
(قراءة تاريخية موضوعية في مسيرة دولة الحق من الاستشهاد إلى الظهور)
تقديم
يُشكّل استشهاد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) محطة فارقة في تاريخ الأمة الإسلامية. فهو ليس مجرد حادثة اغتيال عادية، بل هو تتويج لمسيرة حياة مفعمة بالجهاد والتضحية في سبيل إقامة دولة الحق والعدل. إنه حدث يجسّد الصراع الأزلي بين منطق السماء القائم على الإيمان والتضحية، ومنطق الأرض القائم على المال والسلطة والمكر. هذه القراءة التاريخية تسعى إلى تقديم شرح موضوعي متسلسل للأحداث، بعيداً عن العاطفة الجارفة، وقريباً من النصوص والمصادر المعتمدة، لفهم كيف انتقلت ولاية الحق من دولة ظاهرية إلى إمامة نورانية ممتدة حتى ظهور الحجة بن الحسن (عجل الله ~w×فرجه).
أولاً: تفاصيل المؤامرة وتوقيتها - بين علم الإمام (عليه السلام) وإرادة الله تعالى
لم يكن الإمام علي (عليه السلام) غافلاً عن المخطط الذي يحاك ضده، بل كان يعلم بمصيره من خلال إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) له. تشير المصادر التاريخية إلى أن المؤامرة حُبكت في مكة بين ثلاثة من الخوارج هم: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التميمي. تعاهدوا على قتل علي (عليه السلام)، ومعاوية، وعمرو بن العاص في ليلة واحدة، وتكفل ابن ملجم بقتل الإمام.
أما الدافع المباشر لابن ملجم، فلم يكن سياسياً خالصاً، بل كان مزيجاً من الحمية العمياء والثأر الشخصي. بعد عودته إلى الكوفة، التقى بامرأة تُدعى قطام بنت الأخضر، وكان أخوها وأبوها قد قتلا في معركة النهروان مع الخوارج. اشترطت قطام الزواج منه مقابل مهر هو ثلاثة آلاف درهم وقتل الإمام علي (عليه السلام)، مما سهّل تنفيذ المخطط. وهنا تتجلى حقيقة "التخاذل" الذي أصاب بعض المحيطين بالإمام؛ فامرأة ثأرها أعمى قلبها كانت أحد أسباب تسهيل المهمة. كما تشير بعض الروايات إلى دور شخصيات كانت في ظاهرها مع الإمام، مثل الأشعث بن قيس، في التغطية على ابن ملجم ليلة التنفيذ.
وقع التنفيذ في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان سنة 40 للهجرة، داخل محراب مسجد الكوفة. كان الإمام (عليه السلام) يوقظ الناس للصلاة، وعندما سجد في صلاة الفجر، ضربه ابن ملجم على رأسه بالسيف المسموم. وهنا تحقق الوعد النبوي الذي أخبر به أصحابه: "أين أكون إذا خضبت هذه من هذه؟" مشيراً إلى لحية الإمام من دم رأسه. إن قول الإمام عند الضربة: "فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ" لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل كان إعلاناً عن حقيقة إيمانية راسخة: أن الموت في سبيل الله وفي محراب العبادة هو الفوز الحقيقي، وأن الشهادة هي تتويج لمسيرة حياة قضاها في نصرة الدين.
ثانياً: لماذا تخاذل بعض أنصار علي (عليه السلام)؟ (تحليل خطبة الشقشقية)
ما ذكر عن "الأمة في إغراء ودفع الأموال" يجد تفسيره في سياق التحليل التاريخي لخطبة الإمام المعروفة بـ "الشقشقية" في نهج البلاغة. فالإمام هنا لا يتحدث فقط عن حقه المغتصب في الخلافة، بل يرسم صورة دقيقة لطبيعة الصراع الذي كان قائماً:
· صراع على السلطة لا على المبدأ: عندما يتحدث الإمام عن فترة خلفاء ما قبل خلافته، يستخدم استعارات قوية تشير إلى أن الأمر تحول من خلافة تقوم على الشورى والمبدأ إلى صراع على السلطة وكأنه جمل يتراكضون عليه.
· تخاذل أهل الكوفة: كانت الكوفة عاصمة دولته، لكنها كانت مدينة تعج بالتناقضات. أهلها كانوا بين مخلص متمسك بالولاية كمالك الأشتر، ومنافق أو ضعيف كالأشعث بن قيس. هؤلاء الضعفاء والمترددون هم من سهلوا الطريق لمعاوية؛ لأنهم مالوا إلى الدنيا وزينتها، مما يصدق عليه قول الإمام: "الناس عبيد الدنيا". وقد ورد عن الإمام (عليه السلام) توبيخه لهم بقوله: "يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال..."، مما يدل على حجم الإحباط من تخاذلهم.
ثالثاً: معاوية والدولة الأموية - تجسيد لمعسكر الباطل
التحليل حول طبيعة الصراع مع معاوية يتوافق مع ما تثبته المصادر التاريخية:
· الورقة اليهودية والإسرائيليات: لم يكن اليهود بعيدين عن بلاط معاوية. وجود شخصيات مثل كعب الأحبار في بلاط الخلفاء الأمويين لاحقاً أثرى المشهد بما يسمى "الإسرائيليات". الحديث عن مرحب اليهودي هو إشارة إلى أن العداء لبني هاشم يمتد جذوره إلى يهود خيبر الذين قاتلهم الإمام علي (عليه السلام) بنفسه.
· الإعلام الأموي وسب علي 80 سنة: السبب الذي جعل بني أمية يصرون على سب الإمام علي (عليه السلام) على المنابر طيلة حكمهم (من معاوية حتى عمر بن عبد العزيز) هو الإدراك العميق منهم بأنهم لا يستطيعون مواجهة الإمام بمنطق الدين أو الحرب المباشرة. فكان لا بد من تشويه صورته في وجدان الناس لتبرير حكمهم ولإطفاء نور حبه في القلوب. هذا هو الإعلام الفاسد الذي كان ينشر الفساد لتغطية انهيار دولتهم الأخلاقي والسياسي.
رابعاً: قضية القرآن بين التحريف والولاية (توضيح عقائدي)
تتطلب الإشارة إلى "مصحف فاطمة" تفريقاً دقيقاً بين المعتقد الرسمي للمذهب الشيعي وبين أقوال بعض الغلاة:
· عقيدة الشيعة الإمامية: جمهور علماء الشيعة (من القدماء كالشيخ الصدوق والمفيد والطوسي، وحتى المعاصرين) يعتقدون أن القرآن الموجود بين أيدينا هو نفس القرآن المنزل على محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو محفوظ من الزيادة والنقصان.
· مصحف فاطمة (عليها السلام): أما بالنسبة لـ "مصحف فاطمة"، فهو بحسب الروايات المعتمدة ليس قرآناً مختلفاً، بل هو كتاب أملته فاطمة الزهراء (عليها السلام) وكتبه الإمام علي (عليه السلام) بيده، يحتوي على أخبار وأحداث ستقع في المستقبل، وليس فيه آية واحدة من القرآن الكريم. فهو من أسرار أهل البيت (عليهم السلام) ومواريثهم.
خامساً: الامتداد - من استشهاد الإمام علي (عليه السلام) إلى ظهور الحجة (عجل الله فرجه)
صلب الموضوع هو "الاستمرارية". كيف تستمر دولة الحق بعد استشهاد قائدها؟
· حديث الثقلين: عندما قال النبي (صلى الله عليه وآله): "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض"، فإنه ضمن استمرار الهداية وعدم انقطاعها. دولة الحق ليست دولة مادية بحدود جغرافية كالكوفة أو دمشق، بل هي إمامة وولاية. هي وجود إمام معصوم يهدي الناس إلى الحق.
· الموت في سبيل الله عادة واللقاء به شوق: البيت الشعري المنسوب لأهل البيت (عليهم السلام) "إن الموت لنا عادة..." يجسد منطقهم. استشهاد الإمام علي (عليه السلام) هو تتويج لمسيرته، وليس فشلاً. انتقلت الولاية بعده إلى الإمام الحسن (عليه السلام).
· الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه): دولة علي (عليه السلام) بقيت وحياً وفكراً ومبدأً متوارثاً عبر الأئمة (عليهم السلام) حتى الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن المهدي (عجل الله فرجه). وجوده (حتى في الغيبة) هو حجة الله على الخلق، وهو الذي سيعيد دولة الحق في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً.
سادساً: الإمام علي (عليه السلام) والسياسة والدولة المهدوية - التأسيس لامتداد الولاية
كانت سياسة الإمام علي (عليه السلام) ودولته قائمة على الحق المحض، وتطبيق الإسلام الصحيح كما أُنزل، وكانت تلك الدولة تمهيداً إلهياً لدور الأئمة (عليهم السلام) من بعده. إن المتتبع لمسيرة أهل البيت (عليهم السلام) يجد أن الظرف العصيب الذي عاشه الإمام (عليه السلام) وتكلل باستشهاده، لم يكن حدثاً منعزلاً، بل كان جزءاً من سلسلة متصلة من التحديات التي واجهها الأئمة (عليهم السلام) واحداً تلو الآخر.
فالإمام علي (عليه السلام) عاش في أصعب الفترات وأكثرها احتراقاً بالأحداث، حيث واجه ثلاثة تيارات رئيسية تمردت على دولته الفتية: الناكثين (أصحاب الجمل)، والقاسطين (معاوية وأهل الشام في صفين)، والمارقين (الخوارج في النهروان). هذا المثلث الخطير كان بمثابة حرب كونية شنت على دولة الإمام بهدف إضعافها من جميع الجهات. لقد كان الإرهاب الأموي يفتح الأبواب على مصراعيها لإضعاف دولة الإمام (عليه السلام) عبر استنزاف طاقاته في حروب داخلية متعددة الجبهات، مما أتاح للانحراف أن يتمدد.
سابعاً: من استشهاد الإمام علي (عليه السلام) إلى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) - مرحلة التغيير والإصلاح
بعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام)، تسلم الراية أخوه الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام). وقد اتخذ سياسة حكيمة تقوم على عدم فسح المجال أمام الأمويين لزرع الفتنة وإنهاء الدين الإسلامي، فقبل بالصلح حقناً لدماء المسلمين. لقد كان هذا الصلح نوعاً من الثبات العظيم، وسياسة الصمت وعدم تحريك ساكن، ليست هزيمة، بل هي جزء من الإرادة الإلهية التي اختارت للإمام الحسن (عليه السلام) هذا الدور ليحافظ على كيان التشيع بعد أن تخاذل الكثيرون. ولم يكن هذا الصلح إلا جذراً من جذور الحرب النفسية التي مهدت لقيام الثورة الكبرى لاحقاً.
ثم جاءت واقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) لتكون محطة فارقة في مسيرة الإصلاح. لقد كان واقع الأمة آنذاك يتمثل في العيش تحت الضيم والظلم، وتقويض الهوية الإسلامية، واستبدالها بهويات قبلية كانت تتصارع من أجل الوصول إلى السلطة. هنا كانت ثقافة الثورة عند الإمام الحسين (عليه السلام) ثقافة إصلاحية بامتياز، هدفها تثبيت الدين وإعادة الهوية الإسلامية إلى مسارها الصحيح. لقد كان خروجه (عليه السلام) لطلب الإصلاح في الأمة، فسيرته في النهضة والإصلاح منهج يُقتدى، وخطابه ومواقفه تشكل معالم هادية لكل حرّ غيور على مصلحة أمته ومجتمعه. إن واقعاً مريراً ممنهجاً بالعداوة والبغضاء من قبل معاوية واتباعه هو الذي استدعى هذه التضحية العظيمة، لتكون المنطلق الحقيقي لبناء الأمة وإصلاحها.
ثامناً: بعد الثورة الحسينية - مطالبة بالدم وتمهيد للظهور
إن إعادة بناء دولة الإمام علي (عليه السلام) من الانهيار الذي لحق بها بسبب تخاذل الكوفيين وانخداعهم بالإعلام الأموي وشراء الذمم، كان رهناً بالبقاء على الولاية واستمرار مسيرة الأئمة (عليهم السلام). وهنا تبرز أهمية الثورات والحركات التصحيحية التي قامت بعد ذلك، وفي مقدمتها ثورة المختار الثقفي التي كانت امتداداً طبيعياً لنهج أهل البيت (عليهم السلام).
لقد قامت ثورة المختار (رضوان الله عليه) وشعارها القصاص والثأر لدماء الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه الذين استشهدوا في كربلاء. والمهم في هذه الثورة أنها حظيت بتفويض وشرعية من الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام). فقد ورد أن الإمام السجاد (عليه السلام) قال: "يا عم (لمحمد بن الحنفية) لو أن عبداً زنجياً تعصب لنا أهل البيت لوجب على الناس موازرته"، بل إن الإمام (عليه السلام) أذن صراحة للمختار بالخروج للقصاص من قتلة الحسين (عليه السلام). وقد تحقق دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) على قتلة جده، حيث أذاقهم الله حر الحديد وحر النار على يد المختار وإبراهيم بن مالك الأشتر، فقتلوا عبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وكل من تورط في تلك الجريمة النكراء.
تاسعاً: الامتداد المهدوي - استمرارية دولة الحق
إن هذه التحولات والتقلبات التي مر بها المجتمع الكوفي، من تخاذل في زمن الإمام علي (عليه السلام) إلى خذلان للإمام الحسين (عليه السلام) ثم استجابة لثورة المختار، كانت اختبارات متتالية للأمة. لكنها في النهاية تؤكد حقيقة واحدة: أن دولة الحق التي أسسها الإمام علي (عليه السلام) لم تنته باستشهاده، ولم تتوقف بصلح الإمام الحسن (عليه السلام)، ولم تمت بدماء الإمام الحسين (عليه السلام)، بل بقيت حية متوارثة عبر الأئمة (عليهم السلام) واحداً تلو الآخر.
فوجود الإمام المعصوم في كل عصر هو الضمان لبقاء هذه الدولة، حتى وإن كانت غائبة عن الأنظار ظاهرياً. ودولة الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) هي الإكمال الطبيعي لهذا المسار الإلهي، وهو الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً. إنها الامتداد الطبيعي لدولة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، القائمة على الحق، الثابتة على الولاية، الرافضة للظلم والطاغوت.
ما مر به الإمام علي (عليه السلام) هو سنة إلهية في ابتلاء الأنبياء والأوصياء. الاختلاف الجوهري بين معسكر الحق ومعسكر الباطل أن معسكر الباطل استخدم المال والإعلام والفساد ليشتري الذمم. تخاذل بعض أهل الكوفة لم ينهِ دولة الحق، بل حوّلها من خلافة ظاهرية إلى إمامة نورانية باطنية تمتد حتى اليوم. المؤامرة قتلت جسد الإمام، لكنها لم تقتل مبادئه وحقيقته، بل جعلت منه نموذجاً خالداً يقتدى به، وأثبتت أن منطق السماء ينتصر دائماً على منطق الأرض مهما طال الزمن.
لقد كانت سياسة الإمام علي (عليه السلام) ودولته تمهيداً إلهياً لمسيرة الأئمة (عليهم السلام) الطويلة. استشهاده لم يكن نهاية، بل كان بداية لمرحلة جديدة من الثبات على الدين. تخاذل الكوفيين وانخداعهم بالإعلام الأموي وشراء الذمم، كشف عن عمق المؤامرة وحجم التحدي. لكن إرادة الله اقتضت أن تبقى راية الولاية خفاقة، عبر تضحيات الأئمة المتتالية: من صلح الإمام الحسن (عليه السلام) الذي حقن الدماء، إلى ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) التي أحيت الدين، إلى ثورة المختار التي طالبت بالثأر، وصولاً إلى دولة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) التي ستعيد الحق إلى نصابه وتحقق وعد الله لعباده الصالحين.
وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن دولة الإمام علي (عليه السلام) كانت دولة الحق وتطبيق الإسلام الصحيح، بينما كان معاوية ومن لف لفه يمثلون الإسلام المنغلف بالباطل والدعايات المضللة.
السلام عليك يا أمين الله على وحيه ونبيه، يا باب مدينة رسول الله، يا أبا الحسنين، يا أمير المؤمنين، ويوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حياً. والسلام على الأئمة المعصومين من ذريتك، والحجة القائم منهم، إلى يوم الدين.
الكاتب والباحث: حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني
دراسات في تاريخ الأئمة المعصومين (عليهم السلام)
(قراءة تاريخية موضوعية في مسيرة دولة الحق من الاستشهاد إلى الظهور)
تقديم
يُشكّل استشهاد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) محطة فارقة في تاريخ الأمة الإسلامية. فهو ليس مجرد حادثة اغتيال عادية، بل هو تتويج لمسيرة حياة مفعمة بالجهاد والتضحية في سبيل إقامة دولة الحق والعدل. إنه حدث يجسّد الصراع الأزلي بين منطق السماء القائم على الإيمان والتضحية، ومنطق الأرض القائم على المال والسلطة والمكر. هذه القراءة التاريخية تسعى إلى تقديم شرح موضوعي متسلسل للأحداث، بعيداً عن العاطفة الجارفة، وقريباً من النصوص والمصادر المعتمدة، لفهم كيف انتقلت ولاية الحق من دولة ظاهرية إلى إمامة نورانية ممتدة حتى ظهور الحجة بن الحسن (عجل الله ~w×فرجه).
أولاً: تفاصيل المؤامرة وتوقيتها - بين علم الإمام (عليه السلام) وإرادة الله تعالى
لم يكن الإمام علي (عليه السلام) غافلاً عن المخطط الذي يحاك ضده، بل كان يعلم بمصيره من خلال إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) له. تشير المصادر التاريخية إلى أن المؤامرة حُبكت في مكة بين ثلاثة من الخوارج هم: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التميمي. تعاهدوا على قتل علي (عليه السلام)، ومعاوية، وعمرو بن العاص في ليلة واحدة، وتكفل ابن ملجم بقتل الإمام.
أما الدافع المباشر لابن ملجم، فلم يكن سياسياً خالصاً، بل كان مزيجاً من الحمية العمياء والثأر الشخصي. بعد عودته إلى الكوفة، التقى بامرأة تُدعى قطام بنت الأخضر، وكان أخوها وأبوها قد قتلا في معركة النهروان مع الخوارج. اشترطت قطام الزواج منه مقابل مهر هو ثلاثة آلاف درهم وقتل الإمام علي (عليه السلام)، مما سهّل تنفيذ المخطط. وهنا تتجلى حقيقة "التخاذل" الذي أصاب بعض المحيطين بالإمام؛ فامرأة ثأرها أعمى قلبها كانت أحد أسباب تسهيل المهمة. كما تشير بعض الروايات إلى دور شخصيات كانت في ظاهرها مع الإمام، مثل الأشعث بن قيس، في التغطية على ابن ملجم ليلة التنفيذ.
وقع التنفيذ في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان سنة 40 للهجرة، داخل محراب مسجد الكوفة. كان الإمام (عليه السلام) يوقظ الناس للصلاة، وعندما سجد في صلاة الفجر، ضربه ابن ملجم على رأسه بالسيف المسموم. وهنا تحقق الوعد النبوي الذي أخبر به أصحابه: "أين أكون إذا خضبت هذه من هذه؟" مشيراً إلى لحية الإمام من دم رأسه. إن قول الإمام عند الضربة: "فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ" لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل كان إعلاناً عن حقيقة إيمانية راسخة: أن الموت في سبيل الله وفي محراب العبادة هو الفوز الحقيقي، وأن الشهادة هي تتويج لمسيرة حياة قضاها في نصرة الدين.
ثانياً: لماذا تخاذل بعض أنصار علي (عليه السلام)؟ (تحليل خطبة الشقشقية)
ما ذكر عن "الأمة في إغراء ودفع الأموال" يجد تفسيره في سياق التحليل التاريخي لخطبة الإمام المعروفة بـ "الشقشقية" في نهج البلاغة. فالإمام هنا لا يتحدث فقط عن حقه المغتصب في الخلافة، بل يرسم صورة دقيقة لطبيعة الصراع الذي كان قائماً:
· صراع على السلطة لا على المبدأ: عندما يتحدث الإمام عن فترة خلفاء ما قبل خلافته، يستخدم استعارات قوية تشير إلى أن الأمر تحول من خلافة تقوم على الشورى والمبدأ إلى صراع على السلطة وكأنه جمل يتراكضون عليه.· تخاذل أهل الكوفة: كانت الكوفة عاصمة دولته، لكنها كانت مدينة تعج بالتناقضات. أهلها كانوا بين مخلص متمسك بالولاية كمالك الأشتر، ومنافق أو ضعيف كالأشعث بن قيس. هؤلاء الضعفاء والمترددون هم من سهلوا الطريق لمعاوية؛ لأنهم مالوا إلى الدنيا وزينتها، مما يصدق عليه قول الإمام: "الناس عبيد الدنيا". وقد ورد عن الإمام (عليه السلام) توبيخه لهم بقوله: "يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال..."، مما يدل على حجم الإحباط من تخاذلهم.
ثالثاً: معاوية والدولة الأموية - تجسيد لمعسكر الباطل
التحليل حول طبيعة الصراع مع معاوية يتوافق مع ما تثبته المصادر التاريخية:
· الورقة اليهودية والإسرائيليات: لم يكن اليهود بعيدين عن بلاط معاوية. وجود شخصيات مثل كعب الأحبار في بلاط الخلفاء الأمويين لاحقاً أثرى المشهد بما يسمى "الإسرائيليات". الحديث عن مرحب اليهودي هو إشارة إلى أن العداء لبني هاشم يمتد جذوره إلى يهود خيبر الذين قاتلهم الإمام علي (عليه السلام) بنفسه.· الإعلام الأموي وسب علي 80 سنة: السبب الذي جعل بني أمية يصرون على سب الإمام علي (عليه السلام) على المنابر طيلة حكمهم (من معاوية حتى عمر بن عبد العزيز) هو الإدراك العميق منهم بأنهم لا يستطيعون مواجهة الإمام بمنطق الدين أو الحرب المباشرة. فكان لا بد من تشويه صورته في وجدان الناس لتبرير حكمهم ولإطفاء نور حبه في القلوب. هذا هو الإعلام الفاسد الذي كان ينشر الفساد لتغطية انهيار دولتهم الأخلاقي والسياسي.
رابعاً: قضية القرآن بين التحريف والولاية (توضيح عقائدي)
تتطلب الإشارة إلى "مصحف فاطمة" تفريقاً دقيقاً بين المعتقد الرسمي للمذهب الشيعي وبين أقوال بعض الغلاة:
· عقيدة الشيعة الإمامية: جمهور علماء الشيعة (من القدماء كالشيخ الصدوق والمفيد والطوسي، وحتى المعاصرين) يعتقدون أن القرآن الموجود بين أيدينا هو نفس القرآن المنزل على محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو محفوظ من الزيادة والنقصان.· مصحف فاطمة (عليها السلام): أما بالنسبة لـ "مصحف فاطمة"، فهو بحسب الروايات المعتمدة ليس قرآناً مختلفاً، بل هو كتاب أملته فاطمة الزهراء (عليها السلام) وكتبه الإمام علي (عليه السلام) بيده، يحتوي على أخبار وأحداث ستقع في المستقبل، وليس فيه آية واحدة من القرآن الكريم. فهو من أسرار أهل البيت (عليهم السلام) ومواريثهم.
خامساً: الامتداد - من استشهاد الإمام علي (عليه السلام) إلى ظهور الحجة (عجل الله فرجه)
صلب الموضوع هو "الاستمرارية". كيف تستمر دولة الحق بعد استشهاد قائدها؟
· حديث الثقلين: عندما قال النبي (صلى الله عليه وآله): "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض"، فإنه ضمن استمرار الهداية وعدم انقطاعها. دولة الحق ليست دولة مادية بحدود جغرافية كالكوفة أو دمشق، بل هي إمامة وولاية. هي وجود إمام معصوم يهدي الناس إلى الحق.· الموت في سبيل الله عادة واللقاء به شوق: البيت الشعري المنسوب لأهل البيت (عليهم السلام) "إن الموت لنا عادة..." يجسد منطقهم. استشهاد الإمام علي (عليه السلام) هو تتويج لمسيرته، وليس فشلاً. انتقلت الولاية بعده إلى الإمام الحسن (عليه السلام).· الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه): دولة علي (عليه السلام) بقيت وحياً وفكراً ومبدأً متوارثاً عبر الأئمة (عليهم السلام) حتى الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن المهدي (عجل الله فرجه). وجوده (حتى في الغيبة) هو حجة الله على الخلق، وهو الذي سيعيد دولة الحق في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً.
سادساً: الإمام علي (عليه السلام) والسياسة والدولة المهدوية - التأسيس لامتداد الولاية
كانت سياسة الإمام علي (عليه السلام) ودولته قائمة على الحق المحض، وتطبيق الإسلام الصحيح كما أُنزل، وكانت تلك الدولة تمهيداً إلهياً لدور الأئمة (عليهم السلام) من بعده. إن المتتبع لمسيرة أهل البيت (عليهم السلام) يجد أن الظرف العصيب الذي عاشه الإمام (عليه السلام) وتكلل باستشهاده، لم يكن حدثاً منعزلاً، بل كان جزءاً من سلسلة متصلة من التحديات التي واجهها الأئمة (عليهم السلام) واحداً تلو الآخر.
فالإمام علي (عليه السلام) عاش في أصعب الفترات وأكثرها احتراقاً بالأحداث، حيث واجه ثلاثة تيارات رئيسية تمردت على دولته الفتية: الناكثين (أصحاب الجمل)، والقاسطين (معاوية وأهل الشام في صفين)، والمارقين (الخوارج في النهروان). هذا المثلث الخطير كان بمثابة حرب كونية شنت على دولة الإمام بهدف إضعافها من جميع الجهات. لقد كان الإرهاب الأموي يفتح الأبواب على مصراعيها لإضعاف دولة الإمام (عليه السلام) عبر استنزاف طاقاته في حروب داخلية متعددة الجبهات، مما أتاح للانحراف أن يتمدد.
سابعاً: من استشهاد الإمام علي (عليه السلام) إلى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) - مرحلة التغيير والإصلاح
بعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام)، تسلم الراية أخوه الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام). وقد اتخذ سياسة حكيمة تقوم على عدم فسح المجال أمام الأمويين لزرع الفتنة وإنهاء الدين الإسلامي، فقبل بالصلح حقناً لدماء المسلمين. لقد كان هذا الصلح نوعاً من الثبات العظيم، وسياسة الصمت وعدم تحريك ساكن، ليست هزيمة، بل هي جزء من الإرادة الإلهية التي اختارت للإمام الحسن (عليه السلام) هذا الدور ليحافظ على كيان التشيع بعد أن تخاذل الكثيرون. ولم يكن هذا الصلح إلا جذراً من جذور الحرب النفسية التي مهدت لقيام الثورة الكبرى لاحقاً.
ثم جاءت واقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) لتكون محطة فارقة في مسيرة الإصلاح. لقد كان واقع الأمة آنذاك يتمثل في العيش تحت الضيم والظلم، وتقويض الهوية الإسلامية، واستبدالها بهويات قبلية كانت تتصارع من أجل الوصول إلى السلطة. هنا كانت ثقافة الثورة عند الإمام الحسين (عليه السلام) ثقافة إصلاحية بامتياز، هدفها تثبيت الدين وإعادة الهوية الإسلامية إلى مسارها الصحيح. لقد كان خروجه (عليه السلام) لطلب الإصلاح في الأمة، فسيرته في النهضة والإصلاح منهج يُقتدى، وخطابه ومواقفه تشكل معالم هادية لكل حرّ غيور على مصلحة أمته ومجتمعه. إن واقعاً مريراً ممنهجاً بالعداوة والبغضاء من قبل معاوية واتباعه هو الذي استدعى هذه التضحية العظيمة، لتكون المنطلق الحقيقي لبناء الأمة وإصلاحها.
ثامناً: بعد الثورة الحسينية - مطالبة بالدم وتمهيد للظهور
إن إعادة بناء دولة الإمام علي (عليه السلام) من الانهيار الذي لحق بها بسبب تخاذل الكوفيين وانخداعهم بالإعلام الأموي وشراء الذمم، كان رهناً بالبقاء على الولاية واستمرار مسيرة الأئمة (عليهم السلام). وهنا تبرز أهمية الثورات والحركات التصحيحية التي قامت بعد ذلك، وفي مقدمتها ثورة المختار الثقفي التي كانت امتداداً طبيعياً لنهج أهل البيت (عليهم السلام).
لقد قامت ثورة المختار (رضوان الله عليه) وشعارها القصاص والثأر لدماء الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه الذين استشهدوا في كربلاء. والمهم في هذه الثورة أنها حظيت بتفويض وشرعية من الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام). فقد ورد أن الإمام السجاد (عليه السلام) قال: "يا عم (لمحمد بن الحنفية) لو أن عبداً زنجياً تعصب لنا أهل البيت لوجب على الناس موازرته"، بل إن الإمام (عليه السلام) أذن صراحة للمختار بالخروج للقصاص من قتلة الحسين (عليه السلام). وقد تحقق دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) على قتلة جده، حيث أذاقهم الله حر الحديد وحر النار على يد المختار وإبراهيم بن مالك الأشتر، فقتلوا عبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وكل من تورط في تلك الجريمة النكراء.
تاسعاً: الامتداد المهدوي - استمرارية دولة الحق
إن هذه التحولات والتقلبات التي مر بها المجتمع الكوفي، من تخاذل في زمن الإمام علي (عليه السلام) إلى خذلان للإمام الحسين (عليه السلام) ثم استجابة لثورة المختار، كانت اختبارات متتالية للأمة. لكنها في النهاية تؤكد حقيقة واحدة: أن دولة الحق التي أسسها الإمام علي (عليه السلام) لم تنته باستشهاده، ولم تتوقف بصلح الإمام الحسن (عليه السلام)، ولم تمت بدماء الإمام الحسين (عليه السلام)، بل بقيت حية متوارثة عبر الأئمة (عليهم السلام) واحداً تلو الآخر.
فوجود الإمام المعصوم في كل عصر هو الضمان لبقاء هذه الدولة، حتى وإن كانت غائبة عن الأنظار ظاهرياً. ودولة الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) هي الإكمال الطبيعي لهذا المسار الإلهي، وهو الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً. إنها الامتداد الطبيعي لدولة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، القائمة على الحق، الثابتة على الولاية، الرافضة للظلم والطاغوت.
ما مر به الإمام علي (عليه السلام) هو سنة إلهية في ابتلاء الأنبياء والأوصياء. الاختلاف الجوهري بين معسكر الحق ومعسكر الباطل أن معسكر الباطل استخدم المال والإعلام والفساد ليشتري الذمم. تخاذل بعض أهل الكوفة لم ينهِ دولة الحق، بل حوّلها من خلافة ظاهرية إلى إمامة نورانية باطنية تمتد حتى اليوم. المؤامرة قتلت جسد الإمام، لكنها لم تقتل مبادئه وحقيقته، بل جعلت منه نموذجاً خالداً يقتدى به، وأثبتت أن منطق السماء ينتصر دائماً على منطق الأرض مهما طال الزمن.
لقد كانت سياسة الإمام علي (عليه السلام) ودولته تمهيداً إلهياً لمسيرة الأئمة (عليهم السلام) الطويلة. استشهاده لم يكن نهاية، بل كان بداية لمرحلة جديدة من الثبات على الدين. تخاذل الكوفيين وانخداعهم بالإعلام الأموي وشراء الذمم، كشف عن عمق المؤامرة وحجم التحدي. لكن إرادة الله اقتضت أن تبقى راية الولاية خفاقة، عبر تضحيات الأئمة المتتالية: من صلح الإمام الحسن (عليه السلام) الذي حقن الدماء، إلى ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) التي أحيت الدين، إلى ثورة المختار التي طالبت بالثأر، وصولاً إلى دولة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) التي ستعيد الحق إلى نصابه وتحقق وعد الله لعباده الصالحين.
وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن دولة الإمام علي (عليه السلام) كانت دولة الحق وتطبيق الإسلام الصحيح، بينما كان معاوية ومن لف لفه يمثلون الإسلام المنغلف بالباطل والدعايات المضللة.
السلام عليك يا أمين الله على وحيه ونبيه، يا باب مدينة رسول الله، يا أبا الحسنين، يا أمير المؤمنين، ويوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حياً. والسلام على الأئمة المعصومين من ذريتك، والحجة القائم منهم، إلى يوم الدين.
الكاتب والباحث: حيدر الشبلاويأكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكترونيدراسات في تاريخ الأئمة المعصومين (عليهم السلام)