|
كتب رياض الفرطوسي
ليست المشكلة في كثرة الكتب أو ندرة النصوص، بل في أن القارئ أحياناً لا يقرأ إلا ليؤكد ما يعرفه مسبقاً، لا ليكتشف ما لا يعرف. العقل الذي تربى على أن الحياة معركة، وأن السياسة المعيار الأوحد لكل شيء، يجد في كل نص جملة جاهزة يمكن رفعها كشعار، وكل فكرة وسيلة لتأكيد الانتماء، لا فرصة للفهم أو للتأمل. وهكذا تتحول اللغة، بدلاً من أن تكون وسيلة لاستكشاف العالم، إلى أداة للترهيب والإقناع، تتحكم في المواقف قبل أن تفتح أبواب الفكر.
التلقين السياسي والاجتماعي يبدأ منذ الطفولة، حين تُغرس في العقل قواعد وأولويات تتكرر عبر المدارس والشوارع والأساطير اليومية. ما يُدرس، ما يُغنى، ما يُحتفل به، كل شيء يتحول إلى اختبار مبكر للولاء والانتماء، فيصبح السلوك الطبيعي مقياساً للمكانة، ويُقاس الإنسان بما يملكه من استعداد لقبول الأوامر دون نقاش، لا بما يملك من قدرة على التفكير النقدي.
الأمر يتعدى التربية الفردية إلى النظم التي تكرس هذه الطريقة في التفكير. المجتمعات التي تشبّع أبنائها بالتصنيفات الصارمة بين صديق وعدو، بين ما هو مشروع وما هو محظور، بين الحقائق المعلنة والحقائق المغمورة، تنتج أجيالاً ترى العالم ببساطة مفرطة، فلا مكان للغموض أو الاحتمال، ولا للفهم العميق للواقع المعقد. كل ظاهرة تُختزل إلى قاعدة واحدة، وكل موقف يُفسر وفق منظور سياسي، بغض النظر عن العلوم الأخرى أو المعارف المتنوعة.
هذا الأسلوب في القراءة والفهم لا يقتل النصوص وحدها، بل يقتل القارئ نفسه، ويحول الكاتب أيضاً إلى موظف لغة، يحاول تسهيل المعاني بدل أن يفتح أبوابها، ويختصر العمق ليصبح مفهوماً فورياً. وبهذا الشكل، يتحول الحوار الثقافي إلى ساحة تثبيت للآراء، لا إلى عملية بناء مستمرة للمعرفة.
الواقع السياسي والاجتماعي يعيد إنتاج هذا النمط بلا هوادة. الأعراف القديمة، التقاليد العشائرية، الطقوس اليومية، والاحتفالات الجماعية، جميعها تصنع عقلية موحدة تتقبل التسلسل المسبق للأحداث قبل أن تفهمها. كل مواجهة، كل نزاع، كل ذكرى، يتم تفسيرها ضمن منظور السيطرة والانتصار، ما يجعل الفرد يرى العالم دائماً في صورة صراع مستمر، بدلاً من فرصة للاختيار والتفكير المستقل.
في هذا السياق، تصبح السلطة السياسية مجرد انعكاس للعادات الاجتماعية، والنظام السياسي صورة مكبرة لما رسخته البيئة منذ قرون. الحاكم ليس استثناء، بل نتيجة طبيعية لما تشكّله التقاليد والتلقين، والمجتمع الذي يقدس الطاعة الأعمى يولد سلطة تمارس نفس القسوة على العقول. التغيير السياسي وحده لا يكفي؛ بدون إعادة تشكيل طرق التفكير، تبقى العقول أسيرة للقوالب القديمة، والوعي مجرد حلم بعيد المنال.
الوعي الحقيقي يبدأ عندما يتحرر القارئ من التصنيفات الجاهزة، عندما يصبح النص مساحة للتفكير، لا منصة للحكم. عندما يسمح الإنسان للأفكار أن تغيره قليلاً، لا أن تكرر ما يعرفه فقط، حينها تتشكل الثقافة الحية، وتبدأ المعرفة بالتراكم عبر الحوار، عبر الشك، عبر القدرة على السؤال والمواجهة.
بين الوعي والتلقين، يبقى الصراع دائماً: جانب يسعى للفهم والتأمل، وآخر يسعى للانقياد والتكرار. المجتمعات التي تستمر في زرع الولاء الأعمى من المهد إلى النظام السياسي، تنتج عقولاً مكرّسة لتكرار الماضي، لا لاستكشاف المستقبل. وعندما ينطفئ فضول القارئ، لا تختفي الكتب فحسب، بل تختفي القدرة على التفكير، ويصبح العالم ملعباً بلا قواعد سوى ما فرضه التلقين، حيث تختلط الحقيقة بالقوة، والفهم بالانتماء، والمعرفة بالامتثال.
كتب رياض الفرطوسي ليست المشكلة في كثرة الكتب أو ندرة النصوص، بل في أن القارئ أحياناً لا يقرأ إلا ليؤكد ما يعرفه مسبقاً، لا ليكتشف ما لا يعرف. العقل الذي تربى على أن الحياة معركة، وأن السياسة المعيار الأوحد لكل شيء، يجد في كل نص جملة جاهزة يمكن رفعها كشعار، وكل فكرة وسيلة لتأكيد الانتماء، لا فرصة للفهم أو للتأمل. وهكذا تتحول اللغة، بدلاً من أن تكون وسيلة لاستكشاف العالم، إلى أداة للترهيب والإقناع، تتحكم في المواقف قبل أن تفتح أبواب الفكر.
التلقين السياسي والاجتماعي يبدأ منذ الطفولة، حين تُغرس في العقل قواعد وأولويات تتكرر عبر المدارس والشوارع والأساطير اليومية. ما يُدرس، ما يُغنى، ما يُحتفل به، كل شيء يتحول إلى اختبار مبكر للولاء والانتماء، فيصبح السلوك الطبيعي مقياساً للمكانة، ويُقاس الإنسان بما يملكه من استعداد لقبول الأوامر دون نقاش، لا بما يملك من قدرة على التفكير النقدي.
الأمر يتعدى التربية الفردية إلى النظم التي تكرس هذه الطريقة في التفكير. المجتمعات التي تشبّع أبنائها بالتصنيفات الصارمة بين صديق وعدو، بين ما هو مشروع وما هو محظور، بين الحقائق المعلنة والحقائق المغمورة، تنتج أجيالاً ترى العالم ببساطة مفرطة، فلا مكان للغموض أو الاحتمال، ولا للفهم العميق للواقع المعقد. كل ظاهرة تُختزل إلى قاعدة واحدة، وكل موقف يُفسر وفق منظور سياسي، بغض النظر عن العلوم الأخرى أو المعارف المتنوعة.
هذا الأسلوب في القراءة والفهم لا يقتل النصوص وحدها، بل يقتل القارئ نفسه، ويحول الكاتب أيضاً إلى موظف لغة، يحاول تسهيل المعاني بدل أن يفتح أبوابها، ويختصر العمق ليصبح مفهوماً فورياً. وبهذا الشكل، يتحول الحوار الثقافي إلى ساحة تثبيت للآراء، لا إلى عملية بناء مستمرة للمعرفة.
الواقع السياسي والاجتماعي يعيد إنتاج هذا النمط بلا هوادة. الأعراف القديمة، التقاليد العشائرية، الطقوس اليومية، والاحتفالات الجماعية، جميعها تصنع عقلية موحدة تتقبل التسلسل المسبق للأحداث قبل أن تفهمها. كل مواجهة، كل نزاع، كل ذكرى، يتم تفسيرها ضمن منظور السيطرة والانتصار، ما يجعل الفرد يرى العالم دائماً في صورة صراع مستمر، بدلاً من فرصة للاختيار والتفكير المستقل.
في هذا السياق، تصبح السلطة السياسية مجرد انعكاس للعادات الاجتماعية، والنظام السياسي صورة مكبرة لما رسخته البيئة منذ قرون. الحاكم ليس استثناء، بل نتيجة طبيعية لما تشكّله التقاليد والتلقين، والمجتمع الذي يقدس الطاعة الأعمى يولد سلطة تمارس نفس القسوة على العقول. التغيير السياسي وحده لا يكفي؛ بدون إعادة تشكيل طرق التفكير، تبقى العقول أسيرة للقوالب القديمة، والوعي مجرد حلم بعيد المنال.
الوعي الحقيقي يبدأ عندما يتحرر القارئ من التصنيفات الجاهزة، عندما يصبح النص مساحة للتفكير، لا منصة للحكم. عندما يسمح الإنسان للأفكار أن تغيره قليلاً، لا أن تكرر ما يعرفه فقط، حينها تتشكل الثقافة الحية، وتبدأ المعرفة بالتراكم عبر الحوار، عبر الشك، عبر القدرة على السؤال والمواجهة.
بين الوعي والتلقين، يبقى الصراع دائماً: جانب يسعى للفهم والتأمل، وآخر يسعى للانقياد والتكرار. المجتمعات التي تستمر في زرع الولاء الأعمى من المهد إلى النظام السياسي، تنتج عقولاً مكرّسة لتكرار الماضي، لا لاستكشاف المستقبل. وعندما ينطفئ فضول القارئ، لا تختفي الكتب فحسب، بل تختفي القدرة على التفكير، ويصبح العالم ملعباً بلا قواعد سوى ما فرضه التلقين، حيث تختلط الحقيقة بالقوة، والفهم بالانتماء، والمعرفة بالامتثال.
|