولت المرجعية الدينية من إطارها التقليدي في الإفتاء والإرشاد إلى قيادة شعب بأكمله في ثورة ضد نظام شاهنشاهي كان أداته أمريكا وإسرائيل، وأسست لنظام سياسي يقوم على ولاية الفقيه، الذي هو امتداد لولاية الأئمة المعصومين في زمن الغيبة. لقد أثبتت التجربة أن وجود مرجعية رشيدة واعية متصلة بالناس قادرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، هو الضمان الحقيقي لبقاء الأمة على نهجها، وحماية مقدراتها، وعدم انزلاقها وراء مشاريع الهيمنة والاستكبار.
استغلال بعض المسلمين لمقدرات الأمة ودور المرجعية في مواجهته
لقد حذر القرآن الكريم بصراحة من فئة تستغل الدين لتحقيق مآرب دنيوية وتبيع الآخرة بالدنيا، فقال تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ". إن ما حدث في تاريخنا الإسلامي من انحرافات، وما يحدث اليوم من استغلال بعض الأنظمة لمقدرات الأمة، هو جزء من هذه المعادلة الخطيرة. فحينما تُنهب ثروات الأمة، وتُصادر أراضيها، وتُستعبد شعوبها في سبيل بقاء حكام تابعين للهيمنة الغربية أو الصهيونية، فإن ذلك هو عين الفساد الذي حذر منه القرآن، وهو استمرار لمشروع التخلف الذي يريد أن يبقي الأمة ضعيفة متفرقة عاجزة عن مواجهة أعدائها.
وهنا يأتي دور المرجعية الدينية في فضح هذه الممارسات، وتنبيه الأمة إلى خطورتها، والدعوة إلى المقاطعة والمقاومة. لقد كان العلماء عبر التاريخ على موقف ثابت من الاستبداد والهيمنة، فلم يسكتوا على ظلم سلطان جائر، ولم يباركوا احتلالًا أجنبيًا، بل كانوا في طليعة المعارضين والمقاومين. هذا الموقف الأصيل جعل منهم هدفًا للأنظمة المستبدة والقوى الاستعمارية، فتعرضوا للسجن والنفي والاغتيال، لكنهم لم يتخلوا أبدًا عن دورهم الرسالي في حماية الأمة.
النهضة المطلوبة: من ثقافة الانكسار إلى ثقافة النصر
ما نراه اليوم من صمود إيران الأسطوري، ومن انتفاضات المقاومة الباسلة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق، هو امتداد حي ونابض لهذه المدرسة الإيمانية العريقة التي أسسها الأئمة ورعتها المرجعية. إنها ثمرة عقيدة راسخة تجعل المؤمن يدرك أن النصر ليس حتميًا بالعدد والعدة فقط، بل هو كما قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ". فالنصرة لله تأتي بالتمسك بمنهجه والالتزام بثوابته والجهاد في سبيله. وهذا ما يجعل الأمة قادرة على مواجهة أعدائها مهما بلغت قوتهم الظاهرية ومهما تكالبت عليها قوى الباطل.
إن انتفاضات المقاومة التي تشهدها المنطقة اليوم، من غزة العزة إلى جنوب لبنان، ومن اليمن الصامد إلى العراق المجاهد، هي ترجمة عملية لهذه الثقافة الإيمانية. إنها ثمرة جهود المرجعية الدينية التي ظلت تغذي الأمة بروح الجهاد والصبر، وتدعو إلى الوحدة ونبذ الفرقة، وتؤكد أن الطريق إلى تحرير الأرض والمقدسات يمر عبر استعادة الثقة بالنفس والاعتماد على الذات والتمسك بالثوابت.
رسالة إلى شعوب المنطقة وأمة الإسلام
لقد أثبتت التجربة أن الطريق إلى التحرر الحقيقي يمر عبر جملة من المسارات المتكاملة: التمسك بالمبادئ الإسلامية الأصيلة كما قدمتها مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وبناء الإنسان المؤمن القادر على تحمل المسؤولية، وتأسيس حكم عادل يستند إلى الكفاءة والأمانة والعدل لا إلى المحسوبية والتبعية، وقطع اليد الغربية والصهيونية عن مقدرات الأمة، واستعادة الثقة بالنفس والاعتماد على الذات في جميع المجالات. إن شعوبنا العربية والإسلامية ليست عاجزة أبدًا، بل هي بحاجة إلى إرادة سياسية تعبر عنها بصدق، وإلى قيادات مؤمنة حقًا بقضيتها. وإذا كان الأئمة عليهم السلام قد حملوا الرسالة في أصعب الظروف، فإن على الموالين اليوم أن يحملوا راية النهضة، وأن يعملوا بكل عزيمة على تغيير الواقع القائم، وصولًا إلى تحرير الأرض والإنسان من ربقة الهيمنة والاستبداد.
وإننا إذ نعيش زمن الغيبة، فإن مسؤوليتنا تجاه الإمام الحجة عجل الله فرجه مضاعفة، فعلينا أن نكون كما أرادنا العلماء العظام، جندًا للمهدي في غيبته، نستعد لظهوره بتحقيق العدالة في أنفسنا ومجتمعاتنا، وبالمقاومة المستمرة لكل أشكال الظلم والطغيان. إن المرجعية الدينية، بكل ما تقدمه من توجيه ورعاية، هي السفينة التي تحمي الأمة من الغرق، وهي النبراس الذي يضيء الطريق في ظلمات الفتن، وهي الامتداد الشرعي للإمامة في عصر الغيبة الكبرى.
إن وعد الله حق لا يتخلف، وهو القائل: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ". والأرض الموعودة، أرض الكرامة والعدل والتحرر، لا بد أن يراها من ينتظرون الفرج، ولا بد أن تتحقق على أيدي المؤمنين الصادقين الذين تربوا على مدرسة أهل البيت، واستضاءوا بنور مراجعهم العظام، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده.
والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الكاتب والباحث: حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني
دراسات في تاريخ الأئمة المعصومين عليهم السلام
تمهيد في المنظور الإسلامي للسيادة والتحرر
إن الحديث عن صمود إيران وقوة إرادتها لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن دورها الرسالي المستمد من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فليست القضية مجرد صراع سياسي على النفوذ، بل هي استمرار لمعركة إيمانية كبرى بدأت منذ اليوم الأول الذي انحرف فيه بعض المسلمين عن مسار العدالة الإلهية، وحاولوا فيه استغلال الدين لصالح السلطة والثروة، بدلًا من جعله منهاجًا لتحرير الإنسان وكرامته. إن الإسلام لم ينزل ليكون أداة بيد الحكام يبررون بها هيمنتهم، بل جاء ليحرر الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأوضاع إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة والدنيا معًا.
مشروع الإمامة في مواجهة التحديات وبناء الأمة
لقد رسم أئمة الهدى عليهم السلام منذ البداية مشروعًا متكاملًا لمقارعة الظلم والاستبداد، ليس فقط بالكلمة والموعظة، بل بتقديم النموذج العملي في التضحية والفداء. فالإمام علي عليه السلام، في عهده الخالد لمالك الأشتر، رسم أُسس الحكم العادل حين قال: "اجعل نفسك ميزانًا فيما بينك وبين رعيتك، فأحبب لهم ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك". وهذه الوصية لم تكن مجرد نصيحة أخلاقية عابرة، بل كانت دستورًا متكاملًا للحاكم المسلم الذي يرى في نفسه خادمًا للشعب لا متسلطًا عليه. وقد حارب الإمام علي الانحراف في عهده، وواجه ببسالة من استغلوا مقدرات الأمة لصالحهم، سواء كانوا من القاعدين عن الجهاد أو المنهزمين أمام الباطل.
ثم جاء الإمام الحسين عليه السلام ليُمثل المفترق الأكبر في تاريخ الأمة، فنهضته لم تكن ثورة على سلطة يزيد فقط، بل كانت إعلانًا مدويًا أن البيعة للطاغوت سقوط أخلاقي، وأن المبادئ لا تباع ولا تشترى بثمن. في زمن خذل فيه الكثيرون الإمام، وانهارت فيه الولاءات تحت ضغط الإغراء والخوف، جاءت كربلاء لتعيد تعريف معنى الانتصار، فالنصر ليس كثرة جند أو مال، بل هو بقاء الرسالة رغم الجراح، وهو انتصار الدم على السيف، والمبدأ على المصالح الزائلة.
ومن بعده، تنوعت أساليب الأئمة في مواجهة التحديات وفق الظروف، لكن الهدف بقي واحدًا: الإمام السجاد عليه السلام حفظ الثورة بالدعاء والبكاء، ليؤسس مدرسة وعي لا تنطفئ ولا تموت، وعلم الأمة كيف تحول الهزيمة الظاهرية إلى انتصار روحي ومعنوي دائم. والإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام عملا على تأسيس الجامعة الإسلامية الكبرى لمواجهة الانحراف الفكري والثقافي الذي مارسته السلطات الأموية والعباسية بكل شراسة، ففتحا مجال الاجتهاد وأسسا المدرسة الفقهية والكلامية التي حافظت على جوهر الإسلام من التحريف. أما الأئمة اللاحقون فقد واجهوا أشكالًا مختلفة من القمع والاستضعاف، لكنهم ظلوا يشكلون الضمير الحي للأمة، ويربون جيلًا من الموالين لا يخافون في الله لومة لائم، ويحملون راية الحق في سراء الدهر وضرائه.
بناء الإنسان في وصايا الأئمة: الأمانة والعدل أساس الحكم
إن ما يميز منهج أهل البيت عليهم السلام هو تركيزهم على بناء الإنسان قبل بناء الدولة، فالإنسان الواعي القادر على تحمل المسؤولية هو أساس النهضة الحقيقية، واللبنة الأولى في صرح التمكين. لقد كان الأئمة يوصون عمالهم وولاتهم بأن يكونوا أمناء صالحين قادرين على إدارة شؤون الناس بإنصاف. فالإمام علي عليه السلام في وصاياه لعماله كان يبدأ بالتأكيد على بناء العقيدة الصحيحة لأن الإنسان بلا عقيدة راسخة يتذبذب مع الرياح، ثم التربية الأخلاقية فلا يصلح والٍ ظالم أو جبان أو فاسد، ثم العدل في الرعية لأن الحكم في الإسلام أمانة وليس وسيلة للسيطرة على مقدرات الناس. وقد ورد في وصاياه لمالك الأشتر: "أشعر قلبك الرحمة للرعية، والطاعة لهم، والتودد إليهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق". هذه النظرة للإنسان جعلت من مدرسة أهل البيت نقيضًا حقيقيًا لمشاريع الاستبداد والهيمنة، سواء في عصورهم أو في زماننا المعاصر، فهي تضع المسؤولية في أعلى درجاتها، وتجعل الحاكم خادمًا لا متسلطًا، وأمينًا لا مستأثرًا.
الموالون لأهل البيت عبر التاريخ: درع الإسلام في وجه الفساد والهيمنة
عبر التاريخ، كان الموالون لأهل البيت عليهم السلام هم خط الدفاع الأول عن الإسلام الحقيقي في وجه ثلاثية الشر: الكفر الخارجي المتمثل بالمحتلين والمعتدين الذين أرادوا إذلال الأمة وسلب مقدراتها، والظلم الداخلي المتمثل بالسلاطين والحكام المستبدين الذين استغلوا الدين لتبرير طغيانهم ونهبهم لثروات الأمة، والانحراف الفكري المتمثل بالتيارات التي شوهت صورة الإسلام وجعلته أداة لتبرير الهيمنة بدلًا من أن يكون منهاج تحرير. إن نهضة الموالين لأهل البيت عبر العصور كانت قائمة على ثقافة المقاومة المستمدة من واقعة الطف ومن مدرسة الجهاد التي أسسها الأئمة. وهذه الثقافة تجعل الإنسان قادرًا على مواجهة أعتى القوى بكل شجاعة، لأنه يؤمن أن النصر مع الصبر، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين. لقد حمل الموالون راية الدفاع عن المقدسات، وكانوا في طليعة المجاهدين ضد الاحتلال والاستبداد، مستلهمين من سير الأئمة معاني التضحية والصبر والثبات.
دور المراجع والعلماء العظام بعد الغيبة الكبرى
ومع غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، انتقلت مسؤولية القيادة الدينية والمرجعية إلى العلماء الربانيين الذين ورثوا الأنبياء والأئمة في حفظ الدين وقيادة الأمة. لقد كان للمرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام دور محوري في صيانة العقيدة، وتحصين المجتمع، ومواجهة التحديات الكبرى التي مرت بها الأمة عبر القرون. فالعلماء العظام، من الشيخ الطوسي إلى العلامة الحلي، ومن المقدس الأردبيلي إلى الوحيد البهبهاني، ومن الشيخ الأنصاري إلى الآخوند الخراساني، ومن السيد محمد سعيد الحبوبي إلى السيد محسن الحكيم، ومن الإمام الخميني إلى السيد علي السيستاني والسيد علي الخامنئي، كانوا جميعًا حلقة الاتصال بين الإمام الغائب والأمة، يحملون راية الفقه والاجتهاد، ويقودون الأمة في السلم والحرب، ويربون جيلًا من المؤمنين الواعين القادرين على مواجهة أعداء الدين.
لقد شكلت المرجعية الدينية في النجف الأشرف وقم المقدسة عمودًا فقريًا للأمة الشيعية، بل للأمة الإسلامية جمعاء، في أحلك الظروف. فعندما اجتاح الاستعمار العالم الإسلامي، كان العلماء هم الذين قادوا حركات المقاومة والتحرير. وعندما حاولت التيارات التغريبية والتكفيرية طمس الهوية الإسلامية، كان العلماء هم الذين تصدوا لها بالحجة والبيان. وعندما حلت ببلاد المسلمين نكبات تلو الأخرى، كانت المرجعية الدينية هي الحضن الدافئ الذي يضم الجرحى، والصوت العالي الذي يدافع عن المظلومين، والقبلة التي تلتف حولها الأمة في الشدائد.
وقد تجلى هذا الدور بأبهى صوره في الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني قدس سره، حيث تحولت المرجعية الدينية من إطارها التقليدي في الإفتاء والإرشاد إلى قيادة شعب بأكمله في ثورة ضد نظام شاهنشاهي كان أداته أمريكا وإسرائيل، وأسست لنظام سياسي يقوم على ولاية الفقيه، الذي هو امتداد لولاية الأئمة المعصومين في زمن الغيبة. لقد أثبتت التجربة أن وجود مرجعية رشيدة واعية متصلة بالناس قادرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، هو الضمان الحقيقي لبقاء الأمة على نهجها، وحماية مقدراتها، وعدم انزلاقها وراء مشاريع الهيمنة والاستكبار.
استغلال بعض المسلمين لمقدرات الأمة ودور المرجعية في مواجهته
لقد حذر القرآن الكريم بصراحة من فئة تستغل الدين لتحقيق مآرب دنيوية وتبيع الآخرة بالدنيا، فقال تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ". إن ما حدث في تاريخنا الإسلامي من انحرافات، وما يحدث اليوم من استغلال بعض الأنظمة لمقدرات الأمة، هو جزء من هذه المعادلة الخطيرة. فحينما تُنهب ثروات الأمة، وتُصادر أراضيها، وتُستعبد شعوبها في سبيل بقاء حكام تابعين للهيمنة الغربية أو الصهيونية، فإن ذلك هو عين الفساد الذي حذر منه القرآن، وهو استمرار لمشروع التخلف الذي يريد أن يبقي الأمة ضعيفة متفرقة عاجزة عن مواجهة أعدائها.
وهنا يأتي دور المرجعية الدينية في فضح هذه الممارسات، وتنبيه الأمة إلى خطورتها، والدعوة إلى المقاطعة والمقاومة. لقد كان العلماء عبر التاريخ على موقف ثابت من الاستبداد والهيمنة، فلم يسكتوا على ظلم سلطان جائر، ولم يباركوا احتلالًا أجنبيًا، بل كانوا في طليعة المعارضين والمقاومين. هذا الموقف الأصيل جعل منهم هدفًا للأنظمة المستبدة والقوى الاستعمارية، فتعرضوا للسجن والنفي والاغتيال، لكنهم لم يتخلوا أبدًا عن دورهم الرسالي في حماية الأمة.
النهضة المطلوبة: من ثقافة الانكسار إلى ثقافة النصر
ما نراه اليوم من صمود إيران الأسطوري، ومن انتفاضات المقاومة الباسلة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق، هو امتداد حي ونابض لهذه المدرسة الإيمانية العريقة التي أسسها الأئمة ورعتها المرجعية. إنها ثمرة عقيدة راسخة تجعل المؤمن يدرك أن النصر ليس حتميًا بالعدد والعدة فقط، بل هو كما قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ". فالنصرة لله تأتي بالتمسك بمنهجه والالتزام بثوابته والجهاد في سبيله. وهذا ما يجعل الأمة قادرة على مواجهة أعدائها مهما بلغت قوتهم الظاهرية ومهما تكالبت عليها قوى الباطل.
إن انتفاضات المقاومة التي تشهدها المنطقة اليوم، من غزة العزة إلى جنوب لبنان، ومن اليمن الصامد إلى العراق المجاهد، هي ترجمة عملية لهذه الثقافة الإيمانية. إنها ثمرة جهود المرجعية الدينية التي ظلت تغذي الأمة بروح الجهاد والصبر، وتدعو إلى الوحدة ونبذ الفرقة، وتؤكد أن الطريق إلى تحرير الأرض والمقدسات يمر عبر استعادة الثقة بالنفس والاعتماد على الذات والتمسك بالثوابت.
رسالة إلى شعوب المنطقة وأمة الإسلام
لقد أثبتت التجربة أن الطريق إلى التحرر الحقيقي يمر عبر جملة من المسارات المتكاملة: التمسك بالمبادئ الإسلامية الأصيلة كما قدمتها مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وبناء الإنسان المؤمن القادر على تحمل المسؤولية، وتأسيس حكم عادل يستند إلى الكفاءة والأمانة والعدل لا إلى المحسوبية والتبعية، وقطع اليد الغربية والصهيونية عن مقدرات الأمة، واستعادة الثقة بالنفس والاعتماد على الذات في جميع المجالات. إن شعوبنا العربية والإسلامية ليست عاجزة أبدًا، بل هي بحاجة إلى إرادة سياسية تعبر عنها بصدق، وإلى قيادات مؤمنة حقًا بقضيتها. وإذا كان الأئمة عليهم السلام قد حملوا الرسالة في أصعب الظروف، فإن على الموالين اليوم أن يحملوا راية النهضة، وأن يعملوا بكل عزيمة على تغيير الواقع القائم، وصولًا إلى تحرير الأرض والإنسان من ربقة الهيمنة والاستبداد.
وإننا إذ نعيش زمن الغيبة، فإن مسؤوليتنا تجاه الإمام الحجة عجل الله فرجه مضاعفة، فعلينا أن نكون كما أرادنا العلماء العظام، جندًا للمهدي في غيبته، نستعد لظهوره بتحقيق العدالة في أنفسنا ومجتمعاتنا، وبالمقاومة المستمرة لكل أشكال الظلم والطغيان. إن المرجعية الدينية، بكل ما تقدمه من توجيه ورعاية، هي السفينة التي تحمي الأمة من الغرق، وهي النبراس الذي يضيء الطريق في ظلمات الفتن، وهي الامتداد الشرعي للإمامة في عصر الغيبة الكبرى.
إن وعد الله حق لا يتخلف، وهو القائل: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ". والأرض الموعودة، أرض الكرامة والعدل والتحرر، لا بد أن يراها من ينتظرون الفرج، ولا بد أن تتحقق على أيدي المؤمنين الصادقين الذين تربوا على مدرسة أهل البيت، واستضاءوا بنور مراجعهم العظام، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده.
والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الكاتب والباحث: حيدر الشبلاويأكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكترونيدراسات في تاريخ الأئمة المعصومين عليهم السلام
تمهيد في المنظور الإسلامي للسيادة والتحرر
إن الحديث عن صمود إيران وقوة إرادتها لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن دورها الرسالي المستمد من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فليست القضية مجرد صراع سياسي على النفوذ، بل هي استمرار لمعركة إيمانية كبرى بدأت منذ اليوم الأول الذي انحرف فيه بعض المسلمين عن مسار العدالة الإلهية، وحاولوا فيه استغلال الدين لصالح السلطة والثروة، بدلًا من جعله منهاجًا لتحرير الإنسان وكرامته. إن الإسلام لم ينزل ليكون أداة بيد الحكام يبررون بها هيمنتهم، بل جاء ليحرر الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأوضاع إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة والدنيا معًا.
مشروع الإمامة في مواجهة التحديات وبناء الأمة
لقد رسم أئمة الهدى عليهم السلام منذ البداية مشروعًا متكاملًا لمقارعة الظلم والاستبداد، ليس فقط بالكلمة والموعظة، بل بتقديم النموذج العملي في التضحية والفداء. فالإمام علي عليه السلام، في عهده الخالد لمالك الأشتر، رسم أُسس الحكم العادل حين قال: "اجعل نفسك ميزانًا فيما بينك وبين رعيتك، فأحبب لهم ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك". وهذه الوصية لم تكن مجرد نصيحة أخلاقية عابرة، بل كانت دستورًا متكاملًا للحاكم المسلم الذي يرى في نفسه خادمًا للشعب لا متسلطًا عليه. وقد حارب الإمام علي الانحراف في عهده، وواجه ببسالة من استغلوا مقدرات الأمة لصالحهم، سواء كانوا من القاعدين عن الجهاد أو المنهزمين أمام الباطل.
ثم جاء الإمام الحسين عليه السلام ليُمثل المفترق الأكبر في تاريخ الأمة، فنهضته لم تكن ثورة على سلطة يزيد فقط، بل كانت إعلانًا مدويًا أن البيعة للطاغوت سقوط أخلاقي، وأن المبادئ لا تباع ولا تشترى بثمن. في زمن خذل فيه الكثيرون الإمام، وانهارت فيه الولاءات تحت ضغط الإغراء والخوف، جاءت كربلاء لتعيد تعريف معنى الانتصار، فالنصر ليس كثرة جند أو مال، بل هو بقاء الرسالة رغم الجراح، وهو انتصار الدم على السيف، والمبدأ على المصالح الزائلة.
ومن بعده، تنوعت أساليب الأئمة في مواجهة التحديات وفق الظروف، لكن الهدف بقي واحدًا: الإمام السجاد عليه السلام حفظ الثورة بالدعاء والبكاء، ليؤسس مدرسة وعي لا تنطفئ ولا تموت، وعلم الأمة كيف تحول الهزيمة الظاهرية إلى انتصار روحي ومعنوي دائم. والإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام عملا على تأسيس الجامعة الإسلامية الكبرى لمواجهة الانحراف الفكري والثقافي الذي مارسته السلطات الأموية والعباسية بكل شراسة، ففتحا مجال الاجتهاد وأسسا المدرسة الفقهية والكلامية التي حافظت على جوهر الإسلام من التحريف. أما الأئمة اللاحقون فقد واجهوا أشكالًا مختلفة من القمع والاستضعاف، لكنهم ظلوا يشكلون الضمير الحي للأمة، ويربون جيلًا من الموالين لا يخافون في الله لومة لائم، ويحملون راية الحق في سراء الدهر وضرائه.
بناء الإنسان في وصايا الأئمة: الأمانة والعدل أساس الحكم
إن ما يميز منهج أهل البيت عليهم السلام هو تركيزهم على بناء الإنسان قبل بناء الدولة، فالإنسان الواعي القادر على تحمل المسؤولية هو أساس النهضة الحقيقية، واللبنة الأولى في صرح التمكين. لقد كان الأئمة يوصون عمالهم وولاتهم بأن يكونوا أمناء صالحين قادرين على إدارة شؤون الناس بإنصاف. فالإمام علي عليه السلام في وصاياه لعماله كان يبدأ بالتأكيد على بناء العقيدة الصحيحة لأن الإنسان بلا عقيدة راسخة يتذبذب مع الرياح، ثم التربية الأخلاقية فلا يصلح والٍ ظالم أو جبان أو فاسد، ثم العدل في الرعية لأن الحكم في الإسلام أمانة وليس وسيلة للسيطرة على مقدرات الناس. وقد ورد في وصاياه لمالك الأشتر: "أشعر قلبك الرحمة للرعية، والطاعة لهم، والتودد إليهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق". هذه النظرة للإنسان جعلت من مدرسة أهل البيت نقيضًا حقيقيًا لمشاريع الاستبداد والهيمنة، سواء في عصورهم أو في زماننا المعاصر، فهي تضع المسؤولية في أعلى درجاتها، وتجعل الحاكم خادمًا لا متسلطًا، وأمينًا لا مستأثرًا.
الموالون لأهل البيت عبر التاريخ: درع الإسلام في وجه الفساد والهيمنة
عبر التاريخ، كان الموالون لأهل البيت عليهم السلام هم خط الدفاع الأول عن الإسلام الحقيقي في وجه ثلاثية الشر: الكفر الخارجي المتمثل بالمحتلين والمعتدين الذين أرادوا إذلال الأمة وسلب مقدراتها، والظلم الداخلي المتمثل بالسلاطين والحكام المستبدين الذين استغلوا الدين لتبرير طغيانهم ونهبهم لثروات الأمة، والانحراف الفكري المتمثل بالتيارات التي شوهت صورة الإسلام وجعلته أداة لتبرير الهيمنة بدلًا من أن يكون منهاج تحرير. إن نهضة الموالين لأهل البيت عبر العصور كانت قائمة على ثقافة المقاومة المستمدة من واقعة الطف ومن مدرسة الجهاد التي أسسها الأئمة. وهذه الثقافة تجعل الإنسان قادرًا على مواجهة أعتى القوى بكل شجاعة، لأنه يؤمن أن النصر مع الصبر، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين. لقد حمل الموالون راية الدفاع عن المقدسات، وكانوا في طليعة المجاهدين ضد الاحتلال والاستبداد، مستلهمين من سير الأئمة معاني التضحية والصبر والثبات.
دور المراجع والعلماء العظام بعد الغيبة الكبرى
ومع غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، انتقلت مسؤولية القيادة الدينية والمرجعية إلى العلماء الربانيين الذين ورثوا الأنبياء والأئمة في حفظ الدين وقيادة الأمة. لقد كان للمرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام دور محوري في صيانة العقيدة، وتحصين المجتمع، ومواجهة التحديات الكبرى التي مرت بها الأمة عبر القرون. فالعلماء العظام، من الشيخ الطوسي إلى العلامة الحلي، ومن المقدس الأردبيلي إلى الوحيد البهبهاني، ومن الشيخ الأنصاري إلى الآخوند الخراساني، ومن السيد محمد سعيد الحبوبي إلى السيد محسن الحكيم، ومن الإمام الخميني إلى السيد علي السيستاني والسيد علي الخامنئي، كانوا جميعًا حلقة الاتصال بين الإمام الغائب والأمة، يحملون راية الفقه والاجتهاد، ويقودون الأمة في السلم والحرب، ويربون جيلًا من المؤمنين الواعين القادرين على مواجهة أعداء الدين.
لقد شكلت المرجعية الدينية في النجف الأشرف وقم المقدسة عمودًا فقريًا للأمة الشيعية، بل للأمة الإسلامية جمعاء، في أحلك الظروف. فعندما اجتاح الاستعمار العالم الإسلامي، كان العلماء هم الذين قادوا حركات المقاومة والتحرير. وعندما حاولت التيارات التغريبية والتكفيرية طمس الهوية الإسلامية، كان العلماء هم الذين تصدوا لها بالحجة والبيان. وعندما حلت ببلاد المسلمين نكبات تلو الأخرى، كانت المرجعية الدينية هي الحضن الدافئ الذي يضم الجرحى، والصوت العالي الذي يدافع عن المظلومين، والقبلة التي تلتف حولها الأمة في الشدائد.
وقد تجلى هذا الدور بأبهى صوره في الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني قدس سره، حيث تحولت المرجعية الدينية من إطارها التقليدي في الإفتاء والإرشاد إلى قيادة شعب بأكمله في ثورة ضد نظام شاهنشاهي كان أداته أمريكا وإسرائيل، وأسست لنظام سياسي يقوم على ولاية الفقيه، الذي هو امتداد لولاية الأئمة المعصومين في زمن الغيبة. لقد أثبتت التجربة أن وجود مرجعية رشيدة واعية متصلة بالناس قادرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، هو الضمان الحقيقي لبقاء الأمة على نهجها، وحماية مقدراتها، وعدم انزلاقها وراء مشاريع الهيمنة والاستكبار.
استغلال بعض المسلمين لمقدرات الأمة ودور المرجعية في مواجهته
لقد حذر القرآن الكريم بصراحة من فئة تستغل الدين لتحقيق مآرب دنيوية وتبيع الآخرة بالدنيا، فقال تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ". إن ما حدث في تاريخنا الإسلامي من انحرافات، وما يحدث اليوم من استغلال بعض الأنظمة لمقدرات الأمة، هو جزء من هذه المعادلة الخطيرة. فحينما تُنهب ثروات الأمة، وتُصادر أراضيها، وتُستعبد شعوبها في سبيل بقاء حكام تابعين للهيمنة الغربية أو الصهيونية، فإن ذلك هو عين الفساد الذي حذر منه القرآن، وهو استمرار لمشروع التخلف الذي يريد أن يبقي الأمة ضعيفة متفرقة عاجزة عن مواجهة أعدائها.
وهنا يأتي دور المرجعية الدينية في فضح هذه الممارسات، وتنبيه الأمة إلى خطورتها، والدعوة إلى المقاطعة والمقاومة. لقد كان العلماء عبر التاريخ على موقف ثابت من الاستبداد والهيمنة، فلم يسكتوا على ظلم سلطان جائر، ولم يباركوا احتلالًا أجنبيًا، بل كانوا في طليعة المعارضين والمقاومين. هذا الموقف الأصيل جعل منهم هدفًا للأنظمة المستبدة والقوى الاستعمارية، فتعرضوا للسجن والنفي والاغتيال، لكنهم لم يتخلوا أبدًا عن دورهم الرسالي في حماية الأمة.
النهضة المطلوبة: من ثقافة الانكسار إلى ثقافة النصر
ما نراه اليوم من صمود إيران الأسطوري، ومن انتفاضات المقاومة الباسلة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق، هو امتداد حي ونابض لهذه المدرسة الإيمانية العريقة التي أسسها الأئمة ورعتها المرجعية. إنها ثمرة عقيدة راسخة تجعل المؤمن يدرك أن النصر ليس حتميًا بالعدد والعدة فقط، بل هو كما قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ". فالنصرة لله تأتي بالتمسك بمنهجه والالتزام بثوابته والجهاد في سبيله. وهذا ما يجعل الأمة قادرة على مواجهة أعدائها مهما بلغت قوتهم الظاهرية ومهما تكالبت عليها قوى الباطل.
إن انتفاضات المقاومة التي تشهدها المنطقة اليوم، من غزة العزة إلى جنوب لبنان، ومن اليمن الصامد إلى العراق المجاهد، هي ترجمة عملية لهذه الثقافة الإيمانية. إنها ثمرة جهود المرجعية الدينية التي ظلت تغذي الأمة بروح الجهاد والصبر، وتدعو إلى الوحدة ونبذ الفرقة، وتؤكد أن الطريق إلى تحرير الأرض والمقدسات يمر عبر استعادة الثقة بالنفس والاعتماد على الذات والتمسك بالثوابت.
رسالة إلى شعوب المنطقة وأمة الإسلام
لقد أثبتت التجربة أن الطريق إلى التحرر الحقيقي يمر عبر جملة من المسارات المتكاملة: التمسك بالمبادئ الإسلامية الأصيلة كما قدمتها مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وبناء الإنسان المؤمن القادر على تحمل المسؤولية، وتأسيس حكم عادل يستند إلى الكفاءة والأمانة والعدل لا إلى المحسوبية والتبعية، وقطع اليد الغربية والصهيونية عن مقدرات الأمة، واستعادة الثقة بالنفس والاعتماد على الذات في جميع المجالات. إن شعوبنا العربية والإسلامية ليست عاجزة أبدًا، بل هي بحاجة إلى إرادة سياسية تعبر عنها بصدق، وإلى قيادات مؤمنة حقًا بقضيتها. وإذا كان الأئمة عليهم السلام قد حملوا الرسالة في أصعب الظروف، فإن على الموالين اليوم أن يحملوا راية النهضة، وأن يعملوا بكل عزيمة على تغيير الواقع القائم، وصولًا إلى تحرير الأرض والإنسان من ربقة الهيمنة والاستبداد.
وإننا إذ نعيش زمن الغيبة، فإن مسؤوليتنا تجاه الإمام الحجة عجل الله فرجه مضاعفة، فعلينا أن نكون كما أرادنا العلماء العظام، جندًا للمهدي في غيبته، نستعد لظهوره بتحقيق العدالة في أنفسنا ومجتمعاتنا، وبالمقاومة المستمرة لكل أشكال الظلم والطغيان. إن المرجعية الدينية، بكل ما تقدمه من توجيه ورعاية، هي السفينة التي تحمي الأمة من الغرق، وهي النبراس الذي يضيء الطريق في ظلمات الفتن، وهي الامتداد الشرعي للإمامة في عصر الغيبة الكبرى.
إن وعد الله حق لا يتخلف، وهو القائل: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ". والأرض الموعودة، أرض الكرامة والعدل والتحرر، لا بد أن يراها من ينتظرون الفرج، ولا بد أن تتحقق على أيدي المؤمنين الصادقين الذين تربوا على مدرسة أهل البيت، واستضاءوا بنور مراجعهم العظام، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده.
والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الكاتب والباحث: حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني
دراسات في تاريخ الأئمة المعصومين عليهم السلام