|
مقال رأي بقلم: أيسر عبد الوهاب البياتي
هل يكفي أن نمنح المبدع درعًا وأوسمة ، أو قلادة، أو شهادة تقدير ، ثم نغلق خلفه أبواب الفرص ؟
وهل يصبح المبدع مُكرَّمًا لمجرد أن صورته ظهرت في مناسبة، بينما يبقى مشروعه الإبداعي بلا دعم، وموهبته بلا احتضان، وخبرته خارج دائرة الاهتمام؟
هذه ليست أسئلة عابرة، بل قضية تستحق أن تُطرح بصوت عالٍ.
أنا أيسر عبد الوهاب البياتي، صحفية و فنانة تشكيلية وشاعرة ومصممة ومدربة، وخضت سنوات طويلة في مجالات الفن والثقافة والعمل المجتمعي.
أقمتُ أكثر من ثلاثين معرضًا شخصيًا في الفن التشكيلي، وقدمتُ أربعة مؤلفات، وحصلتُ على أكثر من أربعين درع تكريم، وثلاث جوائز اوسكار العربية وأكثر من ثلاثين قلادة تكريم، وعشرات شهادات التقدير والتكريم، إلى جانب شهادات وألقاب فخرية ودولية، وتكريمات في مجالات التدريب والسلام والنوايا الحسنة، فضلًا عن تكريمات بصفتي مدربة دولية وقدوة في مجال دعم الأشخاص ذوي الإعاقة واحتياجاتهم، إضافة إلى عملي في التصميم والإعلام.
أذكر هذه المسيرة لا لأقول: «انظروا كم كرّموني»، وإنما لأطرح سؤالًا أكثر أهمية:
إذا كان هذا حجم العطاء والتكريم، فأين تكون قيمة المبدع عندما يحتاج إلى فرصة حقيقية؟
المشكلة ليست في غياب المبدعين في العراق؛ فالعراق مليء بالمواهب والكفاءات.
المشكلة أن كثيرًا من هذه الطاقات لا تجد الطريق الذي يقودها من منصة التكريم إلى منصة التأثير.
نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة «التكريم» إلى ثقافة «التمكين».
فالمبدع لا يعيش على الدرع، ولا يستطيع أن يطبع كتابًا بالقلادة، ولا يستطيع أن يقيم معرضًا بالشهادة وحدها.
نحن بحاجة إلى مؤسسات ثقافية تفتح أبوابها للمبدعين، وبرامج حقيقية لدعم المشاريع الفنية والأدبية، وفرص عادلة للمشاركة، ومساحات للعرض، ودعم لطباعة المؤلفات، وتشجيع للمواهب الشابة، وإشراك أصحاب الخبرة في صناعة القرار الثقافي.
والأهم من ذلك كله:
أن تكون الكفاءة والإبداع والاستحقاق معيار الاختيار، لا العلاقات والواسطة والقرب من هذا الحزب أو ذاك.
فالإبداع لا يحمل هوية حزب، ولا يحتاج إلى بطاقة انتماء.
الفنان ينتمي إلى لوحته، والشاعر إلى كلمته، والكاتب إلى قلمه، والمصمم إلى فكرته، والمدرب إلى خبرته، والمبدع الحقيقي ينتمي أولًا إلى وطنه.
ومن هنا أطرح السؤال على الأحزاب والدولة والمؤسسات المعنية بالثقافة:
هل نريد مبدعين حقيقيين، أم نريد فقط مبدعين يظهرون في المناسبات؟
هل نريد أن نحتفل بالإنجاز بعد حدوثه، أم نريد أن نساعد على صناعة الإنجاز من الأساس؟
وهنا أتحدث أيضًا عن المبدعات، ولا سيما النساء اللواتي يواجهن تحديات إضافية للوصول إلى مواقع التأثير، وعن الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يثبتون يومًا بعد يوم أن الإعاقة لا تعني غياب القدرة، وإنما قد تكون الظروف المحيطة هي العائق الأكبر أمام الوصول.
لقد اخترتُ أن أستمر، وأن أرسم، وأكتب، وأصمم، وأدرب، وأعمل في الإعلام، وأشارك في النشاطات الثقافية والمجتمعية، رغم كل الصعوبات.
ولذلك فإن رسالتي ليست شخصية فقط.
أنا أطالب من أجل كل مبدع ومبدعة يمتلكان الموهبة والخبرة، لكنهما ينتظران فرصة.
فكم من فنان لم يجد قاعة يعرض فيها؟
وكم من شاعر يملك ديوانًا ينتظر الطباعة؟
وكم من كاتب لديه مشروع ثقافي لم يجد جهة تتبناه؟
وكم من شاب أو شابة يمتلكان موهبة كبيرة، لكنهما لا يعرفان من أين يبدأ؟
أن هؤلاء لا يحتاجون إلى كلمات جميلة فقط.
إنهم يحتاجون إلى أبواب تُفتح.
إن تكريم المبدع شيء جميل، لكن الأجمل أن يتحول التكريم إلى دعم، والدعم إلى مشروع، والمشروع إلى إنجاز، والإنجاز إلى أثر يبقى في ذاكرة الوطن.
لذلك أقولها بوضوح:
لا نريد أن تكون الدروع شاهدًا على ما أنجزناه فقط، بل نريد أن تكون الدولة والمؤسسات شريكًا فيما يمكن أن ننجزه مستقبلًا.
نحن لا نطلب امتيازًا على حساب الآخرين، ولا نطالب بمجاملة، ولا نبحث عن منصب.
نحن نطالب بشيء أبسط وأعمق:
العدالة في الفرص.
فالمبدع الذي قضى سنوات من عمره في خدمة الثقافة والفن والمجتمع يستحق أن يُسمع صوته، وأن تُستثمر خبرته، وأن يجد مكانًا حقيقيًا في وطنه.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع:
كم مبدعًا عراقيًا سنكرّم هذا العام؟
والسؤال الأهم:
كم مبدعًا عراقيًا سنمنحه فرصة حقيقية ليصنع شيئًا يستحق أن نكرّمه عليه غدًا؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
أيسر عبد الوهاب البياتي
صحفية - فنانة تشكيلية – شاعرة – – مصممة – مدربة.
مقال رأي بقلم: أيسر عبد الوهاب البياتي
هل يكفي أن نمنح المبدع درعًا وأوسمة ، أو قلادة، أو شهادة تقدير ، ثم نغلق خلفه أبواب الفرص ؟وهل يصبح المبدع مُكرَّمًا لمجرد أن صورته ظهرت في مناسبة، بينما يبقى مشروعه الإبداعي بلا دعم، وموهبته بلا احتضان، وخبرته خارج دائرة الاهتمام؟هذه ليست أسئلة عابرة، بل قضية تستحق أن تُطرح بصوت عالٍ.
أنا أيسر عبد الوهاب البياتي، صحفية و فنانة تشكيلية وشاعرة ومصممة ومدربة، وخضت سنوات طويلة في مجالات الفن والثقافة والعمل المجتمعي. أقمتُ أكثر من ثلاثين معرضًا شخصيًا في الفن التشكيلي، وقدمتُ أربعة مؤلفات، وحصلتُ على أكثر من أربعين درع تكريم، وثلاث جوائز اوسكار العربية وأكثر من ثلاثين قلادة تكريم، وعشرات شهادات التقدير والتكريم، إلى جانب شهادات وألقاب فخرية ودولية، وتكريمات في مجالات التدريب والسلام والنوايا الحسنة، فضلًا عن تكريمات بصفتي مدربة دولية وقدوة في مجال دعم الأشخاص ذوي الإعاقة واحتياجاتهم، إضافة إلى عملي في التصميم والإعلام.أذكر هذه المسيرة لا لأقول: «انظروا كم كرّموني»، وإنما لأطرح سؤالًا أكثر أهمية:إذا كان هذا حجم العطاء والتكريم، فأين تكون قيمة المبدع عندما يحتاج إلى فرصة حقيقية؟المشكلة ليست في غياب المبدعين في العراق؛ فالعراق مليء بالمواهب والكفاءات. المشكلة أن كثيرًا من هذه الطاقات لا تجد الطريق الذي يقودها من منصة التكريم إلى منصة التأثير.نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة «التكريم» إلى ثقافة «التمكين».فالمبدع لا يعيش على الدرع، ولا يستطيع أن يطبع كتابًا بالقلادة، ولا يستطيع أن يقيم معرضًا بالشهادة وحدها.نحن بحاجة إلى مؤسسات ثقافية تفتح أبوابها للمبدعين، وبرامج حقيقية لدعم المشاريع الفنية والأدبية، وفرص عادلة للمشاركة، ومساحات للعرض، ودعم لطباعة المؤلفات، وتشجيع للمواهب الشابة، وإشراك أصحاب الخبرة في صناعة القرار الثقافي.والأهم من ذلك كله:أن تكون الكفاءة والإبداع والاستحقاق معيار الاختيار، لا العلاقات والواسطة والقرب من هذا الحزب أو ذاك.فالإبداع لا يحمل هوية حزب، ولا يحتاج إلى بطاقة انتماء.الفنان ينتمي إلى لوحته، والشاعر إلى كلمته، والكاتب إلى قلمه، والمصمم إلى فكرته، والمدرب إلى خبرته، والمبدع الحقيقي ينتمي أولًا إلى وطنه.ومن هنا أطرح السؤال على الأحزاب والدولة والمؤسسات المعنية بالثقافة:هل نريد مبدعين حقيقيين، أم نريد فقط مبدعين يظهرون في المناسبات؟هل نريد أن نحتفل بالإنجاز بعد حدوثه، أم نريد أن نساعد على صناعة الإنجاز من الأساس؟وهنا أتحدث أيضًا عن المبدعات، ولا سيما النساء اللواتي يواجهن تحديات إضافية للوصول إلى مواقع التأثير، وعن الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يثبتون يومًا بعد يوم أن الإعاقة لا تعني غياب القدرة، وإنما قد تكون الظروف المحيطة هي العائق الأكبر أمام الوصول.لقد اخترتُ أن أستمر، وأن أرسم، وأكتب، وأصمم، وأدرب، وأعمل في الإعلام، وأشارك في النشاطات الثقافية والمجتمعية، رغم كل الصعوبات.ولذلك فإن رسالتي ليست شخصية فقط.أنا أطالب من أجل كل مبدع ومبدعة يمتلكان الموهبة والخبرة، لكنهما ينتظران فرصة.فكم من فنان لم يجد قاعة يعرض فيها؟وكم من شاعر يملك ديوانًا ينتظر الطباعة؟وكم من كاتب لديه مشروع ثقافي لم يجد جهة تتبناه؟وكم من شاب أو شابة يمتلكان موهبة كبيرة، لكنهما لا يعرفان من أين يبدأ؟أن هؤلاء لا يحتاجون إلى كلمات جميلة فقط.إنهم يحتاجون إلى أبواب تُفتح.إن تكريم المبدع شيء جميل، لكن الأجمل أن يتحول التكريم إلى دعم، والدعم إلى مشروع، والمشروع إلى إنجاز، والإنجاز إلى أثر يبقى في ذاكرة الوطن.لذلك أقولها بوضوح:لا نريد أن تكون الدروع شاهدًا على ما أنجزناه فقط، بل نريد أن تكون الدولة والمؤسسات شريكًا فيما يمكن أن ننجزه مستقبلًا.نحن لا نطلب امتيازًا على حساب الآخرين، ولا نطالب بمجاملة، ولا نبحث عن منصب.نحن نطالب بشيء أبسط وأعمق:العدالة في الفرص.فالمبدع الذي قضى سنوات من عمره في خدمة الثقافة والفن والمجتمع يستحق أن يُسمع صوته، وأن تُستثمر خبرته، وأن يجد مكانًا حقيقيًا في وطنه.وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع:كم مبدعًا عراقيًا سنكرّم هذا العام؟والسؤال الأهم:كم مبدعًا عراقيًا سنمنحه فرصة حقيقية ليصنع شيئًا يستحق أن نكرّمه عليه غدًا؟هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
أيسر عبد الوهاب البياتيصحفية - فنانة تشكيلية – شاعرة – – مصممة – مدربة.
|