
بقلم الباحث القانوني: رعد محمدحسن ناجي البدري
في ضوء،الهجوم الايراني ليلة امس ضد اسرائيل
وردة فعل الاسرائليين بضربات جوية في غرب ووسط ايران بما فيها مطار مهرآباد في قلب
العاصمة طهران , تشهد المنطقة مخاضاً سياسياً وعسكرياً عاصفاً
يُعيد إلى الأذهان سيناريوهات الحروب الشاملة.
مع تصاعد نبرة التصعيدات العسكرية والتهديدات الإقليمية
والدولية، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً في الشارع العراقي: هل دقّت طبول الحربمجددآ
بالفعلً؟ وما هو موقف العراق وكيف سيكون حاله
إذا ما انفجر الصراع الكبير على نطاق واسع؟
يعيش العراق اليوم وضعاً استثنائياً كونه يقع
في قلب العاصفة، حيث تتداخل أزماته الداخلية مع التهديدات الخارجية في مشهد معقد يضع
الدولة ومؤسساتها أمام اختبار وجودي حقيقئ وتحديات عديدة .
أولاً:
الجبهة الداخلية.. عُقدة الكابينة الوزارية والترهل السياسي
لا يمكن لأي دولة أن تواجه عواصف خارجية إذا لم
تكن جبهتها الداخلية متماسكة. وهنا تكمن الثغرة الأولى، إذ ما يزال العراق يعاني من
وطأة الخلافات السياسية التي تعرقل إكمال تشكيل الكابينة الوزارية بالشكل الكامل والأمثل،
أو تتسبب في إضعاف القرار السياسي الموحد نتيجة التدخلات الامريكية .
غياب الانسجام السياسي الكامل والبطء في حسم الملفات
السيادية يفرضان حالة من الشلل الجزئي في اتخاذ القرارات المصيرية. في وقت يحتاج فيه
البلد إلى "حكومة طوارئ" منسجمة وقادرة على إدارة الأزمات بسرعة ومرونة،
تحوّلت المحاصصة والتجاذبات السياسية إلى عبء يهدد قدرة الدولة على الصمود أمام أي
ارتدادات أمنية أو اقتصادية مفاجئة.
ثانياً:
معضلة مضيق هرمز.. اختناق شريان الحياة الاقتصادي
التهديد الأكبر والشرارة التي قد تفجر الأوضاع
هي احتمالية إغلاق أو تعطل الملاحة فيه، والذي يشكل اليوم "ساحة حرب" ملغومة
بمفاجئات مؤجلة أو مواجهة بالوكالة.
بالنسبة للعراق، هذا السيناريو لا يعني مجرد أزمة
دبلوماسية فحسب ، بل يعني موت اقتصادياً مؤقتاً؛ فالبلد يعتمد بنسبة تتجاوز 90% في
تمويل موازنته على مبيعات النفط، والبلد يصدر ذات النسبة من نفطه التي تمثل الجزء الأكبر
من نفطه عبر الموانئ الجنوبية المطلة على الخليج العربي والتي تمر حتماً عبر مضيق هرمز.
على الرغم
من المحاولات الخجولة لتنويع خطوط التصدير (مثل خط جيهان التركي أو البدائل الاخرى )، إلا أن هذه الخطوط لا تمتلك القدرة
الاستيعابية لتعويض النفط المصدر من البصرة .
إغلاق مضيق هرمز يعني ببساطة حبس النفط العراقي
في مكامنه، وتوقف تدفق "الدولارات" إلى الخزينة وبالتالي تعطل الحياة الاقتصادية
للبلاد.
ثالثاً:
شبح العجز عن تأمين الرواتب.. القنبلة الموقوتة
إذا توقف تصدير النفط أو تراجعت أسعاره بشكل حاد
نتيجة اندلاع الحرب، سيصطدم العراق مباشرة بالقنبلة الموقوتة الأكثر خطورة وهي العجز
عن تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكة الحماية الاجتماعية.
في العراق، تمثل الرواتب الحكومية "عصب الحياة"
والداينمو المحرك للسوق المحلية بشكل كامل حيث يعتمد ملايين العراقيون بشكل مباشر أو
غير مباشر على هذه الأموال.
سنواجه أزمة مجتمعية بأي أي تأخير أو عجز عن دفع الرواتب وسوف لن يمر كأزمة
اقتصادية عابرة، انما سيتحول فوراً إلى اضطرابات اجتماعية، واحتجاجات شعبية قد تطيح
بالاستقرار النسبي الذي تشهده البلاد.
غياب
البدائل: لا يمتلك العراق صندوقاً سيادياً ضخماً أو اقتصاداً متعدد الموارد (صناعي
أو زراعي) يمكن الاعتماد عليه لإدارة الأزمة
لأكثر من بضعة أشهر، مما يجعله مكشوفاً تماماً أمام أي هزة مالية.
ركن الموقف الرسمي: أين يقف العراق؟
يجد صناع القرار العراقي انفسهم في موقف "المشي على حبل مشدود". موقف العراق
الرسمي يتمحور حول "النأي بالنفس" ومحاولة لعب دور الوسيط التهدئي لمنع انفجار
المنطقة، لعلمه أن النيران إذا اشتعلت ستلتهم الجميع.
ومع ذلك، فإن هذا الموقف يواجه تحدي "الفصائل
المسلحة" والضغوط الإقليمية والدولية التي تحاول زج العراق في الصراع كساحة لتصفية
الحسابات. النجاح في الحفاظ على حياد العراق وحماية سيادته يتطلب حزماً داخلياً وقوة
في فرض سلطة القانون، وهو أمر يبدو معقداً في ظل الواقع الحالي.
الخاتمة: خيارات الصمود
طبول الحرب تدق بالفعل، وصداها يتردد في أروقة
السياسة والاقتصاد العراقية. إن مواجهة هذه التحديات لا تتم بالبيانات الإنشائية، بل
بإجراءات طارئة تتضمن:-
1- تسوية
سياسية شاملة تنهي ملف الكابينة الوزارية وتوحد الجبهة الداخلية.
2- خطة طوارئ
مالية تقشفية لتأمين الغذاء والدواء والرواتب بالاعتماد على الاحتياطي النقدي لدى البنك
المركزي او الاقتراض الداخلي.
3- تحرك دبلوماسي
مكثف لتحييد المنشآت النفطية وممرات التصدير عن أي صراع مسلح.
العراق
اليوم ليس أمام رفاهية الوقت، فإما أن تنجح قواه السياسية في تحصين البيت الداخلي،
أو يجد البلد نفسه عاصفاً في مهب ريح حرب إقليمية لا تُبقي ولا تذر.